أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
جولة الصحافة

داعش لم يعد هناك.. فلماذا لا يعود أهالي قرى سنجار؟

داعش لم يعد هناك.. فلماذا لا يعود أهالي قرى سنجار؟

بعد نحو عقد على انتهاء المعارك ضد ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمال العراق، يفترض أن تكون قرى قضاء سنجار في محافظة نينوى شمال العراق قد بدأت تستعيد حياتها وسكانها.

لكن تقريراً ميدانياً لصحيفة الغارديان من المنطقة يرسم صورة مختلفة: بيوت مهدمة، شوارع بلا أطفال، مدارس يتناقص طلابها، أراضٍ يصعب العيش منها، وقرى تحولت فعلياً إلى أماكن مهجورة.

فبعدما كان داعش والحرب سبب النزوح الأول، برزت اليوم أسباب أخرى تمنع الناس من العودة: الجفاف، وشح المياه، والحرارة التي تقترب من 50 درجة، وغياب فرص العمل وإعادة الإعمار والخدمات.

ويختصر مختار قرية فاكا، رجب محمد، التحول بقوله إن المشكلة اليوم لم تعد داعش وحده، بل «الماء والعمل والمستقبل».

150 عائلة أصبحت 20

تبدأ الغارديان رحلتها من قرية فاكا في قضاء سنجار، حيث يلفت الصمت انتباه الزائر قبل أي شيء آخر. لا أطفال في الشوارع ولا متاجر مفتوحة، بينما تنتشر المنازل بلا أسقف وتحمل الجدران آثار القذائف، وتنمو الأعشاب داخل غرف انهارت منذ سنوات.

قبل أغسطس/آب 2014، كانت القرية تضم نحو 150 عائلة. لكن مع اجتياح داعش سنجار فر السكان أمام تقدم التنظيم.

وفي الشهر نفسه شن داعش حملته ضد المجتمع الإيزيدي، التي اعترفت بها الأمم المتحدة باعتبارها إبادة جماعية، وقُتل خلالها الآلاف واختُطف أكثر من 6 آلاف شخص، معظمهم من النساء والأطفال.

ورغم أن فاكا وقرية قبق المجاورة أفلتتا من المجازر الجماعية التي تعرضت لها قرى أخرى، فإن الغارات الجوية والمعارك البرية دمرت أجزاء واسعة منهما.

واليوم لم تعد إلى فاكا سوى نحو 20 عائلة.

لماذا لا يعود الآخرون؟

الإجابة، بحسب سكان المنطقة، ليست مرتبطة بالأمن وحده.

فالعائلات التي تفكر بالعودة تواجه سؤالين أساسيين: أين ستعيش؟ ومن أين ستحصل على دخل؟

يقول عقيل رضا من قرية قبق إن الناس يتساءلون عن سبب عدم عودة العائلات، لكن الجواب بسيط: لا توجد مساكن مناسبة ولا مصادر رزق كافية.

وتوضح الغارديان أن عدم إعادة إعمار المنازل وندرة الوظائف وضعف الخدمات يتزامن مع أزمة مناخية جعلت الزراعة، وهي مصدر دخل رئيسي في هذه المناطق، أكثر صعوبة وأقل قدرة على ضمان حياة مستقرة.

العائلات التي تفكر بالعودة تواجه سؤالين أساسيين: أين ستعيش؟ ومن أين ستحصل على دخل؟
العائلات التي تفكر بالعودة تواجه سؤالين أساسيين: أين ستعيش؟ ومن أين ستحصل على دخل؟ ( فيسبوك)

حرارة تقترب من 50 درجة

هنا تنتقل القصة من آثار الحرب إلى أزمة أكبر تواجه العراق.

فوفق التقرير، صنفت الأمم المتحدة العراق خامس أكثر دول العالم عرضة لمخاطر تراجع توافر المياه والغذاء والحرارة الشديدة.

وتتوقع السلطات العراقية أنه بحلول عام 2050 قد يرتفع متوسط الحرارة السنوي بنحو 2.5 درجة مئوية، مع إضافة 24 يوماً سنوياً تتجاوز فيها درجات الحرارة مستويات الحرارة القصوى.

وفي سنجار اقتربت درجات الحرارة خلال صيف هذا العام من 50 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه أصبحت الأمطار أكثر اضطراباً، والصيف أطول وأكثر حرارة، بينما تؤدي فترات الجفاف الممتدة إلى تراجع الإنتاج الزراعي.

والتحذير الأخطر الذي ينقله التقرير عن الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق هو أنه، إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد لا يتمكن العراق بحلول عام 2035 من تلبية سوى 15% من احتياجاته المائية.

أكثر من 186 ألف عراقي نزحوا بسبب عوامل مناخية

بالنسبة إلى سكان الريف، لم يعد ممكناً فصل المناخ عن الهجرة.

وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن أكثر من 186 ألف شخص في العراق كانوا قد نزحوا بسبب عوامل مرتبطة بالمناخ حتى سبتمبر/أيلول 2025.

وهذا يعني أن العراق، الذي عاش موجات نزوح هائلة بسبب الحروب والإرهاب والعنف، يواجه الآن شكلاً مختلفاً من النزوح: الناس يتركون قراهم لأن البيئة نفسها لم تعد قادرة على توفير مقومات الحياة التي عرفوها سابقاً.

قرية تل جدو.. من أكثر من 200 إلى نحو 50 شخصاً

في قرية تل جدو، يسير بهجت عثمان حسن بين منازل مدمرة لم تُبنَ من جديد.

