في واحدة من أكثر المفارقات لفتاً للانتباه منذ اندلاع حرب إيران، لم ترتفع أسعار النفط إلى المستويات الكارثية التي توقعها كثير من المحللين، رغم تعطل جزء كبير من الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وبينما ساعدت السعودية والإمارات والولايات المتحدة ودول أخرى في تخفيف الصدمة، تشير سلسلة من التحليلات الاقتصادية إلى عامل أكثر أهمية وربما أكثر مفاجأة: الصين خفضت مشترياتها النفطية بصورة هائلة، فتحولت من أكبر مستورد للخام في العالم إلى قوة قادرة عملياً على موازنة السوق.
وتذهب مجلة «الإيكونوميست» إلى حد القول إن على الأسواق أن تنسى، مؤقتاً على الأقل، فكرة أن «أوبك» وحدها تحدد اتجاه النفط، لأن الحزب الشيوعي الصيني بات يمتلك نفوذاً كبيراً في تحديد حجم الطلب العالمي.
كيف منعت الصين انفجار الأسعار؟
مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، حُرم السوق من جزء ضخم من النفط الخليجي. وسارعت السعودية والإمارات إلى تحويل نحو 5 ملايين برميل يومياً عبر خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، فيما أطلقت الولايات المتحدة واليابان كميات قياسية من الاحتياطيات النفطية الطارئة، كما لجأت بعض الدول الفقيرة إلى ترشيد الاستهلاك.
لكن «الإيكونوميست» ترى أن هذه الإجراءات وحدها لم تكن كافية لمنع أزمة أكبر.
فبين فبراير/شباط ويونيو/حزيران، خفضت الصين وارداتها من الخام بنحو النصف، أي بما يصل إلى نحو 5.5 ملايين برميل يومياً مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
ويقدّر خبراء نقلت عنهم المجلة أن هذا الانخفاض في الطلب الصيني ربما خفّض سعر خام برنت بنحو 30 دولاراً للبرميل أو أكثر مقارنة بما كان يمكن أن يصل إليه لو استمرت الصين في الشراء بالمعدلات السابقة.
والأهم أن التراجع لم يكن نتيجة انهيار اقتصادي صيني؛ فالاقتصاد واصل النمو، ما يعني أن بكين لم تخفض الواردات لأنها دخلت في ركود، بل لأنها كانت قادرة على الاستغناء مؤقتاً عن كميات هائلة من الخام المستورد.
الصين تحمل آسيا على كتفيها
تظهر أرقام وكالة رويترز الصورة بصورة أكثر وضوحاً. فقد بلغت واردات الصين من الخام في يوليو/تموز نحو 8.41 ملايين برميل يومياً، ارتفاعاً من 7.12 ملايين في يونيو/حزيران، لكنها ظلت أقل بنحو 24% من مستواها في يوليو من العام الماضي.
وإذا جُمعت واردات يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز، فإن المتوسط لا يتجاوز 7.78 ملايين برميل يومياً، أي أقل بنحو 4.21 ملايين برميل يومياً من متوسط الأشهر الثلاثة السابقة لاندلاع الحرب.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: آسيا كلها فقدت نحو 4 ملايين برميل يومياً من وارداتها مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب، وهو رقم يقارب تقريباً حجم الانخفاض في الواردات الصينية وحدها.
بمعنى آخر، الصين هي التي قامت بمعظم خفض الطلب المطلوب لتحقيق التوازن في سوق النفط الآسيوية.
لماذا استطاعت بكين فعل ذلك؟
أحد الأسباب هو الحجم الهائل للمخزونات الصينية.
وتشير تقديرات المحللين إلى أن الصين تمتلك ما لا يقل عن 1.2 مليار برميل من النفط في المخزونات الاستراتيجية والتجارية، وربما يكون الرقم الحقيقي أعلى بكثير.
هذه الكميات تمنح المصافي الصينية قدرة على خفض مشترياتها الخارجية لفترة طويلة نسبياً، وسحب النفط من المخزون عندما ترتفع الأسعار أو تتعطل الإمدادات.
كما أن الصين معروفة تاريخياً بسلوكها البراغماتي في السوق؛ فعندما ترتفع الأسعار بقوة، تميل إلى تقليص الواردات وانتظار ظروف أفضل للشراء.
وقد بلغ خام برنت في 30 أبريل/نيسان نحو 126 دولاراً للبرميل، وهو مستوى ساهم في دفع بكين إلى مزيد من الحذر في التعاقد على شحنات يونيو ويوليو.
اللغز الصيني الكبير
تصف مجلة «ذا أتلانتيك» ما حدث بأنه أحد أكبر ألغاز أزمة النفط الحالية.
فالصين كانت قبل الحرب أكبر مستورد للنفط في العالم، وتشتري كميات تتجاوز واردات القارة الأوروبية بأكملها، وتقترب من ضعف واردات الولايات المتحدة.
ثم، خلال أسابيع، قلصت مشترياتها إلى مستويات لم يتوقعها أحد.
والسؤال ليس فقط لماذا فعلت ذلك، بل كيف تمكنت من الاستمرار في تشغيل اقتصادها دون تلك الملايين من البراميل؟
الإجابة الكاملة لا تزال غير واضحة، لكن هناك ثلاثة عناصر أساسية: المخزونات الضخمة، خفض تشغيل بعض المصافي، والتحول المتسارع نحو المركبات الكهربائية.
