أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

خمسة فقط في بغداد.. ماذا تبقى من يهود العراق؟

خمسة فقط في بغداد.. ماذا تبقى من يهود العراق؟

في أحياء بغداد التي كانت قبل عقود تضم واحداً من أكبر التجمعات اليهودية في الشرق الأوسط، لم يتبقَّ اليوم، بحسب تقرير لمجلة “ آمي الأميركية، سوى عدد قليل للغاية من اليهود. وبين كنيس نادراً ما تُفتح أبوابه وبيوت تبدلت ساكنوها ومعالم اختفى الكثير منها، يحاول من تبقى الحفاظ على آثار مجتمع ارتبط تاريخياً ببغداد والعراق لأكثر من ألفي عام.

وتحت عنوان “زيارة مع آخر يهودي في بغداد”، يروي الكاتب إسحاق هوروفيتز تفاصيل لقائه ببنيامين إلياس، أحد أفراد عائلة يهودية عراقية عريقة لا تزال تعيش في العاصمة، في تقرير نُشر في الرابع من أغسطس/آب 2026.

من عشرات الآلاف إلى خمسة أشخاص

يستعيد التقرير مرحلة كانت فيها بغداد مركزاً مهماً للحياة اليهودية في المنطقة، مشيراً إلى أن عدد اليهود في العراق بلغ في ذروته نحو 150 ألف شخص، وأن اليهود كانوا يشكلون في إحدى المراحل نسبة كبيرة من سكان العاصمة.

لكن هذا الوجود تقلص بصورة دراماتيكية خلال القرن العشرين، ولم يبق في بغداد اليوم، وفقاً للتقرير، سوى خمسة يهود تقريباً.

وكان الدكتور موشيه إلياهو إلياس يتولى شؤون الطائفة الصغيرة حتى وفاته، قبل أن تنتقل المسؤولية إلى شقيقته الدكتورة خالدة إلياس، وهي طبيبة أسنان. ويقول الكاتب إن من تبقى من اليهود يفضلون الابتعاد عن الأضواء وعدم الإعلان عن وجودهم على نطاق واسع.

ومن بين هؤلاء بنيامين إلياس، الذي التقى به الكاتب في شرق بغداد. رفض إلياس التقاط صور له، لكنه وافق على الحديث عن تاريخ عائلته وما تبقى من المعالم اليهودية في المدينة.

«إذا غادرنا.. من سيحافظ على ما تبقى؟»

يلخص بنيامين إلياس سبب تمسكه بالبقاء في العراق بسؤال يحمل بالنسبة إليه بعداً تاريخياً: «إذا غادرنا، فمن سيبقى ليحافظ على الآثار اليهودية في العراق؟».

ويرى إلياس أن المجتمع اليهودي العراقي كان يمتلك تاريخاً بالغ الأهمية، ولذلك لا ينبغي أن يؤدي تقلص عدد أفراده إلى اختفاء ذاكرته ومعالمه.

وبحسب روايته، أصبحت السلطات العراقية خلال الفترة الأخيرة أكثر تعاوناً في التعامل مع ما تبقى من التراث اليهودي، وساعدت في ترميم أحد المواقع اليهودية المهمة في بغداد.

كيف تبدو حياة اليهود المتبقين؟

عاش إلياس، كما يقول التقرير، مراحل شديدة الاضطراب في تاريخ العراق الحديث، من حكم صدام حسين إلى الغزو والوجود الأميركي، ثم سنوات تنظيم «داعش» والصراعات الأمنية اللاحقة.

وعن علاقته بجيرانه المسلمين، يقدم إلياس صورة أكثر تعقيداً من الاختزال الديني، مؤكداً أنه لم يتعرض لمشكلات معهم، وأن غالبية العراقيين يدركون أن اليهود عاشوا في البلاد منذ زمن بعيد.

ويقول إن من الخطأ تعميم الأحكام على المسلمين، مؤكداً أن اليهود المتبقين يعتبرون أنفسهم مواطنين عراقيين متساوين مع غيرهم.

كما يشيد إلياس، وفقاً للمقال، بسياسات الحكومة العراقية الحالية تجاه الأقليات، ويرى أنها اتخذت خطوات لتحسين معاملتها، بما في ذلك اليهود.

كنيس واحد من مئات المعابد

على الرغم من العدد الضئيل المتبقي، يقول التقرير إن اليهود في العراق ما زالوا يحاولون المحافظة على بعض التقاليد والمناسبات الدينية، لكن عددهم لم يعد يسمح بإقامة الصلوات الجماعية المنتظمة.

ومن بين مئات الكنس التي كانت موجودة في بغداد، يشير التقرير إلى بقاء كنيس واحد يستخدم من حين إلى آخر، وهو «كنيس مئير طويق» في منطقة البتاوين.

وكانت البتاوين من أكثر مناطق بغداد تنوعاً خلال القرن العشرين، وانتقلت إليها عائلات يهودية عديدة من مناطق بغداد القديمة.

ويتذكر إلياس الحي بوصفه منطقة حديثة ومريحة نسبياً في ذلك الوقت، سكنتها عائلات من خلفيات مختلفة، وكان بين اليهود المقيمين فيها تجار وأصحاب مهن وعائلات ميسورة.

