لم تعد ولاية ساكسونيا-أنهالت الصغيرة في شرق ألمانيا مجرد محطة انتخابية محلية. فالنتيجة التي حققها حزب “البديل من أجل ألمانيا”، بحصوله على 43.8% من الأصوات ومضاعفة رصيده تقريباً مقارنة بالانتخابات السابقة، تمثل أفضل نتيجة يحققها حزب من اليمين المتطرف في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
ومع أن الحزب أخفق بفارق ثلاثة مقاعد فقط في الحصول على الأغلبية المطلقة التي تسمح له بالحكم منفرداً، فإن الصدمة السياسية تجاوزت حدود الولاية إلى برلين وباريس وعواصم أوروبية أخرى.
وبينما تركز وكالة «أسوشيتد برس» و«سي إن إن» على حجم التحول الانتخابي والمأزق الذي يواجه الأحزاب الألمانية التقليدية، تذهب «نيويورك تايمز» إلى أبعد من ذلك، معتبرة النتيجة إشارة إلى تحولات أوسع يمكن أن تظهر في انتخابات فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها. أما مقال الرأي في «واشنطن بوست» فيقدم تفسيراً مختلفاً لصعود الحزب: ألمانيا التي بنت نموذجها السياسي والاقتصادي على الاستقرار أصبحت تواجه عصراً يتطلب تغييرات سريعة، بينما يشعر جزء متزايد من الناخبين بأن النظام التقليدي لم يعد قادراً على الاستجابة.
Ulrich Siegmund – Sachsen-Anhalt – Magdeburg: WAHL Sachsen-Anhalt. HISTORISCHE Rede von neuen Ministerpräsidenten Sigmund ulrich und ALICE Weidel pic.twitter.com/kRdpl61oTW
— Hamburg Online, Aktuelle News aus Hamburg (@HAMBURGonline) September 5, 2026
انتصار كاسح.. لكنه لا يكفي للحكم
أظهرت النتائج النهائية حصول “البديل من أجل ألمانيا” على 43.8% من الأصوات في ساكسونيا-أنهالت، وهي ولاية شرقية يبلغ عدد سكانها نحو 2.1 مليون نسمة. ومنحته النتيجة 39 مقعداً من أصل 83 في البرلمان المحلي، أي أقل بثلاثة مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة.
في المقابل، تعرض الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشار فريدريش ميرتس لهزيمة قاسية، إذ هبط إلى نحو 17.2% بعدما ظل القوة السياسية المهيمنة على الولاية لأكثر من عقدين. وحصل الاشتراكيون الديمقراطيون على 9.3%، والخضر على 8.9%، وحزب اليسار على 8.6%.
كما بلغت المشاركة نحو 77.8%، وهي نسبة مرتفعة تشير إلى أن صعود الحزب لم يكن نتيجة عزوف ناخبي خصومه فحسب؛ بل تمكن أيضاً من جذب أعداد كبيرة ممن لم يصوتوا في الانتخابات السابقة.
مرشح الحزب لرئاسة حكومة الولاية، أولريش زيغموند، البالغ 35 عاماً، وصف النتيجة بأنها «لحظة تاريخية»، وقال إن الناخبين أرسلوا رسالة مفادها أن الأمور «لا يمكن أن تستمر كما هي».
المفارقة: الحزب فاز.. لكنه قد يبقى خارج الحكومة
هنا تبدأ العقدة الألمانية.
من الناحية الحسابية، أصبح “البديل” القوة المهيمنة في برلمان الولاية. لكن الأحزاب التقليدية تتمسك بما يعرف في ألمانيا بـ”الجدار الناري”، أي رفض الدخول في ائتلاف أو تعاون سياسي مع الحزب.
وكان “البديل” يريد الحصول على الأغلبية المطلقة تحديداً لكسر هذا الحصار والحكم منفرداً. لكنه أخفق بفارق ضئيل.
وزيغموند أعلن أنه لا يريد اللجوء إلى حكومة أقلية أو «مناورات» برلمانية، كما استبعد التحالف مع حزب تحالف سارة فاغنكنشت «BSW». وهذا يخلق مفارقة غير مألوفة: الحزب الذي حصل على أكثر من ضعف أصوات أقرب منافسيه قد لا يتمكن من تشكيل الحكومة.
وفي المقابل، سيكون على خصومه بناء تركيبة برلمانية معقدة للغاية لإبقائه خارج السلطة.

ماذا يريد «البديل» أن يغير؟
الحزب جعل الهجرة أحد المحاور الأساسية لحملته، ويدعو إلى سياسة يسميها “إعادة الهجرة”، وهو مصطلح يستخدم للدلالة على إعادة أو ترحيل أعداد من المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية.
وزيغموند تحدث عن إطلاق حملة ترحيل واسعة وتقليل الحوافز التي، بحسب الحزب، تشجع المهاجرين على القدوم والاستفادة من نظام الرعاية الاجتماعية.
وفي التعليم والثقافة، يحمل البرنامج توجهاً محافظاً قومياً واضحاً؛ إذ يريد السماح بالتعليم المنزلي، وتعزيز الرموز الوطنية الألمانية في المدارس، ومنع رفع علم قوس قزح فيها، إلى جانب تغييرات في المؤسسات الثقافية والإعلامية العامة.
كما يدعو الحزب إلى إعادة النظر في نظام البث العام، الذي يتهمه بالتحيز ونشر معلومات مضللة.
لكن بعض أبرز مواقف الحزب، مثل وقف الدعم لأوكرانيا ورفع العقوبات عن روسيا، ليست من صلاحيات حكومة ولاية ألمانية، بل يقررها المستوى الاتحادي في برلين.
