أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
ثقافة وفن

مدينة عراقية مفقودة منذ آلاف السنين.. سباق لكشف موقعها قبل ضياع أسرارها

مدينة عراقية مفقودة منذ آلاف السنين.. سباق لكشف موقعها قبل ضياع أسرارها

في مكان ما قرب نهر دجلة، قد تكون بقايا مدينة عراقية قديمة ازدهرت قبل أكثر من أربعة آلاف عام، لكن موقعها الدقيق لا يزال لغزاً. المفارقة أن آلاف الألواح المسمارية المنسوبة إليها وصلت إلى أسواق الآثار، بينما لم يتمكن علماء الآثار حتى اليوم من تحديد مكان المدينة بصورة قاطعة.

موقع “إكسبلوررز ويب” المتخصص في الاستكشاف والمغامرات والآثار يسلط في تقرير  الضوء على مدينة إيريساغريغ (Irisaĝrig) السومرية الأثرية جنوب العراق، التي كانت مركزاً للتجارة والحياة الدينية في أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد، وعلى السباق العلمي لتحديد موقعها وحماية ما تبقى منها.

مدينة نعرف سيرتها ولا نعرف مكانها

تكشف النصوص المسمارية أن إيريساغريغ كانت مدينة ذات أهمية إقليمية، خضعت في مراحل مختلفة لنفوذ الإمبراطورية الأكدية وسلالة أور الثالثة ومدينة ملكوم.

واعتمد اقتصادها على تربية الأغنام والأبقار وزراعة الشعير والتجارة عبر شبكة من الطرق والقنوات المائية.

وكانت الإلهة السومرية ننهورساج، المرتبطة بالخصوبة والجبال، تحتل مكانة دينية بارزة في المدينة وفي مدينة كيش المجاورة. وتشير السجلات إلى وجود قناة بطول نحو 30 كيلومتراً تربط المنطقة بدجلة، عُرفت باسم «تابي-ماما».

الألواح ظهرت قبل المدينة

بدأ لغز إيريساغريغ يأخذ بعداً دولياً بعدما ظهرت أعداد كبيرة من ألواحها المسمارية في سوق الآثار، ولا سيما خلال السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وما رافقه من نهب واسع للمواقع والمتاحف.

وفي عام 2017، رفعت الحكومة الأميركية دعوى تتعلق بمئات الألواح المسمارية وآلاف الأختام الطينية القديمة التي حصلت عليها شركة «هوبي لوبي» الأميركية لمستلزمات الفنون والحِرف.

وكانت سلطات الجمارك العراقية قد ضبطت عام 2011 شحنة تضم قطعاً أثرية أُرسلت إلى الولايات المتحدة بوصفها عينات من بلاط خزفي. وبحسب وثائق القضية، أنفقت الشركة نحو 1.6 مليون دولار للحصول على مجموعة كبيرة من الآثار، رغم تحذيرها مسبقاً من احتمال أن تكون بعض القطع العراقية قد نُهبت بصورة غير مشروعة.

وانتهت القضية بتسوية مدنية وإعادة آلاف القطع إلى العراق، من دون إدانة أفراد جنائياً.

أين تقع إيريساغريغ؟

أصبحت الألواح المستعادة مصدراً مهماً للباحثين؛ فهي تقدم إشارات جغرافية يمكن استخدامها لإعادة رسم خريطة المنطقة القديمة.

وتشير النصوص إلى أن إيريساغريغ كانت قرب دجلة ومدينة كيش، وعلى قناة «تابي-ماما» ( القريب من موقع “أم الحفريات”) كما تفيد بأن الرحلة إليها بالقوارب من مدينة أوما (Umma) السومرية القديمة ضمن محافظة ذي قار الحالية جنوب العراق كانت تستغرق أربعة أيام، وأن المسافرين منها إلى مدينة دير (Der) القديمة كانوا يبدأون رحلتهم بالقوارب.

لكن كثرة المواقع الأثرية المنتشرة قرب دجلة تجعل تحديد المدينة مهمة معقدة، ولا يزال الباحثون مختلفين بشأن تفسير مسارات القنوات القديمة واتجاه حركة المياه فيها.