وكان كنيس مئير طويق أحد أبرز مراكز الحياة الدينية اليهودية في المنطقة.

الفرهود.. نقطة التحول

يربط المقال بداية الانهيار الكبير للمجتمع اليهودي العراقي بما يعرف بأحداث «الفرهود» عام 1941، عندما تعرض يهود بغداد لأعمال قتل ونهب وعنف استمرت يومين وسط اضطرابات سياسية واجتماعية حادة وتأثير متزايد للأفكار المعادية لليهود والمرتبطة آنذاك أيضاً بالدعاية النازية.

ويورد التقرير أن نحو 180 يهودياً قتلوا وأصيب آخرون، فيما تعرضت منازل ومتاجر للنهب.

وتختلف المصادر التاريخية في بعض تفاصيل وأرقام ضحايا الفرهود، إلا أن الأحداث تُعد على نطاق واسع محطة مفصلية في تاريخ يهود العراق، وتركت أثراً عميقاً على شعورهم بالأمان ومستقبل وجودهم في البلاد.

قيام إسرائيل والهجرة الجماعية

وبعد  نكبة فلسطين وقيام إسرائيل 1948، ازدادت الضغوط التي تعرض لها اليهود العراقيون وسط الصراع العربي الإسرائيلي وتصاعد الشكوك السياسية والأمنية بشأنهم.

ويشير المقال إلى إبعاد يهود عن وظائف حكومية، وفرض قيود على بعض أنشطتهم الاقتصادية واعتقال عدد منهم.

ثم سمحت الحكومة العراقية لليهود بمغادرة البلاد مقابل إسقاط الجنسية عن الراغبين في الرحيل، بينما جُمدت لاحقاً ممتلكات من غادروا.

وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي، غادر أكثر من مئة ألف يهودي عراقي إلى إسرائيل، لتنتهي خلال فترة قصيرة حقبة كان فيها اليهود مكوناً بارزاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للعراق.

ومن المهم الإشارة إلى أن ظروف هذه الهجرة وأسبابها لا تزال موضع نقاش تاريخي وسياسي، إذ تداخلت فيها عوامل الاضطهاد والقيود الحكومية والخوف الناتج عن الصراع العربي الإسرائيلي، إلى جانب النشاط الصهيوني والظروف الإقليمية المتغيرة.

الإعدامات والهجرة الأخيرة

واصل عدد اليهود في العراق الانخفاض خلال العقود التالية، خصوصاً في ظل الحكومات الجمهورية والبعثية.

وفي أواخر الستينيات، أعدم النظام العراقي عدداً من الأشخاص، بينهم يهود، بعد اتهامهم بالتجسس، في محاكمات وإعدامات علنية.

ودفعت الظروف السياسية والأمنية مزيداً من اليهود إلى البحث عن طرق لمغادرة العراق، حتى أصبح المجتمع الذي كان يعد بعشرات الآلاف مجرد عشرات ثم أفراد معدودين.

منطقة البتاوين وسط بغداد
منطقة البتاوين وسط بغداد (ناشنال نيوز)

ماذا حدث للبتاوين؟

يتناول التقرير أيضاً التحول الذي طرأ على حي البتاوين بعد رحيل غالبية سكانه اليهود.

فقد انتقلت إليه عائلات عراقية من مناطق مختلفة، ثم استقبل لاحقاً عمالاً ومهاجرين عرباً وأجانب، خصوصاً خلال سنوات الطفرة النفطية والحرب العراقية الإيرانية، عندما احتاج العراق إلى أعداد كبيرة من العمالة الخارجية.

وبعد عام 2003، شهدت المنطقة تراجعاً أمنياً واجتماعياً وارتفاعاً في معدلات الجريمة ونشاط الجماعات المسلحة، وفق وصف التقرير.

ولهذا السبب يقول بنيامين إلياس إنه نادراً ما يذهب إلى الحي الذي نشأ فيه.

وحين طلب الكاتب زيارة الكنيس، نصحه إلياس بأن تكون الزيارة بعيدة عن الأضواء، معتبراً أن طلب إذن رسمي قد يدفع السلطات إلى توفير حماية أمنية للصحفي طوال فترة وجوده في البلاد.

ذاكرة أكبر من عدد من تبقى

لا يقدم التقرير قصة اليهود الخمسة المتبقين في بغداد باعتبارها مجرد حكاية أقلية دينية صغيرة، بل باعتبارها نهاية محتملة لفصل طويل من تاريخ المدينة.

فاليهودية العراقية لم تكن وجوداً عابراً؛ فقد ارتبطت بلاد الرافدين بتاريخ يهودي يمتد إلى السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، وأصبحت المنطقة لاحقاً أحد أهم مراكز الدراسات الدينية اليهودية، ومنها خرج “التلمود البابلي”.

واليوم، بعد أكثر من ألفي عام، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بعدد اليهود الذين ما زالوا يعيشون في بغداد، بل بمصير المعابد والمقابر والمنازل والوثائق والذاكرة الاجتماعية التي تركها مجتمع كان يوماً جزءاً أساسياً من نسيج العاصمة.

ومن هنا يأتي السؤال الذي يطرحه بنيامين إلياس في التقرير: إذا رحل آخر اليهود، فمن سيحافظ على ما تبقى من هذا التاريخ؟

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.