بعد نحو ستة أشهر من الحرب، تكشف تقارير أميركية عن جانب أقل ظهوراً من كلفة المواجهة مع إيران: منشآت استخبارية أميركية تعرضت للقصف في العراق والسعودية، وأضرار بمليارات الدولارات، ومخزونات من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى شارفت على النفاد، فيما تجاوزت كلفة الحرب عشرات المليارات ولا تزال نهايتها غير واضحة.
فبحسب تقرير نشره موقع «نيوزر» الأميركي، نقلاً عن شبكة “إن بي سي”، ألحقت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية أضراراً واسعة بمنشآت ومعدات استخبارات ومراقبة أميركية في أنحاء الشرق الأوسط، في ضربة يصفها التقرير بأنها غير مسبوقة لقدرات التجسس الأميركية في المنطقة.
أضرار بموقع استخباري في السليمانية
يقول موقع «نيوزر»، استناداً إلى أربعة مصادر مطلعة تحدثت إلى شبكة “إن بي سي”، إن الهجمات الإيرانية أصابت منشآت تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ( سي آي إيه) ومواقع استخبارية أخرى، ومن بينها محطة للوكالة داخل السفارة الأميركية في الرياض، فضلاً عن موقع استخباري في محافظة السليمانية بكردستان العراق، كما لحقت أضرار بأنظمة رادار ومراقبة تستخدمها القوات العسكرية وأجهزة الاستخبارات الأميركية بصورة مشتركة.
وتحدثت مصادر شبكة إن بي سي عن إصابة مواقع إضافية، لكنها امتنعت عن الكشف عن تفاصيلها، ما يعني أن الحجم الكامل للأضرار الاستخبارية لم يُعلن حتى الآن.
وبحسب التقرير، فإن حجم الأضرار التي لحقت بالبنية الاستخبارية الأميركية في الشرق الأوسط وصل إلى مستوى لم تشهده وكالات الاستخبارات الأميركية من قبل، فيما قد تصل تكاليف الإصلاح وإعادة البناء إلى مليارات الدولارات.
تلقينا ضربات قاسية
أثارت الخسائر تساؤلات داخل الولايات المتحدة بشأن مدى استعداد المنشآت الأميركية لمواجهة المسيّرات الإيرانية.
ونقل التقرير عن محلل دفاعي وصفه لحجم الضرر بالقول: «تلقينا ضربات قاسية».
أما سيث جونز، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي، فانتقد مستوى الاستعداد، قائلاً إن الولايات المتحدة دخلت الحرب من دون التفكير بصورة كافية في كيفية الدفاع عن قواعدها.
ويشير التقرير إلى أن إيران نفذت أكثر من ألفي ضربة في ثماني دول، ما دفع المسؤولين الأميركيين إلى إعادة التفكير في أماكن نشر الأفراد والمعدات الاستخبارية والعسكرية وكيفية حمايتها.
الكونغرس أمام فاتورة بمليارات الدولارات
ولا تتوقف تداعيات الهجمات عند الخسائر الميدانية، إذ يقول التقرير إن حجم الدمار يدفع الكونغرس الأميركي إلى البحث عن تمويل لإصلاح وإعادة بناء المنشآت والمعدات المتضررة.
كما فتحت الهجمات نقاشاً حول سبب تأخر الأجهزة الأميركية في تعزيز حماية منشآتها، خصوصاً أمام تهديد المسيّرات التي أثبتت قدرتها على الوصول إلى مواقع حساسة.
هل ساعدت روسيا إيران؟
ويشير موقع «نيوزر» أيضاً إلى تقرير سابق لوكالة رويترز تحدث عن أن دقة بعض الهجمات الإيرانية على مواقع تابعة للسي آي إيه أثارت شبهات بشأن دور روسي محتمل.
وتدور التساؤلات حول احتمال حصول طهران على معلومات استخبارية أو تقنيات متقدمة للمسيّرات من موسكو، لكن التقرير لا يقدم دليلاً قاطعاً يثبت مشاركة روسيا، ولذلك تبقى المسألة في إطار الشكوك والتحقيقات.
