تحولت منطقة هادئة في أعالي الهيمالايا خلال دقائق إلى مسار من الطين والجليد والمياه الجارفة. فقد أدى انهيار ضخم لكتلة جليدية قرب الحدود بين نيبال والتبت إلى إطلاق سيل هائل اجتاح الوديان والبلدات، وجرف منازل وجسوراً وطرقات، مخلفاً أكثر من 160 قتيلاً ونحو 1400 مفقود، بينهم مئات السياح من عشرات الدول.
وتشير التقديرات الأولية للعلماء إلى أن الكارثة لم تبدأ بزلزال كما اعتُقد في الساعات الأولى، بل بانهيار جزء هائل من نهر جليدي سقط من ارتفاع كبير إلى قاع الوادي، مطلقاً مزيجاً شديد القوة من المياه والصخور والطين والجليد.
ماذا حدث؟
بحسب تقاريرإعلامية، وقع الانهيار صباح الأربعاء في منطقة جبلية قريبة من متنزه لانغتانغ الوطني شمال كاتماندو وبجوار الحدود مع التبت.
وسجلت أجهزة الرصد اهتزازاً اعتُقد في البداية أنه زلزال بقوة 4.4 درجات، لكن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية قالت لاحقاً إن الاهتزاز نتج عن انهيار الصخور والجليد نفسه، وكانت قوته الزلزالية المكافئة نحو 5.2 درجات.
ويعتقد علماء درسوا صور الأقمار الاصطناعية أن جزءاً ضخماً من نهر جليدي انفصل بصورة مفاجئة وسقط أكثر من كيلومتر عمودياً تقريباً إلى الوادي.
وأطلق الانهيار كتلة هائلة من المياه والطين والصخور والجليد اندفعت عبر أنهار ليندي خولا وبوتي كوشي وتريشولي باتجاه التجمعات السكانية في شمال نيبال.
Never seen boulders this massive being moved by the sheer force of water. Such boulders can sometimes change the flow of water or protect structures by taking impact, but this time they are nothing in front of the sheer force of the flood Death toll 160 and 750+ missing
#Nepal pic.twitter.com/6YP2I2w0Aj— Nikhil saini (@iNikhilsaini) August 27, 2026
مثل الخرسانة السائلة
أظهرت مقاطع مصورة جداراً ضخماً من المياه والطين يندفع عبر الوديان بسرعة هائلة، قبل أن يبتلع المباني والسيارات والجسور.
ووصف عالم الهيدرولوجيا حاتم شريف هذا النوع من السيول بأنه يتحرك بقوة تشبه «الخرسانة السائلة»، موضحاً أن سرعته وكثافته تجعلان الهرب منه شبه مستحيل عندما يصبح قريباً.
وقال أحد الناجين إنه حاول الإمساك بيد زوجته والصعود بها إلى سطح المنزل عندما دخل الطين إليهما، إلا أن السيول جرفتها أمامه. وأضاف بعد إنقاذه بالمروحية أن زوجته ما زالت مفقودة تحت الوحل.
وروى عامل نيبالي أنه نجا بعدما علقت به السيول وسط الحطام قبل أن يتمكن من التشبث بشجرة مانغو، بينما اختفى المنزل الذي كان يعمل فيه.
أكثر من 1300 مفقود
وتتغير أرقام الضحايا مع استمرار عمليات البحث، لكن أحدث البيانات الواردة في التقارير تشير إلى أن 826 شخصاً على الأقل مفقودون في النيبال، فيما تحدثت السلطات الصينية عن 558 مفقوداً في مقاطعة غيرونغ بالتبت.
وبذلك يصل العدد النظري إلى 1384 مفقوداً على جانبي الحدود، إلا أن السلطات ووسائل الإعلام تنبه إلى احتمال وجود تداخل بين بعض القوائم.
وفي النيبال، انتُشلت 165 جثة على الأقل، بينما أعلنت السلطات الصينية مقتل ثلاثة أشخاص على جانب التبت حتى الآن، وسط توقعات بارتفاع الحصيلة.
مئات السياح بين المفقودين
جاءت الكارثة في منطقة يقصدها متسلقو الجبال والزوار المتجهون إلى جبل كايلاش في التبت، وهو موقع مقدس لدى الهندوس والبوذيين وأتباع ديانات آسيوية أخرى.
