على بعد نحو 30 كيلومتراً جنوب بغداد، يقف إيوان المدائن (إيوان كسرى أو طاق كسرى) بوصفه أحد أبرز الشواهد المتبقية من أحد قصور كسرى آنوشروان أشهر ملوك الإمبراطورية الساسانية، ومن مدينة المدائن القديمة، وعاصمة الإمبراطورية الساسانية.
يقع طاق كسرى في موقع مدينة قطسيفون الواقعة في منطقة المدائن التابعة إداريا إلى محافظة بغداد، وتعرف محليا ولدى العامة ب (سلمان باك) على اسم الجليل سلمان الفارسي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) المدفون هناك.
لكن هذا المعلم، الذي ظل صامداً قروناً، دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة حرجة بسبب الرطوبة والأمطار وأخطاء الترميم السابقة، وسط دعوات عراقية ودولية لإنقاذه.
صور توثيقية جميلة من مدينة المدائن وطاق كسرى المكان الاثري الجميل..
A view of Taq Kasra
Midaen city#iraqesque #Baghdad_salam pic.twitter.com/vxCRjqdGw5— Baghdad Dar Al Salam (@baghdad_salam) May 4, 2019
تجمع التقارير على أن الإيوان يعود إلى العصر الساساني، ويرجح أن بناءه بدأ بين القرنين الثالث والسادس الميلاديين، فيما تشير روايات إلى أن القسم المعروف حالياً اكتمل في عهد كسرى الأول نحو عام 540 ميلادية. ويبلغ ارتفاعه نحو 37 متراً، ويُعد أكبر قوس مبني بالطابوق غير المسلح في العالم، وأبرز ما تبقى فوق سطح الأرض من مدينة قطسيفون القديمة.
ويمثل هذا الأثر أكبر قاعة لإيوان كسرى مسقوفة بالأجر على شكل عقد دون استخدام دعامات أو تسليح ما، ويسمى محليا ولدى العامة بـ (طاق أو طاك كسرى). ولا يزال الإيوان المغطى محتفظاً بأبهته وكذلك الحائط المشقوق وتقوم دائرة الآثار في العراق بصيانة البناء والعناية به.

انهيارات كشفت هشاشة المبنى
بدأت المخاوف الحديثة تتصاعد بعد سقوط أجزاء من القوس في الأعوام الأخيرة. ففي نهاية 2012 سقط جزء بطول نحو مترين، ثم شهد الموقع أضراراً جديدة في 2019 و2020، قبل أن تؤدي أمطار غزيرة مطلع 2021 إلى انهيار نحو أربعة أمتار من سقفه المقوس.
وفي ذلك الوقت، وصف مسؤولون في هيئة الآثار العراقية وضع المبنى بأنه «خطير وحرج»، وسط تحذيرات من أن استمرار الإهمال قد يؤدي إلى انهيارات أكبر.
لكن المفارقة التي أبرزها تقرير وكالة الصحافة الفرنسية أن بعض الأجزاء التي بدأت تتساقط لاحقاً لم تكن من البناء الساساني الأصلي، بل من ترميمات حديثة أُنجزت في 2013 و2014.
وقال خبير الترميم ديفيد ميشلمور إن أجزاء من تلك الإصلاحات قد تحتاج إلى الإزالة وإعادة التنفيذ، فيما أشار مسؤولون عراقيون إلى أخطاء سابقة، بينها إضافة طبقة ثقيلة من الإسمنت على القوس، وهو ما أثار مخاوف بشأن تأثيرها في الهيكل التاريخي.

700 ألف دولار لمرحلة إنقاذ طارئة
مع تزايد الخطر، تدخل التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع “أليف” (ALIPH)، ومقره جنيف، وخصص منحة قدرها 700 ألف دولار لتثبيت القوس ومنع انهياره.
وشملت الخطة تركيب سقالات هندسية تحمل جزءاً من الضغط عن الهيكل، إلى جانب أجهزة استشعار لمراقبة الشقوق وحركة البناء الناتجة عن تغير درجات الحرارة. كما تضمنت توثيق الموقع ثلاثي الأبعاد بالصور والمسح عالي الدقة، وتدريب كوادر هيئة الآثار العراقية على مراقبة حالته.
وكان الهدف من المرحلة الطارئة تثبيت المبنى أولاً، قبل إعداد خطة ترميم شاملة طويلة الأمد.

لماذا يتدهور الإيوان؟
المشكلة لا ترتبط بعمر المبنى وحده. فالموقع قريب من نهر دجلة، ما يجعله عرضة لتسرب المياه الجوفية والرطوبة، فضلاً عن تأثير الأمطار وتقلب درجات الحرارة.
وتقول منظمات عراقية مختصة بحماية التراث إن المشكلة الأوسع هي ضعف التمويل المخصص للآثار العراقية، وليس نقص الخبرات المحلية.
وذكرت منظمة «ليوان» أن العراق يمتلك خبراء أكفاء في مجال الصيانة والترميم، لكن نقص الموارد يجعل التدخل السريع في مواقع بهذا الحجم أمراً صعباً.

أثر عراقي أم فارسي؟
تكمن حساسية إيوان كسرى أيضاً في هويته التاريخية. فهو يقع اليوم داخل الأراضي العراقية، ويمثل جزءاً من تاريخ المدائن وبلاد الرافدين، لكنه في الوقت نفسه من أبرز الآثار المرتبطة بالإمبراطورية الساسانية الفارسية.
ولهذا يتحول الموقع أحياناً من قضية تراثية إلى موضوع يتداخل فيه التاريخ بالسياسة والهوية. بعض القراءات ترى اهتمام طهران به جزءاً طبيعياً من اهتمامها بالإرث الساساني، بينما تذهب قراءات أخرى إلى أن إيران تستخدم مفهوم «الإرث الحضاري المشترك» لتعزيز حضورها الثقافي خارج حدودها.
لكن من الناحية الأثرية، يبقى التحدي أكثر مباشرة: كيف يمكن الحفاظ على مبنى استثنائي عمره نحو ألف ونصف عام قبل أن يفقد العراق واحداً من أشهر معالمه التاريخية؟
طاق كسرى في المدائن – بغداد pic.twitter.com/45SBKuJYPK
— أماكن العراق 🇮🇶 IRAQ PLACES (@iraq_places) July 29, 2023
الخلاصة
إيوان كسرى ليس مجرد بقايا قصر ساساني، بل قطعة نادرة من تاريخ العمارة في المنطقة، وأحد أضخم الأقواس الطابوقية التي بقيت من العالم القديم.
وقد كشفت الانهيارات المتكررة أن الخطر الحقيقي لا يأتي من الزمن وحده، بل أيضاً من الرطوبة وضعف الصيانة وبعض أخطاء الترميم السابقة. وبين التمويل الدولي والعروض الإيرانية والجهود العراقية، تبدو الأولوية اليوم واضحة: تثبيت القوس ووضع خطة ترميم علمية طويلة الأمد قبل أن يتحول رمز المدائن إلى مجرد صورة في كتب التاريخ.
المصادر: وكالة الأنباء العراقية- ديلي صباح/وكالة الصحافة الفرنسية/ ايبرأليرجيك/ ذا آرت نيوزبيبر









