بينما تتشدد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شروطها للتفاوض، تبدو إيران مصممة على الاحتفاظ بورقتها الأثقل: إبقاء مضيق هرمز تحت التهديد. وفي المقابل، تتجه واشنطن إلى استراتيجية تقوم على ضرب القدرات الإيرانية كلما أعادت طهران بناءها. وبين الضربة وإعادة البناء ثم الضربة التالية، يبرز سؤال أكثر خطورة: هل تتحول المواجهة الأميركية الإيرانية إلى حرب استنزاف طويلة لا يستطيع أي طرف إنهاءها؟
هذا هو الخيط الذي يجمع بين قراءة لصحيفة «فايننشال تايمز» وتحليل نشرته «دويتشه فيله» حول المرحلة الجديدة من الحرب، حيث لم يعد الهدف الأميركي، وفق هذه القراءة، القضاء نهائياً على قدرات إيران العسكرية بقدر ما أصبح منعها بصورة متكررة من استعادة قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

أشهر مظلمة
وفي أحدث التطورات، هدد محمد رضا عارف نائب الرئيس الإيراني أمس الخميس الولايات المتحدة بمواجهة نقص حاد في إمدادات النفط، محذراً من أن «أشهراً مظلمة» تنتظرها، في ظل التصعيد الأخير وعدم وجود مؤشرات على استئناف محادثات السلام.
وفي المقابل قال جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي إن المواجهة المستمرة مع إيران لا ينبغي وصفها بأنها «حرب»، رغم عدم قدرته على تحديد موعد لانتهائها أو متى ستعود أسعار الوقود في الولايات المتحدة إلى مستويات ما قبل الصراع.
وفي مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، قال فانس إن «العمليات القتالية النشطة» انتهت قبل أشهر، مضيفاً: «في الوقت الحالي لا يوجد إطلاق نار نشط»، رغم أن الولايات المتحدة وإيران تبادلتا الضربات على مدى ثلاثة أيام متتالية هذا الأسبوع، خصوصاً في محيط مضيق هرمز.
وحمّل فانس طهران مسؤولية تحديد موعد انتهاء المواجهة، مؤكداً أنه لا يستطيع القول ما إذا كانت ستنتهي قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني.
وقال رداً على سؤال بشأن موعد انتهاء الصراع: «عندما تسألون متى سينتهي هذا، فأنتم تسألونني: متى سيتوقف الإيرانيون عن إطلاق النار على السفن؟ الحقيقة أنني لا أعرف الإجابة.. عليكم أن تسألوا الإيرانيين».

واشنطن تضرب ما تعيد إيران بناءه
قدّم ترامب بنفسه وصفاً واضحاً لهذه المقاربة بعد الجولة الأخيرة من الضربات الأميركية. فحين حاول الإيرانيون إعادة بناء معدات الرادار، قال إن القوات الأميركية انتظرت حتى اقترب العمل من الاكتمال ثم ضربتها مجدداً.
وبحسب القيادة المركزية الأميركية، استهدفت الضربات الأخيرة مواقع للدفاع الجوي وأنظمة رادار ومنشآت اتصالات وقدرات بحرية ومعدات لزرع الألغام.
وردت إيران بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه منشآت أميركية في المنطقة، في مؤشر على أن الضربات المحدودة لا تعني بالضرورة توقف دورة التصعيد.
استراتيجية «جزّ العشب»
تصف «دويتشه فيله» المقاربة الأميركية المحتملة بمصطلح مأخوذ من الأدبيات الأمنية الإسرائيلية: «جزّ العشب».
الفكرة تقوم على الاعتراف بأن القضاء النهائي على قدرات الخصم غير ممكن؛ لذلك تُضرب هذه القدرات دورياً عندما تنمو مجدداً إلى مستوى يُنظر إليه باعتباره خطراً.
وفي الحالة الإيرانية، يعني ذلك مراقبة إعادة بناء الرادارات والدفاعات الجوية والصواريخ المضادة للسفن وقدرات زرع الألغام، ثم مهاجمتها عندما تتجاوز عتبة معينة.
وقد نجحت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية في إضعاف جانب مهم من القدرات الإيرانية في هرمز، وبدأت إزالة ألغام بحرية. لكن المشكلة أن إيران تستطيع إصلاح المعدات أو شراء بدائل وإعادة بناء مواقعها.
فالقصف يستطيع تدمير منشآت ومعدات، لكنه لا يستطيع بسهولة إزالة المعرفة والخبرة والقاعدة الصناعية التي تسمح بإنتاج قدرات جديدة.
وهكذا تجد واشنطن نفسها أمام خيار يتكرر باستمرار: إما السماح لطهران باستعادة قدراتها، وإما العودة إلى قصفها مرة أخرى.