وتشير البيانات النيبالية إلى فقدان الاتصال بمئات السياح، بينهم مواطنون من الهند والولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا وماليزيا وكوريا الجنوبية وأوكرانيا ودول أخرى.
ومن بين المفقودين مجموعات سياحية وزوار كانوا يعبرون المنطقة الحدودية لحظة وصول السيول. كما فقدت شركات سياحية الاتصال بعشرات السياح والمرشدين والسائقين الذين كانوا يسلكون الطريق الوحيد تقريباً عبر الوادي.
قرى اختفت وطرق قطعت
حجم الدمار لا يقتصر على الخسائر البشرية. فقد جرفت المياه تجمعات سكنية كاملة، ودمرت طرقاً ومحطات كهرباء وجسوراً ومشروعات للطاقة الكهرومائية.
وتشير التقديرات الأولية للحكومة النيبالية إلى جرف 19 جسراً على الأقل ونحو 40 كيلومتراً من الطرق، فيما قالت الأمم المتحدة إن قرابة 10 آلاف أسرة تحتاج إلى مساعدات عاجلة.
وتسببت الكارثة أيضاً في تعطيل أحد أهم المعابر التجارية بين الصين والنيبال، وهو ميناء غيرونغ البري، الذي كان يستحوذ على نحو 30% من التجارة الثنائية بين البلدين في 2024، ما يعني أن آثار الفيضان قد تمتد اقتصادياً لأشهر وربما لفترة أطول.
الإنقاذ يصطدم بالجغرافيا
تعمل فرق الإنقاذ وسط ظروف شديدة الصعوبة. ففي بعض المناطق لا توجد كهرباء أو اتصالات أو طرق صالحة للاستخدام، فيما تغطي طبقات سميكة من الطين الشوارع والمباني.
واستخدم الجيش النيبالي مروحيات مزودة بقدرات للرؤية الليلية، وتمكن من إنقاذ أشخاص كانوا عالقين داخل أنفاق تابعة لمشروع كهرومائي.
لكن انهيار الجسور وارتفاع منسوب الأنهار وصعوبة هبوط المروحيات في بعض الوديان يبطئ الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً.
Ground level footage shows people running for their lives as a sudden flash flood tears through the Nepal–Tibet region pic.twitter.com/kTY1bg2HJJ
— Surajit (@surajit_ghosh2) August 26, 2026
هل تغيّر المناخ وراء الكارثة؟
لا يزال العلماء حذرين في ربط هذه الحادثة المحددة مباشرة بتغير المناخ قبل اكتمال التحقيقات، إلا أن السياق الأوسع يثير القلق.
فمنطقة هندو كوش–الهيمالايا تشهد تسارعاً واضحاً في ذوبان الأنهار الجليدية، وأظهرت دراسات حديثة أن معدلات فقدان الجليد فيها تضاعفت منذ عام 2000.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتشكل آلاف البحيرات الجليدية في المرتفعات، ما يزيد خطر انهيارات الجليد أو انهيار السدود الطبيعية وحدوث فيضانات مفاجئة.
ولهذا وصف أحد الخبراء الكارثة بأنها «تذكير قاسٍ» بأن سكان الوديان الواقعة أسفل الأنهار الجليدية قد يواجهون أحداثاً مشابهة بصورة متزايدة في المستقبل.
🔴 Les images en provenance du #Népal sont terrifiantes. Le séisme d’une magnitude de 4,4 qui s’est produit la nuit dernière au Tibet a déclenché des #avalanches de glace et des #glissements de terrain. Ils ont formé des embâcles sur les rivières de la région qui ont fini par… pic.twitter.com/XIdlQ76gii
— Guillaume Woznica (@GWoznica) August 26, 2026
الحجم النهائي للكارثة لم يتضح بعد
ما حدث في نيبال والتبت لم يكن فيضاناً موسمياً عادياً، بل سلسلة كارثية بدأت بانهيار جليدي ضخم في أعالي الهيمالايا وتحولت خلال دقائق إلى موجة من المياه والطين والصخور اكتسحت عشرات الكيلومترات. ومع بقاء أكثر من ألف شخص في عداد المفقودين وانقطاع الوصول إلى مناطق واسعة، فإن الحجم النهائي للكارثة لم يتضح بعد.







