أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

الخريطة التي خدعت أعيننا 450 عاماً.. لماذا تبدو أفريقيا أصغر من حقيقتها؟

الخريطة التي خدعت أعيننا 450 عاماً.. لماذا تبدو أفريقيا أصغر من حقيقتها؟

لأكثر من أربعة قرون، تعلّم ملايين البشر شكل العالم من خريطة تجعل غرينلاند تبدو قريبة في مساحتها من أفريقيا. لكن الحقيقة مختلفة تماماً: أفريقيا أكبر من غرينلاند بنحو 14 مرة.

هذه المفارقة الجغرافية دفعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تأييد حملة تقودها دول أفريقية لاستخدام خرائط تعكس المساحات الحقيقية للقارات بصورة أفضل، في خطوة أعادت فتح نقاش قديم: هل الخريطة التي نعرفها منذ المدرسة تعطينا بالفعل صورة صحيحة عن العالم؟

في 4 سبتمبر/أيلول 2026، أيدت 164 دولة قراراً يدعو إلى توسيع استخدام إسقاط «إيكوال إيرث» (Equal Earth) أو خرائط أخرى تحافظ على التناسب الحقيقي للمساحات. وصوتت الولايات المتحدة وحدها ضد القرار، بينما امتنعت ست دول هي أوكرانيا وإستونيا وجورجيا وليتوانيا ومولدوفا وصربيا.

لكن القرار لا يعني أن حدود الدول تغيرت، ولا أن الأمم المتحدة فرضت «خريطة عالم جديدة» على الجميع. فهو غير ملزم، ولا يحظر استخدام الخريطة التقليدية، بل يشجع الحكومات والمدارس والمؤسسات ووسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا على استخدام إسقاطات جغرافية تعرض مساحات القارات بدرجة أكبر من الدقة.

ما المشكلة في الخريطة التي نعرفها؟

المقصود هو إسقاط ميركاتور، الذي وضعه رسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس ميركاتور عام 1569.

وميركاتور لم يصمم خريطته أصلاً لمقارنة أحجام الدول، بل لمساعدة البحارة على الملاحة. ميزتها الأساسية أنها تحافظ على الزوايا والاتجاهات، بما يسمح للبحار برسم مسار مستقيم على الخريطة واتباع اتجاه ثابت بالبوصلة.

لكن الثمن هو تشويه المساحات.

كلما ابتعدنا عن خط الاستواء باتجاه القطبين، تتضخم المساحات على خريطة ميركاتور. ولهذا تبدو غرينلاند وكندا وروسيا وشمال أوروبا أكبر بكثير من حجمها النسبي الحقيقي، بينما تبدو أفريقيا وأميركا الجنوبية ومناطق جنوب آسيا أصغر بالمقارنة.

ولا يعني ذلك أن ميركاتور «يصغّر أفريقيا» رياضياً بصورة منفردة؛ الأدق أن المناطق الشمالية القريبة من القطبين تتضخم بدرجة هائلة مقارنة بالمناطق القريبة من خط الاستواء.

والنتيجة البصرية لافتة: على بعض خرائط ميركاتور تبدو غرينلاند وأفريقيا متقاربتين في المساحة، في حين أن مساحة أفريقيا في الواقع أكبر بنحو 14 مرة.

لماذا أصبح الأمر قضية سياسية؟

أنصار التغيير يقولون إن الخرائط لا تنقل الجغرافيا فقط، بل تؤثر أيضاً في الطريقة التي نتخيل بها العالم.

فحين تظهر أوروبا وروسيا وأميركا الشمالية ضخمة، بينما تبدو أفريقيا أصغر بكثير، قد ينشأ انطباع بصري غير واعٍ عن الوزن النسبي لهذه المناطق.

ولهذا ربطت دول أفريقية الحملة بما تصفه بـ”العدالة المعرفية” وتصحيح إرث تمثيلات جغرافية تعود إلى قرون مضت.

وقال وزير خارجية توغو روبرت دوسي، الذي قدم القرار باسم المجموعة الأفريقية، إن الخريطة العادلة «لا تغير جغرافية العالم، بل تغير الطريقة التي ننظر بها إليه».

لكن هذا البعد السياسي أثار اعتراض الولايات المتحدة، التي رأت في بعض لغة القرار انتقالاً من مسألة تقنية تتعلق برسم الخرائط إلى مشروع أيديولوجي أوسع مرتبط بمفاهيم مثل العدالة المعرفية والتعويض عن إرث الماضي.
UN General Assembly backs Africa-led shift towards Equal Earth maps

هل “إيكوال إيرث” هي الخريطة الصحيحة إذن؟

هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً.

فلا توجد خريطة مسطحة تستطيع عرض الكرة الأرضية بلا تشويه.

المشكلة رياضية ببساطة: لا يمكن فرد سطح كروي على مستطيل من دون التضحية بشيء ما. ويمكن للخريطة أن تحافظ بدرجة جيدة على المساحة، أو الشكل، أو المسافة، أو الاتجاه، لكنها لا تستطيع الحفاظ عليها جميعاً في الوقت نفسه.

