أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
أخبار

قتلت أطفالها الثلاثة.. لماذا عجز محلفون أميركيون عن إدانة ليندسي كلانسي؟

قتلت أطفالها الثلاثة.. لماذا عجز محلفون أميركيون عن إدانة ليندسي كلانسي؟

بعد أكثر من ستة أسابيع من المحاكمة، وسبعة أيام من المداولات، انتهت واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للجدل في الولايات المتحدة من دون إدانة ولا تبرئة. فقد أعلن قاضٍ في ولاية ماساتشوستس بطلان محاكمة ليندسي كلانسي، الممرضة السابقة المتهمة بقتل أطفالها الثلاثة، بعدما فشلت هيئة المحلفين في التوصل إلى قرار بالإجماع.

القضية لم تكن خلافاً حول ما إذا كانت كلانسي قد قتلت أطفالها أم لا؛ فهي لم تنكر ذلك. السؤال الذي قسم هيئة المحلفين والرأي العام كان أكثر تعقيداً: هل كانت تدرك طبيعة أفعالها وقادرة على السيطرة عليها، أم أن ذهان ما بعد الولادة أفقدها المسؤولية الجنائية؟

حتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب علق على القضية، واصفاً ما حدث بأنه «مأساة مروعة»، وقال إن كلانسي ارتكبت فعلاً فظيعاً وإن عليها أن تدفع ثمناً، سواء أكان ذلك في السجن أم في مؤسسة للصحة النفسية.

 

 

ماذا حدث؟

كانت ليندسي كلانسي، وهي ممرضة سابقة في قسم الولادة وتبلغ اليوم 36 عاماً، تعيش مع زوجها باتريك وأطفالهما الثلاثة في دوكسبري، جنوب بوسطن.

في 24 يناير/كانون الثاني 2023، قتلت أطفالها الثلاثة: كورا، خمس سنوات، وداوسون، ثلاث سنوات، وكالان، ثمانية أشهر.

وقال الادعاء إن كلانسي أرسلت زوجها إلى الخارج لإحضار دواء لأحد الأطفال وشراء العشاء، ثم خنقت الأطفال داخل المنزل باستخدام أحزمة للتمارين الرياضية. وبعد ذلك حاولت إنهاء حياتها بالقفز من نافذة في الطابق الثاني، ما تسبب بإصابتها بالشلل من الخصر إلى الأسفل.

عندما عاد الزوج إلى المنزل، وجد زوجته مصابة في الخارج، قبل أن يعثر على الأطفال في قبو المنزل.

 

 

محور القضية: هل كانت مريضة أم واعية بما تفعله؟

منذ البداية، لم يحاول الدفاع إنكار وقوع عمليات القتل، بل بنى قضيته على أن كلانسي كانت تعاني ذهان ما بعد الولادة، وهو اضطراب نفسي نادر وخطير يمكن أن يظهر بعد الإنجاب، وقد يصاحبه اضطراب شديد في التفكير وأوهام أو هلوسات وفقدان الاتصال بالواقع.

وخلال 21 يوماً من الشهادات، استمعت المحكمة إلى تفاصيل عن التدهور الحاد في صحة كلانسي النفسية بعد ولادة طفلها الأصغر.

بحسب ما عُرض أمام المحكمة، أصبحت تعاني قلقاً شديداً، وأرقاً وعدم قدرة على النوم، وما وصفته بـ«ضباب في الدماغ». كما راجعت متخصصين في اضطرابات المزاج المرتبطة بالحمل والولادة، وتناولت عدداً من الأدوية النفسية.

وشهد أفراد من عائلتها بأنها كانت مدركة لتدهور حالتها وتطلب المساعدة. ووصفتها حماتها السابقة بأنها أم محبة وحنونة وكانت «تتوسل طلباً للمساعدة».

وفي مطلع عام 2023، أدخلت كلانسي نفسها إلى مستشفى للأمراض النفسية، لكنها خرجت بعد فترة قصيرة. وبعد 19 يوماً فقط من خروجها وقعت المأساة.

ماذا قال الدفاع؟

قال محاميها كيفن ريدينغتون إن كلانسي لا ينبغي أن تتحمل المسؤولية الجنائية لأنها كانت تعاني ذهاناً حاداً بعد الولادة وقت قتل أطفالها.

ومن بين النقاط التي طرحها الدفاع أن كلانسي قالت إنها سمعت صوت رجل يأمرها بقتل الأطفال، وهو ما استخدم للدلالة على احتمال تعرضها لهلوسات أو اضطراب ذهاني.

وبالنسبة إلى الدفاع، لم تكن القضية قضية أم قررت بهدوء قتل أطفالها، بل امرأة انهارت نفسياً ووصلت إلى حالة مرضية جعلتها غير قادرة على إدراك أفعالها بالصورة التي يتطلبها القانون لإدانتها بالقتل.

والادعاء: كانت مريضة، لكنها عرفت ماذا تفعل

الادعاء لم ينكر أن كلانسي كانت تعاني مشكلات نفسية خطيرة، لكنه رفض أن تكون هذه المشكلات قد ألغت مسؤوليتها الجنائية.

وقال ممثلو الادعاء إنها تصرفت «عمداً وبعقلانية وبسرعة»، وإن تسلسل الأحداث يشير إلى تخطيط وإدراك.

واستندوا خصوصاً إلى أنها طلبت من زوجها مغادرة المنزل لإحضار الدواء والطعام، ثم نفذت عمليات القتل أثناء غيابه.

كما ركز الادعاء على نقطة اعتبرها مهمة: كلانسي قالت لاحقاً إنها سمعت صوتاً يأمرها بقتل أطفالها، لكنها لم تبلغ أطباءها أو مقدمي الرعاية النفسية عن سماع مثل هذا الصوت قبل وقوع الجرائم.

ومن ثم، كان موقف الادعاء أن المرض النفسي لا يعني تلقائياً انعدام المسؤولية الجنائية، وأن كلانسي، رغم مرضها، كانت تعرف ما تقوم به ويمكنها التحكم في أفعالها.

هيئة المحلفين تنقسم 11 مقابل واحد

بعد انتهاء المحاكمة، بدأت هيئة المحلفين، المكونة من تسع نساء وثلاثة رجال، مداولاتها.

واستمرت المداولات نحو 38 إلى 40 ساعة موزعة على سبعة أيام، لكن الهيئة أعلنت ثلاث مرات تقريباً أنها غير قادرة على التوصل إلى قرار بالإجماع.

وبحسب مذكرات أرسلها المحلفون إلى القاضي، انتهى الانقسام إلى 11 محلفاً مقابل محلف واحد.

وقالت «نيويورك تايمز» إن 11 محلفاً كانوا يميلون إلى تبرئة كلانسي على أساس عدم مسؤوليتها الجنائية بسبب حالتها العقلية، بينما بقي محلف واحد غير مقتنع بذلك.

وهنا تحولت القضية إلى مواجهة قانونية داخل المحكمة نفسها.

معركة حول المحلف الوحيد

اتهم فريق الدفاع المحلف المعارض بأنه لا يطبق بصورة صحيحة معيار «الشك المعقول» الذي يشكل أساس الإدانة في القضايا الجنائية الأميركية.

وطلب المحامي ريدينغتون من القاضي استجواب المحلف بصورة أعمق، أو حتى استبعاده من هيئة المحلفين، معتبراً أن المشكلة لم تعد مجرد اختلاف في الرأي بل رفضاً لتطبيق تعليمات المحكمة.

لكن القاضي ويليام سوليفان رفض ذلك، قائلاً إنه لا يوجد ما يثبت أن المحلف رفض المشاركة في المداولات أو خالف القانون بطريقة تسمح باستبعاده.

ومع استمرار الانسداد، أبلغ المحلفون القاضي في رسالة أنهم «بقلب مثقل» غير قادرين على التوصل إلى قرار موحد.

محاولة أخيرة غير عادية

عندما أعلن القاضي أنه يتجه إلى إنهاء المحاكمة، قام الدفاع بمحاولة أخيرة دراماتيكية.

طلب ريدينغتون مهلة عاجلة للتوجه إلى المحكمة القضائية العليا في ماساتشوستس، وهي أعلى محكمة في الولاية، مطالباً بوقف إعلان بطلان المحاكمة والتحقيق مع المحلف المعارض أو استبعاده.

وافق القاضي على منحه ساعة لتقديم الطعن، في خطوة وصفها قانونيون بأنها غير مألوفة بهذا التوقيت.

لكن المحكمة العليا رفضت طلب الدفاع، فعاد القاضي سوليفان وأعلن رسمياً بطلان المحاكمة في 4 سبتمبر/أيلول.

ماذا يعني «بطلان المحاكمة»؟

بطلان المحاكمة لا يعني أن كلانسي بريئة، ولا يعني أنها مذنبة.

ببساطة، فشلت هيئة المحلفين في إصدار الحكم الذي يشترط القانون الأميركي أن يكون بالإجماع.

لذلك تبقى تهم القتل قائمة، وتعود القضية عملياً إلى وضع قريب مما كانت عليه قبل بدء المحاكمة.

وسيكون أمام الادعاء عدة خيارات: إعادة محاكمة كلانسي أمام هيئة محلفين جديدة، أو التفاوض على اتفاق إقرار بالذنب يتضمن تهماً أو عقوبات مختلفة، أو اتخاذ قرار بعدم إعادة المحاكمة إذا رأى أن النتيجة قد تتكرر.

وقد حدد القاضي جلسة متابعة في 29 سبتمبر/أيلول.

الدفاع يعتبر نفسه منتصراً

بعد إعلان بطلان المحاكمة، خرج محامي كلانسي مهاجماً المحلف الوحيد.

وقال ريدينغتون إنه يعتبر أنه «فاز بالقضية»، وإن الادعاء تعرض لهزيمة، معتبراً أن محلفاً واحداً حرم بقية الهيئة من الوصول إلى النتيجة التي كانت تتجه إليها.

لكن الادعاء رفض هذا التصوير.

وقال المدعي العام لمقاطعة بليموث، تيموثي كروز، إن القضية «كانت دائماً تتعلق بتحقيق العدالة لهؤلاء الأطفال الثلاثة الصغار»، مؤكداً أنها ليست محاكمة لنظام الرعاية الصحية أو لطريقة التعامل مع النساء أو للتشخيصات النفسية.

وقال إنه سيقرر لاحقاً ما إذا كان سيطلب محاكمة جديدة.

ماذا عن الزوج؟

زوج كلانسي السابق، باتريك كلانسي، كان أول شاهد في المحاكمة.

وسبق أن قال إنه سامحها ويعتقد أن ما قامت به كان نتيجة مرض نفسي.

وبعد إعلان بطلان المحاكمة، قال محاميه إن احتمال إعادة المحاكمة مؤلم للغاية بالنسبة إليه، وإن فقدان أطفاله مأساة لن يتعافى منها أبداً.

قضية قسمت الرأي العام الأميركي

تحولت المحاكمة إلى أكثر من مجرد قضية جنائية.

فقد تابع ملايين الأميركيين وقائعها عبر البث المباشر، وحضرت نساء إلى المحكمة مرتديات اللون الوردي دعماً لكلانسي، وروت بعضهن تجارب شخصية مع اضطرابات ما بعد الولادة أو مع النظام الصحي.

وبالنسبة إلى مؤيديها، أصبحت القضية مثالاً على خطورة اضطرابات الصحة النفسية للأمهات بعد الولادة، وعلى ما يرونه تقصيراً في الاستجابة إلى النساء اللواتي يطلبن المساعدة.

أما معارضو هذا الطرح، فيرون أن التركيز المفرط على مرض المتهمة قد يؤدي إلى تهميش الضحايا الحقيقيين: الأطفال الثلاثة.

ماذا سيحدث لكلانسي الآن؟

ستعود كلانسي إلى مستشفى توكسبري الحكومي للأمراض النفسية، حيث كانت تقيم أثناء سير القضية.

وحتى لو كانت هيئة المحلفين قد برأتها بسبب عدم المسؤولية الجنائية، كان من المرجح أن تبقى خاضعة للعلاج والإيداع في منشأة للصحة النفسية بدلاً من إطلاق سراحها مباشرة.

كما أنها تقيم بصورة منفصلة دعوى مدنية ضد بعض أطبائها ومقدمي الرعاية الطبية الذين عالجوها قبل وقوع الجرائم.

وهكذا تبقى قضية ليندسي كلانسي مفتوحة بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف على مقتل أطفالها. فقد اتفق 12 محلفاً على أن مأساة وقعت، لكنهم لم يستطيعوا الاتفاق على السؤال الذي أصبح جوهر القضية كلها: هل كانت كلانسي قاتلة مسؤولة عن أفعالها، أم مريضة نفسياً فقدت القدرة القانونية على إدراك ما كانت تفعله؟

وهو سؤال لم تفشل هيئة المحلفين وحدها في الاتفاق عليه، بل قسم أيضاً الرأي العام الأميركي وجعل القضية اختباراً صعباً للحد الفاصل بين الجريمة والمرض النفسي والمسؤولية القانونية.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.