السيارات الكهربائية تدخل معركة هرمز
وهنا يضيف موقع «أويل برايس» بعداً أكثر استراتيجية.
فالصين ليست فقط قادرة على استخدام المخزونات عند حدوث أزمة، بل إنها تخفض حاجتها البنيوية إلى النفط عاماً بعد عام بفضل كهربة قطاع النقل.
ويقدّر التقرير أن السيارات والمركبات الكهربائية في الصين أزاحت خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 34 مليون طن من النفط، بما يعادل قرابة 1.35 مليون برميل يومياً من الطلب المحتمل.
هذه الكمية تساوي أكثر من 1% من استهلاك النفط العالمي، وتعادل تقريباً عُشر كمية الخام التي كانت تمر عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية.
والمغزى هنا مهم: المخزون النفطي يؤجل الأزمة، أما السيارة الكهربائية فتلغي الحاجة إلى استهلاك البرميل من الأساس.
من السيارات إلى الشاحنات الثقيلة
بدأت الصين بالحافلات الكهربائية، ثم انتقلت بسرعة إلى سيارات الركوب.
وفي عام 2025 بيع في الصين أكثر من 13 مليون سيارة كهربائية، أي ما يقارب 55% من مبيعات السيارات الجديدة، ووصل عدد السيارات الكهربائية على الطرق إلى نحو 44 مليون مركبة.
لكن التطور الأكثر تأثيراً على النفط قد يأتي من الشاحنات.
فالشاحنات الكهربائية الثقيلة بدأت تنتشر في الموانئ والمناجم والمناطق الصناعية وعلى خطوط النقل الإقليمية، وهي قطاعات تستهلك عادة كميات ضخمة من الديزل.
وفي 2025 وصلت المركبات الكهربائية الثقيلة إلى نحو 28% من مبيعات الشاحنات الثقيلة في الصين، بعدما كانت حصتها 13% فقط في 2024.
أمن الطاقة بواجهة صناعية
عادة ما يُنظر إلى ثورة السيارات الكهربائية الصينية باعتبارها سياسة مناخية أو استراتيجية صناعية لمنافسة شركات السيارات الغربية.
لكن أزمة هرمز تكشف وجهاً ثالثاً لها: أمن الطاقة.
فكل سيارة تعمل بالبنزين تعني اعتماداً مستمراً على النفط المستورد طوال سنوات.
أما السيارة الكهربائية فتنقل الطلب من النفط إلى الكهرباء، التي يمكن للصين إنتاجها داخلياً من الفحم والطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية والمياه.
حتى عندما تُشحن السيارة بالكهرباء المنتجة من الفحم، فإنها من منظور الأمن القومي تقلص الحاجة إلى ناقلات النفط القادمة عبر هرمز.
شبكة كهرباء عملاقة
تعزز الصين هذا التحول باستثمارات هائلة في إنتاج الكهرباء.
ففي 2025 أضافت البلاد قرابة 500 غيغاواط من الطاقة المتجددة الجديدة، بينها نحو 370 غيغاواط من الطاقة الشمسية و117 غيغاواط من طاقة الرياح.
وهذا يعني أن جزءاً متزايداً من الطلب الناتج عن كهربة النقل يمكن تغطيته من مصادر محلية، وليس من النفط أو الغاز المستورد.
هل فقد مضيق هرمز جزءاً من سلاحه؟
لا تزال الصين تعتمد بقوة على النفط الخارجي، ويُقدّر أن نحو 45 إلى 50% من وارداتها النفطية كانت تمر عادة عبر مضيق هرمز.
وبالتالي فإن إغلاق المضيق لفترة طويلة سيظل مؤلماً لبكين، خصوصاً للصناعات البتروكيماوية والطيران والشحن.
لكن الفارق أن الصين أصبحت أقل هشاشة مما كانت عليه قبل عقد أو عقدين.
فكل مليون برميل تُلغيه السيارات الكهربائية من الطلب يعني مخزونات تدوم لفترة أطول، وحاجة أقل إلى شراء النفط من روسيا أو أفريقيا أو أميركا اللاتينية، وضغطاً أقل على تكاليف النقل والتأمين.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تؤدي المركبات الكهربائية إلى إزاحة أكثر من 4 ملايين برميل يومياً من الطلب الصيني على النفط بحلول 2035.
هل أصبحت بكين «صانع السوق» الجديد؟
من المبكر القول إن الصين حلت محل «أوبك» في سوق النفط، فالسعودية وروسيا ومنتجو الخليج ما زالوا يملكون تأثيراً ضخماً في جانب العرض.
لكن أزمة هرمز أظهرت أن هناك قوة أخرى لا تقل أهمية: الطلب الصيني.
فعندما تزيد الصين مشترياتها يمكن أن تدفع الأسعار صعوداً، وعندما تخفضها بملايين البراميل تستطيع تخفيف واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في تاريخ السوق.
والتحول الأعمق أن بكين لم تعد تعتمد فقط على تخزين النفط أو تنويع الموردين لمواجهة الأزمات، بل تعمل على تقليص حاجتها إلى النفط نفسه.
وهكذا، ربما لا تكون القوة النفطية الجديدة هي الدولة التي تنتج أكبر عدد من البراميل، بل الدولة التي تستطيع أن تقرر فجأة أنها لن تشتريها.
المصادر/ الإيكونوميست- رويترز – ذا أتلانتيك- أويل برايس









