لا تكمن خصوصية المطرب والملحن العراقي مهند محسن فقط في شهرته أو طول مسيرته، بل في قدرته على البقاء حاضراً ومحتفظاً بهويته الفنية على مدى عقود شهدت تحولات هائلة في العراق وصناعة الموسيقى العربية.
وتناول تقرير مطول نشرته مجلة بوابة الشرق القرنسية المسيرة الفنية للمطرب مهند محسن، وقال إنه ينتمي إلى جيل بدأ الغناء في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين كان الفنان يحتاج إلى سنوات لبناء اسمه، وليس إلى أسابيع لصناعة «ترند». ومنذ ذلك الوقت، ظل حاضراً رغم تبدل الأذواق وشركات الإنتاج وظهور المنصات الرقمية.
ويرى التقرير أن الاستمرار كل هذه السنوات ليس مجرد مسألة زمنية، بل اختبار دائم للصوت والهوية والقدرة على التكيف.
ليس مطرباً فقط
جانب مهم في تجربة مهند محسن، وهو عمله ملحناً إلى جانب الغناء. فالفنان، بحسب الكاتب، يكتسب بعداً مختلفاً عندما تمتد بصمته إلى أصوات مطربين آخرين، لأنه يصبح شريكاً في صناعة الأغنية وليس مجرد مؤدٍ لها.
ولهذا يفرق التقرير بين فنان يمتلك صوتاً ناجحاً، وآخر يترك شيئاً من هويته الفنية في أعمال الآخرين أيضاً.
لم يحارب الزمن.. بل تعلّم العيش معه
مهند محسن «لم يختر محاربة الزمن، بل تعلّم أن يعيش فيه».
فبدلاً من محاولة إعادة إنتاج صورة المطرب الشاب التي عُرف بها في بداياته، انتقل بخطابه العاطفي إلى مرحلة أكثر نضجاً. وبات، وفق قراءة الكاتب، يغني الحب والفقد والانتظار من موقع رجل عاش التجربة، وليس شاباً يتعامل معها من الخارج.
وينعكس ذلك أيضاً على صورته الحالية: حضور هادئ وواثق لا يحتاج إلى المبالغة لجذب الانتباه، وكأن تقدمه في العمر أصبح جزءاً من مادته الفنية وليس مشكلة يحاول إخفاءها.
صوت يربط العراقيين بذاكرتهم
تجربة مهند محسن لها بعد عراقي أوسع. فخلال العقود التي امتدت فيها مسيرته، مر العراق بحروب وتحولات سياسية واجتماعية وهجرات واسعة، كما تغيرت طريقة استماع العراقيين إلى الموسيقى.
ومع ذلك، بقيت بعض الأصوات بمثابة خيط يربط مراحل متباعدة من الذاكرة العراقية، ويضع الكاتب مهند محسن بين هذه الأصوات.
وعندما يغني أمام العراقيين في بغداد أو أربيل أو البصرة، ثم أمام جمهور عراقي في أوروبا، يرى المقال أن الحفل يتجاوز الترفيه؛ إذ تتحول الأغنية إلى وسيلة لاستعادة ذاكرة المكان لدى العراقي الذي غادر بلده.
الماضي من دون الوقوع في أسره
ويشير التقرير إلى أن مهند محسن يعود إلى أرشيفه وحفلاته ومقابلاته القديمة ويعيد تقديمها إلى الجمهور، لكنه لا يعيش على الحنين وحده. فقد استطاع، بحسب الكاتب، وضع الماضي إلى جانب الحاضر والاستمرار في تقديم أعمال جديدة تجد من يستمع إليها.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوته: استدعاء الماضي من دون العيش داخله، والتحرك في الحاضر من دون التخلي عن هويته الأساسية.
تجربة استثنائية؟
في زمن تستطيع فيه المنصات صناعة عشرات الأسماء بسرعة ثم استهلاكها بالسرعة نفسها، يرى الكاتب أن الفنان الذي يحافظ على اسمه وصوته وجمهوره لعقود يكتسب قيمة مختلفة.
ولهذا يخلص التقرير إلى أن مهند محسن لا ينتمي فقط إلى تاريخ الأغنية العراقية الحديثة، بل يمثل فكرة أعمق: قيمة الفنان لا تقاس دائماً بحجم الضجيج الذي يصنعه، وإنما أحياناً بقدرته على البقاء بعد أن ينتهي الضجيج.
وينتهي التقرير بسؤال يلخص فكرته كلها: ليس السؤال كيف نجح مهند محسن؟، بل كيف استطاع، بعد كل هذه السنوات، أن يبقى مهند محسن؟