معادلة غير متكافئة في هرمز
هنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة الإيرانية.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً بصورة موثوقة أمام السفن، بينما لا تحتاج إيران بالضرورة إلى إغلاقه بالكامل؛ يكفي أن تجعل شركات الشحن والأسواق تعتقد أن المرور لا يزال محفوفاً بالمخاطر.
وبذلك تستطيع إيران، حتى بعد إضعاف قدراتها العسكرية، فرض تكاليف اقتصادية وعسكرية مرتفعة على واشنطن وحلفائها.
وهذه النقطة تتقاطع مع قراءة «فايننشال تايمز»، التي ترى أن طهران لا تزال مصممة على إبقاء المضيق ورقة ضغط رئيسية في مواجهة واشنطن، في وقت يتشدد فيه ترامب حيال شروط التفاوض.
مشكلة أخرى: واشنطن لا تتحكم بالرد الإيراني
تستطيع الولايات المتحدة تحديد حجم وتوقيت ضرباتها، لكنها لا تستطيع تحديد كيفية رد إيران.
فبعد تحذيرات شديدة اللهجة من ترامب لطهران من الرد، أطلقت إيران صواريخ باتجاه منشآت أميركية في المنطقة. وأعلنت الأردن، بحسب «دويتشه فيله»، رصد 13 صاروخاً باليستياً في أجوائها واعتراض عشرة منها.
وهذا يعني أن الضربة الأميركية التي يُراد لها أن تكون محدودة يمكن أن تؤدي إلى رد إيراني، ثم إلى ضربة أميركية أخرى، فتبدأ دورة تصعيد يصعب التحكم بمداها.
الخطر النووي
وتبرز مخاطرة أكثر استراتيجية.
تحذر منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، من أن تكرار الهجمات الأميركية قد يدفع القيادة الإيرانية إلى استنتاج أن امتلاك سلاح نووي هو الوسيلة الوحيدة للحصول على ردع دائم.
وبهذه الحالة، يمكن أن تؤدي الضربات الأميركية والإسرائيلية، على نحو معاكس للهدف المعلن منها، إلى تعزيز الحوافز داخل إيران للسعي نحو الخيار النووي.
لا احتلال ولا قوات برية.. ولكن حرب طويلة؟
بالنسبة إلى ترامب، تحمل استراتيجية الضربات المتكررة ميزة سياسية داخلية مهمة: فهي لا تتطلب احتلال إيران، ولا بناء دولة جديدة، ولا إرسال أعداد كبيرة من القوات البرية الأميركية.
وبذلك يستطيع القول إنه يتجنب نموذج «الحروب الأبدية» التي طالما انتقد الإدارات الأميركية السابقة بسببها.
لكن المفارقة أن الاستراتيجية نفسها قد تنتج شكلاً جديداً من تلك الحروب.
فإذا كانت إيران قادرة في كل مرة على إعادة بناء جزء من قدراتها، وكانت واشنطن غير مستعدة لقبول عودة التهديد إلى هرمز، فإن التسلسل قد يصبح دائماً:
إيران تعيد البناء → الولايات المتحدة تقصف → إيران ترد → تهدئة مؤقتة → إعادة بناء → ضربات جديدة.
وتصف يعقوبيان هذا المسار بأنه استراتيجية استنزاف سيزيفية بلا نهاية؛ أي جهد يتكرر باستمرار من دون الوصول إلى حل نهائي.
التفاوض تحت النار
وتطرح هذه التطورات مفارقة أخرى: استمرار القتال لا يعني بالضرورة موت المفاوضات.
فالولايات المتحدة تستخدم القوة للقول إن إعادة بناء القدرات الإيرانية ستكون مكلفة، بينما تستخدم إيران قدرتها على تهديد هرمز لإثبات أنها لا تزال تملك أوراقاً تفاوضية رغم التفوق العسكري الأميركي.
وبذلك تصبح العمليات العسكرية نفسها جزءاً من عملية الضغط السياسي: واشنطن تريد التفاوض من موقع التفوق العسكري، وطهران تريد إثبات أن إضعافها لا يعني قدرتها على فرض الاستقرار في هرمز من دون ثمن.
إلى أين تتجه المواجهة؟
المعضلة الأميركية أن الخيارات المتاحة جميعها مكلفة. فإذا سمحت واشنطن لإيران باستعادة صواريخها وراداراتها وقدراتها البحرية، فقد يعود خطر تعطيل الملاحة في واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.
أما إذا واصلت تدمير هذه القدرات كلما أعيد بناؤها، فقد تدخل في حرب استنزاف منخفضة الحدة ومفتوحة زمنياً.
وفي غياب اتفاق سياسي قادر على معالجة الخلافات الأساسية بين الطرفين، قد لا يكون السؤال المقبل هو من يستطيع تحقيق انتصار عسكري حاسم، بل من يستطيع تحمل كلفة هذه الحلقة مدة أطول: واشنطن أم طهران؟
المصادر/ فايننشيال تايمز- دوتشه فيلع – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية









