تناول موقع أكسيوس الأميركي في تقرير تحليلي نشره اليوم الثلاثاء الخلافات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحلفاء واشنطن، وقال إنها لم تعد محصورة في تقاسم أعباء الدفاع أو الإنفاق العسكري.
فبحسب تحليل نشره الموقع للكاتب زاكاري باسو، تحولت حرب إيران إلى اختبار أوسع لطريقة ترامب في إدارة التحالفات: من لا يقف مع الولايات المتحدة في معركة، قد يدفع الثمن في ملف آخر.
لكن المفارقة التي يركز عليها المقال أن هذه السياسة تأتي في وقت تكشف فيه الحرب نفسها حدود قدرة القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية على فرض النتائج؛ فالمواجهة مع إيران لم تنتهِ إلى اتفاق نهائي، ومضيق هرمز لا يزال عقدة أساسية، فيما تتزايد الضغوط على الانتشار العسكري الأميركي في مناطق أخرى من العالم.
كوريا الجنوبية.. من «حليف نموذجي» إلى هدف للضغط
يقدم المقال كوريا الجنوبية بوصفها أحدث الأمثلة وأكثرها إثارة للانتباه. فبعد فترة قصيرة من وصف وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث لها بأنها «حليف نموذجي»، أمر ترامب البنتاغون بتقليص المناورات السنوية المشتركة معها بصورة كبيرة.
هذه المناورات ليست مجرد تدريبات عسكرية عادية، بل تمثل منذ عقود ركناً مهماً في منظومة الردع الأميركية-الكورية الجنوبية في مواجهة كوريا الشمالية المسلحة نووياً.
وبحسب أكسيوس، ربط ترامب قراره أيضاً بموقف سول من حرب إيران. فقد أشار في إعلانه إلى أنه طلب من الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ المشاركة مع الولايات المتحدة في جهود نزع القدرات النووية الإيرانية، لكن سول رفضت.
وأوضح ترامب منطقه بصورة أكثر مباشرة عندما قال للصحفيين إن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار في حماية دول لا تكون مستعدة لمساعدتها عندما تحتاج إليها.
وتعليقا على ذلك قال الرئيس الكوري الجنوبي، الثلاثاء، إن “التحالف القوي مع الولايات المتحدة يمثل ضرورة متبادلة”، وذلك بعد يوم واحد من اتخاذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراراً بتقليص حجم المناورات العسكرية المشتركة مع البلاد.
وأضاف لي في تصريحات أمام مجلس الأمن القومي في بلاده: “التحالف القوي بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة والقدرة الدفاعية المستقلة هما شرطان ضروريان ومتبادلان“.
أوروبا.. الولاء السياسي يدخل حسابات الانتشار العسكري
يرى المقال أن أوروبا عانت منذ سنوات من ضغوط ترامب على التحالفات التقليدية، إلا أن حرب إيران جعلت هذه السياسة أكثر تنظيماً ومنهجية.
وبحسب ما ينقله أكسيوس عن بلومبرغ، أرسلت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) استبياناً إلى حلفاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتقييم مواقفهم، في وقت تدرس فيه واشنطن الأماكن التي ينبغي أن تحتفظ فيها بقواتها وتلك التي يمكن أن تنسحب منها.
ولا تقتصر الأسئلة على التعاون العسكري أو شراء الأسلحة أو السماح للقوات الأميركية باستخدام القواعد، بل تصل إلى سؤال حساس يتعلق بمدى انسجام الدولة الحليفة مع توجهات إدارة ترامب في السياسة الخارجية.
وهنا يطرح المقال تساؤلاً ضمنياً مهماً: هل تتحول المظلة الأمنية الأميركية من التزام استراتيجي طويل الأمد إلى علاقة مشروطة بمدى توافق الحليف سياسياً مع البيت الأبيض؟
ألمانيا وإسبانيا.. الخلاف حول إيران له ثمن
يستشهد أكسيوس بألمانيا مثالاً على ذلك، مشيراً إلى أن البنتاغون تحرك في مايو لسحب نحو خمسة آلاف جندي أميركي منها بعد انتقادات حادة وجهها المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى استراتيجية ترامب تجاه إيران.
أما إسبانيا، فقد واجهت تهديداً أشد بعدما رفضت السماح باستخدام قواعدها في ضرب إيران. ووفق المقال، هدد ترامب بقطع التجارة معها، قبل أن تذكر رويترز لاحقاً أن مسؤولاً في البنتاغون طرح حتى إمكانية تعليق عضوية إسبانيا في حلف الناتو.
حتى عُمان لم تسلم من غضب ترامب
المثال الأكثر حساسية في الشرق الأوسط هو عُمان، نظراً إلى دورها وسيطاً رئيسياً في المساعي الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز.
ومع ذلك، يقول المقال إن ترامب هدد عُمان الاثنين باستخدام القوة إذا وقفت في طريق التوصل إلى اتفاق مع إيران.
وتبدو المفارقة هنا واضحة: واشنطن تحتاج إلى الوسيط العُماني لإنجاز التسوية، لكنها في الوقت نفسه تمارس عليه ضغطاً شديداً، وهو ما يعكس، وفق منطق المقال، مدى التوتر الذي وصلت إليه الدبلوماسية الأميركية مع استمرار المأزق الإيراني.
المفارقة الكبرى.. القوة الأميركية لم تحسم حرب إيران
ينتقل أكسيوس بعد ذلك إلى الفكرة المركزية في تحليله: في وقت يعاقب فيه ترامب حلفاءه لعدم مساعدته في الحرب، تكشف الحرب نفسها حدود القوة الأميركية الصلبة.
فقد انتهت، بحسب المقال، مهلة الستين يوماً التي حددتها الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي من دون اتفاق، بل يرى أكسيوس أن مواقف الطرفين أصبحت أكثر تباعداً مقارنة بمرحلة توقيع مذكرة التفاهم في يونيو.
ويظل مضيق هرمز الرمز الأبرز لهذا المأزق. فبعد أشهر من الضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية، لم تصل الأزمة إلى تسوية نهائية، رغم إصرار ترامب على أن المضيق «مفتوح».
ضغط إيران يمتد بصورة غير مباشرة إلى آسيا
يشير المقال كذلك إلى بُعد استراتيجي آخر: استنزاف الموارد العسكرية الأميركية.
فالبحرية الأميركية تنقل حاملة الطائرات ” جورج واشنطن”من غرب المحيط الهادئ لتحل محل “إبراهام لنكولن” التي طال انتشارها، وهو ما يعني أن آسيا ستجد نفسها مؤقتاً من دون حاملة طائرات أميركية.
وهذه نقطة مهمة في تحليل أكسيوس، لأنها توضح أن التركيز العسكري على إيران لا يجري في فراغ؛ فكل قطعة عسكرية تُنقل إلى الشرق الأوسط يمكن أن تترك فراغاً أو تخفّض مستوى الردع في منطقة أخرى، وفي مقدمتها منطقة المحيطين الهندي والهادئ حيث تتركز المنافسة مع الصين.
البيت الأبيض: ترامب أعاد الهيبة لأميركا
في المقابل، يورد أكسيوس موقف البيت الأبيض لإظهار الجانب الآخر من الصورة.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن ترامب جعل الولايات المتحدة «محترمة من جديد»، مشيرة إلى إنهاء تسع حروب، وتحرير رهائن من غزة، وتحقيق اتفاقات تجارية أكثر عدلاً، إضافة إلى العمل على منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وترى الإدارة أن ما يفعله ترامب ليس تفكيكاً للتحالفات، وإنما تصحيح لعلاقات غير متوازنة تراكمت خلال عقود، بحيث تصبح العلاقات الدبلوماسية والأمنية الأميركية قائمة على المعاملة بالمثل، بدلاً من أن تتحمل واشنطن الجزء الأكبر من الأعباء.
الخلاصة.. هل يخسر ترامب ما منح أميركا قوتها؟
ينتهي تحليل أكسيوس إلى تحذير يتجاوز حرب إيران نفسها. فكلما أصبح الحلفاء أقل ثقة بأن الولايات المتحدة ستقف معهم عند الحاجة، زاد دافعهم إلى البحث عن بدائل وضمانات أمنية وعلاقات أخرى تقلل اعتمادهم على واشنطن.
ومن هنا تكمن المفارقة: ترامب يريد استخدام الحماية الأميركية لإجبار الحلفاء على تقديم المزيد، لكن الإفراط في استخدام هذه الورقة قد يدفعهم تدريجياً إلى تقليل اعتمادهم عليها.
وبحسب رؤية المقال، فإن الخطر لا يتمثل فقط في خسارة حليف هنا أو خلاف مع حكومة هناك، بل في تآكل شبكة التحالفات التي كانت، إلى جانب القوة العسكرية والاقتصادية، واحدة من أهم الأدوات التي ضاعفت النفوذ الأميركي عالمياً طوال أجيال.
وعليه، فإن السؤال الذي يطرحه المقال ليس ما إذا كانت أميركا لا تزال أقوى دولة عسكرياً، بل ما إذا كان استخدام ترامب لهذه القوة بطريقة عقابية سيجعل حلفاءها أكثر طاعة.. أم أكثر استعداداً لعالم لا يعتمدون فيه على واشنطن.