37.5 مليار دولار.. والحرب تريد المزيد
بحسب شبكة إن بي سي، التي نقلت عن أربعة مصادر لم تسمها، أصابت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية مواقع استخبارية ومعدات مراقبة أميركية في الشرق الأوسط، بحجم أضرار وصف بأنه أوسع مما تعرضت له أجهزة الاستخبارات الأميركية سابقاً
وبحسب تقرير لصحيفة الإندبندنت البريطانية، فإن الأضرار الاستخبارية ليست سوى جزء من الفاتورة. فقد أقرت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) بأن الحرب، التي بدأت بهجمات أميركية وإسرائيلية مشتركة على إيران أواخر فبراير/شباط، كلفت الولايات المتحدة بالفعل عشرات المليارات من الدولارات.
وقال وزير الدفاع بيت هيغسيث أمام الكونغرس إن كلفة النزاع بلغت 37.5 مليار دولار، مشيراً إلى الحاجة إلى 67 مليار دولار إضافية.
وبحسب ما نُقل عن مسؤولين في البنتاغون، تجاوزت كلفة الأيام الستة الأولى وحدها 11.3 مليار دولار.
مشكلة أخرى: الصواريخ
الأكثر حساسية عسكرياً ما نقلته شبكة سي بي أس عن أن الجيش الأميركي استهلك تقريباً كامل مخزونه من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى المخزنة.
الرئيس دونالد ترامب أكد في المقابل أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك «كميات هائلة» من الأسلحة. لكن التقرير يقول إنه واجه هيغسيث في وقت سابق من أغسطس/آب بشأن النقص الظاهر في الذخائر، بعدما كان يعتقد أن المشكلة قد عولجت.
18 عسكرياً أميركياً قُتلوا
الكلفة البشرية ارتفعت أيضاً. فوفق البنتاغون، قُتل 18 عسكرياً أميركياً وأصيب مئات آخرون منذ اندلاع الحرب.
وفي المقابل، تعرضت إيران لدمار واسع جراء الحملة الأميركية، وتقول واشنطن إنها استهدفت أكثر من 13 ألف موقع داخل إيران.
وذهب ترامب إلى القول إن البحرية والقوة الجوية والقيادة الإيرانية تعرضت لخسائر هائلة، مشيراً إلى أن مقتل عدد من القيادات الإيرانية جعل المسار الدبلوماسي أكثر تعقيداً.
الحرب تصل إلى جيب الأميركيين
ولم تعد الكلفة محصورة في الميزانية العسكرية. فاضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.
وبحسب بيانات «الجمعية الأميركية للسيارات» التي أوردها تقرير الإندبندنت، بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة الأربعاء 4.10 دولارات للغالون، مقارنة بنحو 2.98 دولار قبل الحرب.
العقوبات بعد الضربات
بالتوازي مع العمليات العسكرية، انتقلت واشنطن إلى تصعيد الضغط الاقتصادي. فقد أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت حزمة عقوبات جديدة بعد تعهد ترامب بشن ما وصفه بـ**«يوم إنزال اقتصادي»** ضد إيران.
وقبيل الإجراءات الجديدة، هبط الريال الإيراني إلى مستوى قياسي أمام الدولار.
ما أهمية ذلك؟
اللافت في القصة أن الضرر، وفق المصادر التي استند إليها تقرير موقع نيوزر، لا يتعلق فقط بخسارة مبانٍ أو معدات، بل يمس قدرة الولايات المتحدة على جمع المعلومات ومراقبة المنطقة.
وإذا كانت تقديرات الخسائر بالمليارات دقيقة، فإن الحرب تكون قد فرضت على واشنطن تحدياً إضافياً: إعادة بناء جزء من شبكتها الاستخبارية في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه إعادة النظر في كيفية حماية المواقع السرية والحساسة من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
حرب بلا نهاية واضحة
الخلاصة الأبرز في تقرير الإندبندنت أن الحرب باتت تفرض أثماناً تتجاوز ساحة القتال: مليارات لإصلاح البنية الاستخبارية، عشرات المليارات للعمليات العسكرية، ضغط على مخزونات الذخيرة، قتلى وجرحى، وارتفاع في أسعار الوقود.
وبعد قرابة ستة أشهر، لا يزال الحل السياسي بعيداً، فيما أصبح الخلاف على الملاحة في مضيق هرمز إحدى أبرز العقد أمام الجهود الدبلوماسية.
وفي الداخل الأميركي، تبدو الحرب غير شعبية نسبياً؛ إذ أظهر استطلاع لـ«أسوشيتد برس–نورك» أواخر يوليو/تموز أن 28% فقط من الأميركيين البالغين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع إيران، مقارنة بـ34% في الشهر السابق.