إسقاط «إيكوال إيرث»، الذي طوره رسامو خرائط عام 2018، يعطي الأولوية للمساحة، ولذلك تظهر أفريقيا والقارات الأخرى بأحجام نسبية أقرب إلى حقيقتها.

لكن ذلك يأتي على حساب عناصر أخرى. فهو لا يحافظ على الاتجاهات بالطريقة التي يفعلها ميركاتور، ولا يمكن استخدامه للحصول على مسافات دقيقة بين جميع المواقع.

ولهذا لا تقول الأمم المتحدة عملياً إن ميركاتور «خطأ» وإيكوال إيرث «صحيح» في كل الاستخدامات؛ بل إن كل خريطة مناسبة لغرض مختلف.

 

فرنسا تدخل على الخط.. لكنها اختارت خريطة مختلفة

وبالتزامن مع قرار الأمم المتحدة، أعلنت فرنسا أنها ستبتعد عن استخدام ميركاتور في خرائط وزارة الخارجية.

لكن باريس لم تختر «إيكوال إيرث»، بل إسقاطاً يسمى إيكرت الرابع (Eckert IV)، وهو أيضاً من خرائط المساحة المتساوية، ويعرض أحجام القارات بصورة أقرب إلى نسبها الفعلية.

والنتيجة أن فرنسا، وكذلك الولايات المتحدة وروسيا، ستبدو أصغر على هذه الخرائط مقارنة بما اعتاده الناس في ميركاتور، بينما ستبدو أفريقيا أكبر بكثير.

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن «الخريطة ليست محايدة تماماً»، مضيفاً أن تغيير الخريطة لا يغير العالم، لكن تصحيح تمثيل مشوه له يمثل، في رأيه، «فعلاً من أفعال الحقيقة».

وماذا عن خرائط غوغل؟

من غير المتوقع أن يختفي ميركاتور قريباً.

فالخرائط الرقمية، ومنها خدمات الخرائط الإلكترونية، تستخدم نسخة تعرف باسم ” إسقاط ويب ميركاتور” لأنها عملية للغاية في التكبير والتصغير والتحريك المستمر عبر الشاشة.

كما أن مزايا ميركاتور في الاتجاهات والملاحة تعني أنه سيظل مفيداً في استخدامات معينة حتى لو تراجع استعماله كخريطة عامة للعالم.

وهل تغيرت حدود الدول؟

لا.

وهذه نقطة أساسية في فهم القرار.

تغيير «الإسقاط الجغرافي» يشبه تغيير الطريقة التي تعرض بها صورة الكرة الأرضية على ورقة مسطحة؛ فهو لا يغير إحداثيات المواقع، ولا الحدود الدولية، ولا سيادة الدول، ولا المناطق البحرية.

قد تبدو دولة أكبر أو أصغر عند الانتقال من ميركاتور إلى إيكوال إيرث، لكن مساحتها القانونية والجغرافية لم تتغير سنتيمتراً واحداً.

كما أن خرائط النزاعات الحدودية لا تكتسب قوة قانونية لمجرد استخدام إسقاط معين؛ وزن الخريطة القانوني يعتمد على الاتفاقيات والحدود المعترف بها وموافقة الدول والقرارات القضائية، لا على الطريقة الرياضية المستخدمة في رسم الكرة الأرضية.

خريطة العالم ليست مرآة

ولعل أهم ما أعاده الجدل الحالي إلى الواجهة هو حقيقة غالباً ما ننساها: كل خريطة للعالم هي اختيار.

خريطة ميركاتور اختارت الاتجاهات على حساب المساحة.

«إيكوال إيرث» يختار المساحة على حساب بعض الأشكال والاتجاهات.

وخرائط أخرى تضع القطب الشمالي في المركز، أو الجنوب في الأعلى، أو آسيا والأميركيتين في قلب الصورة.

 

ولهذا فإن السؤال ليس: أي خريطة صحيحة تماماً؟

بل: ما الذي نريد أن توضحه لنا الخريطة؟

وبالنسبة إلى الدول الأفريقية التي دفعت باتجاه القرار الجديد، فإن الإجابة واضحة: إذا كان الهدف أن يعرف أطفال المدارس والقراء الحجم النسبي الحقيقي للقارات، فمن الصعب تبرير استمرار خريطة تجعل غرينلاند تبدو بحجم قارة أفريقيا تقريباً.

فالخريطة الجديدة لن تجعل أفريقيا أكبر.

إنها فقط تجعلنا نراها بالحجم الذي كانت عليه دائماً.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

هل تنزلق واشنطن وطهران إلى حرب استنزاف طويلة؟
سياسة وتحليلات

هل تنزلق واشنطن وطهران إلى حرب استنزاف طويلة؟

بينما تتشدد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شروطها للتفاوض، تبدو إيران مصممة على الاحتفاظ بورقتها الأثقل: إبقاء مضيق هرمز تحت التهديد. وفي المقابل،…

منذ 1 weekأوج24
اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.