الطرق لا تزال ترابية، والكهرباء متقطعة. وقبل الحرب كان يعيش هناك أكثر من 200 شخص، بينما لم يبق اليوم سوى نحو 50.

ويقول حسن إن السكان لم يغادروا لأنهم أرادوا الرحيل، وإنما لأنهم لم يعودوا قادرين على العيش هناك.

وما زالت بعض الأراضي المحيطة ملوثة بالألغام والمخلفات الحربية غير المنفجرة، لكن الخطر الذي يقلق السكان بصورة متزايدة أصبح موجوداً تحت أقدامهم: المياه الجوفية تنخفض عاماً بعد عام.

الماء كان على عمق 10 أمتار.. الآن 25 متراً

يقدم بهجت حسن مثالاً مباشراً على حجم المشكلة.

قبل سنوات كان السكان يستطيعون الوصول إلى المياه بحفر نحو 10 أمتار. أما اليوم فيحتاجون إلى الحفر حتى عمق يقارب 25 متراً.

وكلما انخفض منسوب المياه أصبحت عملية حفر الآبار واستخراج المياه أكثر تكلفة، ما يزيد العبء على مزارعين يعانون أصلاً من تراجع المحاصيل والحرارة والجفاف.

قرية الساجعة.. لا أحد بقي

أما قرية الساجعة فتمثل، بحسب التقرير، ما قد يحدث عندما تتجاوز القرية نقطة اللاعودة.

قبل الحرب كانت تعيش فيها 37 عائلة. واليوم لا يزال 24 منزلاً قائماً، لكنها جميعاً متضررة بشدة، وانتشرت النباتات البرية داخل الغرف والساحات والأراضي المهجورة.

ولا يسكن القرية أحد الآن.

يقول آصف حسن علي إن السكان انتقلوا إلى تلعفر. وهو نفسه يعيش هناك، لكنه يعود خلال الموسم الزراعي ويقيم في كرفان قرب الأراضي التي لا يزال يزرعها.

أما إعادة العائلات بصورة دائمة، فيصفها بأنها شبه مستحيلة، لأن المنازل تعرضت للقصف ولم يعد هناك مكان صالح للعيش.

حتى الزوابع الترابية أصبحت تهدد المحاصيل

وفي قرية قزل قويو يروي شاب يدعى سماعين، يبلغ 19 عاماً، كيف احترقت حديقة الخضروات الخاصة بعائلته قبل أيام فقط من زيارة الصحيفة.

وبحسب روايته، مرت زوبعة ترابية صغيرة وسريعة الدوران عبر الحقول المجاورة، وتسببت في شرارة كهربائية أشعلت النباتات الجافة.

وتقول الغارديان إن هذه الأعمدة الدوارة من الهواء الساخن، التي تظهر خلال الصيف العراقي شديد الحرارة، أصبحت هي الأخرى أحد رموز التغير المناخي في المنطقة.

الخطر الأكبر.. القرى تفقد جيلاً كاملاً

لكن التقرير يرى أن الأزمة لا تتعلق فقط بتناقص عدد السكان، وإنما بشيء ربما يكون أكثر خطورة على مستقبل هذه المجتمعات: رحيل الشباب.

أعداد التلاميذ في مدارس القرى تتراجع عاماً بعد عام. ومن يغادر لإكمال دراسته الجامعية نادراً ما يعود، بينما يتوجه آخرون مباشرة إلى الموصل أو أربيل للعمل في قطاع البناء.

ورغم أن الأجور في المدن قد لا تكون مرتفعة، فإنها تبقى أكثر استقراراً من دخل الزراعة الذي أصبح مرهوناً بالمطر والمياه والحرارة.

سماعين نفسه يلخص المعضلة التي يعيشها شباب المنطقة: معظم أصدقائه يريدون المغادرة، وهو يفكر أحياناً بالطريقة نفسها، لكنه يتساءل: إذا رحلت، فمن سيساعد والديّ؟

النزوح الثاني

يرسم تقرير الغارديان صورة لما يمكن وصفه بـ “النزوح الثاني” في سنجار.

النزوح الأول فرضه داعش والحرب في 2014، ودُمرت خلاله القرى وتشتت سكانها. وبعد مرور سنوات على انتهاء القتال، كان من المفترض أن تبدأ رحلة العودة.

لكن العودة اصطدمت بواقع جديد: منازل لم تُعمّر، فرص عمل محدودة، خدمات ضعيفة، مخلفات حرب وألغام، ثم جفاف وحرارة قياسية ومياه جوفية تنحسر عاماً بعد عام.

وهكذا، فإن بعض قرى سنجار لم تعد تواجه السؤال القديم: هل أصبح المكان آمناً للعودة؟

بل سؤالاً أكثر قسوة: حتى إذا انتهت الحرب.. هل بقي في المكان ما يكفي للحياة؟

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

ما قصة المنزل المعجزة في النيبال؟
جولة الصحافة

ما قصة المنزل المعجزة في النيبال؟

وسط مشهد تحولت فيه معظم المنازل والأسواق والجسور في النيبال إلى أكوام من الطين والحطام، بقي منزل أخضر من ثلاثة طوابق واقفاً بصورة بدت…

منذ 1 weekأوج24
من ينتصر في حرب إيران؟
جولة الصحافة

من ينتصر في حرب إيران؟

تناولت صحيفة “يو إس إيه توداي” الأميركية، اليوم الخميس، آخر تطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بعد قرابة ستة أشهر على اندلاعها، وخلصت إلى…

منذ 2 weeksأوج24
اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.