في وقت تخوض فيه طهران مفاوضات شديدة الحساسية مع واشنطن بشأن مضيق هرمز ومستقبل الحرب، أجرت القيادة الإيرانية تغييراً مهماً في قمة هرمها الأمني، بتعيين القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي.
خطوة ترى صحيفة «نيويورك تايمز» أنها قد تعكس اتجاهاً نحو تعزيز نفوذ الحرس الثوري والحرس القديم داخل دوائر صنع القرار، وربما إعادة ضبط التوازنات بين مراكز القوة المتنافسة في طهران.
عودة محسن رضائي إلى الواجهة
أعلنت إيران تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفاً لمحمد باقر ذو القدر الذي قدم استقالته وينتظر أن يتولى منصباً آخر.
ولا يُعد رضائي اسماً جديداً في المؤسسة الإيرانية؛ فقد تولى قيادة الحرس الثوري خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وظل طوال أكثر من أربعة عقود حاضراً في المستويات العليا للمؤسستين العسكرية والسياسية، كما خاض سباق الرئاسة عدة مرات من دون أن يفوز.
وكان رضائي يشغل في الفترة الأخيرة منصب مستشار المرشد الأعلى الإيراني آية الله مجتبى خامنئي.
أما ذو القدر، فتولى أمانة المجلس بعد مقتل سلفه علي لاريجاني في ضربة إسرائيلية خلال الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في وقت سابق من العام الجاري.
لماذا يُعد المنصب مهماً الآن؟
تكمن أهمية التغيير في توقيته؛ فالمجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، يمثل إحدى أهم دوائر صنع القرار في إيران، ويلعب دوراً رئيسياً في تحديد سياسة البلاد تجاه الحرب مع الولايات المتحدة.
وكان المجلس قد وافق في يونيو/حزيران على مذكرة تفاهم لوقف القتال، لكن التفاهم انهار سريعاً بسبب الخلاف بين طهران وواشنطن حول السيطرة على مضيق هرمز.
وبالتالي، فإن وصول شخصية بثقل رضائي إلى قيادة المجلس يأتي بينما تقف إيران أمام قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والمفاوضات والمضيق.
الحرس القديم يعزز نفوذه
يرى حميد رضا عزيزي، الخبير في الشؤون الأمنية الإيرانية المقيم في برلين، أن اختيار رضائي يحمل رسالة مهمة: بدلاً من انتقال السلطة تدريجياً إلى جيل أصغر من النخب السياسية والأمنية، يبدو أن الشخصيات القديمة في المؤسسة الأمنية تعمل على ترسيخ نفوذها بصورة أكبر.
ويرى عزيزي أيضاً أن التعيين قد يكون محاولة لإعادة التوازن أمام النفوذ المتنامي لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري، والذي يتولى دوراً بارزاً في المفاوضات الإيرانية مع الولايات المتحدة.
وكان قاليباف قد دافع سابقاً عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه طهران وواشنطن في يونيو/حزيران، رغم تعرض الاتفاق لانتقادات شديدة من التيارات الأكثر تشدداً في الداخل الإيراني.
وبحسب عزيزي، قد يعني صعود رضائي أن «الجناح الأكثر تشدداً داخل النظام يكتسب اليد العليا».
الحرس الثوري في قلب القرار
من جانبه، يرى سعيد غولكار، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تينيسي في تشاتانوغا والمتخصص في دراسة المؤسسات الأمنية الإيرانية، أن تعيين رضائي يقدم دليلاً إضافياً على أن الحرس الثوري أصبح في قلب عملية اتخاذ القرارات الكبرى في البلاد.
لكنه يحذر من تفسير الخطوة تلقائياً على أنها تحول نحو سياسة أكثر تشدداً أو، في المقابل، أكثر براغماتية.
فالمسألة قد تتعلق أيضاً بصراع النفوذ والطموحات الشخصية داخل النظام.
ويتوقع غولكار أن تظهر خلافات مستقبلاً بين رضائي وقاليباف، خصوصاً أن كليهما يمتلك طموحات سياسية كبيرة وسبق لهما خوض الانتخابات الرئاسية.
هل يريد خامنئي كبح نفوذ قاليباف؟
أحد التفسيرات التي يطرحها التقرير هو أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ربما يسعى من خلال تعيين رضائي إلى منع قاليباف من اكتساب نفوذ مفرط، خصوصاً في ملف التفاوض مع واشنطن.
وبحسب هذا التصور، لا يتعلق التغيير بمجرد استبدال مسؤول بآخر، وإنما بإعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام في مرحلة تتشابك فيها ملفات الحرب والدبلوماسية والأمن الداخلي.
ورسم رجل الدين محمد باقر خرازي، المرتبط بعلاقة مصاهرة مع خامنئي، صورة أكثر حدة للتغييرات. ففي تصريحات مصورة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، زعم أن إعادة تشكيل المجلس تأتي أيضاً في إطار محاولة للحد من نفوذ الرئيس مسعود بزشكيان.
كما ادعى أن خامنئي ضاق ذرعاً بخلافاته مع الرئيس مسعود بزشكيان، وأن وزير الخارجية عباس عراقجي تلقى توجيهاً بعدم التدخل في المفاوضات.
لكن مكتب المرشد الأعلى ومكتب الرئيس بزشكيان نفيا هذه الرواية.
ماذا يعني التغيير للمفاوضات مع واشنطن؟
لا يقدم تعيين رضائي وحده دليلاً قاطعاً على أن إيران ستنسحب من المسار الدبلوماسي أو ستتبنى موقفاً أكثر تصعيداً. لكنه يكشف، وفق التحليلات الواردة في التقرير، عن إعادة ترتيب مهمة لموازين القوة في طهران.
والأهم أن هذا التغيير يأتي بينما تتفاوض إيران على واحد من أكثر الملفات حساسية منذ اندلاع الحرب: من يسيطر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وبأي شروط يمكن تحويل التهدئة المؤقتة إلى اتفاق أكثر استقراراً؟
لذلك قد لا تكون المسألة مجرد تغيير في منصب أمني رفيع، بل مؤشراً إلى الجهة التي ستكون صاحبة الصوت الأقوى عندما يتعين على طهران الاختيار بين التسوية مع واشنطن أو مواصلة سياسة الضغط والمواجهة.