أعمال التنقيب في تل الولاية عام 2002. (الصورة: الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية/بعثة تنقيبات تل الولاية)
أعمال اتنقيب سابقة في تل الولاية ( الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية/بعثة تنقيبات تل الولاية)

تل الولاية.. المرشح الأبرز

يُعد تل الولاية في محافظة واسط أحد أشهر المواقع المرشحة لأن يكون إيريساغريغ. فالموقع واسع، وتبلغ مساحته نحو 64 هكتاراً، ويقع بالقرب من كيش ويتوافق مع بعض المعلومات الواردة في النصوص القديمة.

لكن فرضية تل الولاية ليست محسومة.

إحدى المشكلات أن نصوصاً قديمة تشير إلى السفر بالقارب من إيريساغريغ باتجاه مدينة دير، بينما لا يُعرف ممر مائي يصل تل الولاية بدير، ما يدفع بعض الباحثين إلى التشكيك في المطابقة بين الموقعين.

كما تعرض تل الولاية للنهب خلال سنوات الاضطراب، وهو ما أدى إلى فقدان جزء من السياق الأثري الذي كان يمكن أن يساعد في حسم هويته.

 

موقع أم الحفريات
في عام 1992، اقترح الباحث وعالم الآشوريات والمؤرخ الكندي البارز  دوغلاس فراين أن يكون موقع أم الحفريات ، القريب من نيبور (نفر)، هو الموقع المحتمل لمدينة إيريساغريغ (Irisaĝrig) القديمة، مستنداً إلى ثلاثة أدلة رئيسية:

أولاً، تشير إحدى مسارات الرحلات القديمة إلى أن المدينة كانت تقع على مسافة أربعة أيام من التجديف صعوداً من مدينة أوما، عبر قناة إيتورونغال (Iturungal) المتفرعة من نهر الفرات.

ثانياً، يُعد موقع أم الحفريات أكبر تل أثري شمال مدينة أداب، وقد عُثر فيه على بقايا تعود إلى عصر فجر السلالات والعصر الأكدي (السرغوني).

ثالثاً، استند فراين إلى تقارير تتحدث عن جودة الطين المستخدم في صناعة الألواح المسمارية في الموقع.

لكن بعد مزيد من الدراسة، خلص الباحث الأميركي من اصل بولندي بيوتر شتاينكيلر (Piotr Steinkeller) عام 2001 إلى أن إيريساغريغ ينبغي أن تكون واقعة على مسار مرتبط بنهر دجلة، وليس الفرات، وأن موقعها يجب أن يكون شمال أداب. واقترح عدداً من التلال الأثرية غير المسماة بوصفها مواقع محتملة للمدينة المفقودة.

قطع عمرها آلاف السنين قد تحمل الإجابة

مع ذلك، قد يأتي الحل من اكتشافات قديمة موجودة بالفعل في العراق.

ففي عام 2002، جمعت الهيئة العراقية للآثار نحو مئة قطعة من تل الولاية، بينها ألواح مسمارية. لكن الغزو الأميركي وما أعقبه من اضطرابات، ثم ظهور تنظيم «داعش» وجائحة كورونا، أسهمت في تأخير دراسة هذه المجموعة ونشر نتائجها بصورة كاملة.

وفي عام 2025، انطلق تعاون بحثي يضم باحثين ومؤسسات عراقية وأميركية وبريطانية وبولندية لدراسة مكتشفات حفريات تل الولاية لعام 2002 وإعادة تقييم الموقع ضمن سياقه الأثري الأوسع.

وفي محافظة واسط، ظهرت أيضاً مبادرات لدعم حماية المواقع الأثرية، وسط طموحات لتعزيز السياحة الثقافية والسعي إلى إدراج مواقع مثل تل الولاية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

وهكذا يبقى لغز إيريساغريغ مفتوحاً: مدينة تركت وراءها آلاف الوثائق التي تخبرنا عن سكانها وتجارتها ومعتقداتهم قبل أربعة آلاف عام، لكن المكان الذي كتبوا فيه تلك الوثائق لا يزال ينتظر دليلاً أثرياً يحسم هويته.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.