لماذا ينجح الحزب خصوصاً في شرق ألمانيا؟
نجاح البديل ليس متساوياً في أنحاء البلاد. قاعدته الأقوى تقع في الولايات الشرقية التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية الشيوعية قبل إعادة التوحيد عام 1990.
وتشير تحليلات متعددة إلى مجموعة متداخلة من الأسباب: تباطؤ الاقتصاد، ارتفاع تكاليف المعيشة، الشعور بتراجع فرص العمل، الهجرة، إضافة إلى إحساس لدى جزء من سكان الشرق بأنهم لم يحصلوا على المكانة الاقتصادية والسياسية نفسها التي يتمتع بها الغرب.
كما أن الموقف من روسيا مختلف نسبياً في بعض مناطق الشرق. فالعلاقات التاريخية والاجتماعية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية تجعل جزءاً من السكان أكثر تقبلاً لفكرة استعادة العلاقات الاقتصادية مع موسكو، في وقت يتبنى «البديل» موقفاً معارضاً بشدة لاستمرار الدعم الألماني لأوكرانيا.
المشكلة أعمق من الهجرة
يقدم مقال الرأي الذي كتبه ياشا مونك في «واشنطن بوست» قراءة أوسع لصعود الحزب.
فوفق هذه القراءة، بنت ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ثقافتها السياسية على الاستقرار والتدرج والحذر من التحولات الكبيرة. وقد نجح هذا النموذج لعقود، لكنه أصبح أكثر صعوبة في عالم يتغير بسرعة بفعل المنافسة الصينية، والتحولات التكنولوجية، والطاقة، والحرب في أوكرانيا، والهجرة وتراجع الصناعة.
وهنا يستفيد “البديل”، بحسب مونك، من شعور متزايد بأن الأحزاب التقليدية تحافظ على نظام لم يعد يعمل بالكفاءة نفسها.
بمعنى آخر، لا يصوت جميع ناخبيه بالضرورة تأييداً لكل مواقفه الأيديولوجية؛ بعضهم يستخدم التصويت له للتعبير عن رفضه للنظام السياسي القائم ورغبته في تغيير جذري.
وهذا يفسر العبارة التي كررها زيغموند بعد الفوز: «لا يمكن أن تستمر الأمور على هذا النحو».
هزيمة قاسية لميرتس
بالنسبة إلى المستشار فريدريش ميرتس، تبدو النتيجة أكثر خطورة من خسارة ولاية واحدة.
حزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، خسر نحو نصف تأييده هناك، رغم أنه حكم ساكسونيا-أنهالت طوال 24 عاماً تقريباً.
وتقول «سي إن إن» إن النتيجة ستزيد الضغوط على ميرتس وحكومته التي تعاني أصلاً تراجعاً في الشعبية. أما «نيويورك تايمز» فتشير إلى أن ضعف المستشار قد تكون له تداعيات أوروبية، لأن ألمانيا الضعيفة داخلياً ستكون أقل قدرة على لعب دور قيادي في ملفات الاتحاد الأوروبي والأمن والدفاع وأوكرانيا.
من ساكسونيا إلى باريس ومدريد وروما
وهنا تظهر الأهمية الأوروبية الحقيقية للانتخابات.
ترى «نيويورك تايمز» أن ما حدث في ألمانيا قد يكون نموذجاً لما يمكن أن يحدث في دول أخرى، حيث تعاني الأحزاب التقليدية من مشكلات مشابهة: ارتفاع تكاليف المعيشة، والهجرة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والانقسام حول الهوية الوطنية.
وفي فرنسا تراقب القوى السياسية صعود اليمين القومي قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة. كما تواجه إسبانيا صعود حزب «فوكس»، بينما تخوض إيطاليا تجربتها الخاصة مع حكومة جورجيا ميلوني.
ولهذا وصف وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي بنيامين حداد النتيجة بأنها «لحظة جدية لأوروبا»، داعياً في الوقت نفسه إلى الاستماع إلى مخاوف الناخبين ومعالجة أسباب غضبهم. كما عبّرت الحكومة الفرنسية عن قلقها من صعود الحزب.
روسيا وأوكرانيا.. خط انقسام آخر
لا يقتصر الخلاف مع البديل على الهجرة.
الحزب يدعو إلى وقف المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا وإعادة العلاقات مع روسيا ورفع العقوبات عنها. ويقول قادته إن الأموال التي تنفق على كييف ينبغي استخدامها داخل ألمانيا.
هذه المواقف تحظى بتأييد أكبر نسبياً في أجزاء من شرق البلاد، لكنها تصطدم مباشرة بسياسة الحكومة الاتحادية.
ولهذا يثير نجاح الحزب أيضاً تساؤلات حول مستقبل السياسة الألمانية تجاه روسيا وأوكرانيا إذا واصل توسيع قاعدته الانتخابية على المستوى الوطني.
US President Donald Trump posted the results of the Sachsen-Anhalt election showing a landslide victory for the far right Alternative for Germany, AfD. Their candidate Ulrich Siegmund told me he wants strong ties with the US and Russia. @CNN @claudiaotto @sebshukla pic.twitter.com/xBVQjKJ4X4
— Frederik Pleitgen (@fpleitgenCNN) September 6, 2026
دعم من ماسك واهتمام من ترامب وموسكو
اكتسبت النتيجة بعداً دولياً إضافياً بعدما هنأ إيلون ماسك الحزب، ورد عليه زيغموند بالشكر معرباً عن أمله في «تعاون قوي وبنّاء».
كما نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب صورة لنتائج الانتخابات على منصته «تروث سوشيال»، في حين رحب مسؤولون وشخصيات مقربة من الكرملين بنتيجة الحزب المؤيد لتحسين العلاقات مع موسكو.
لكن بالنسبة إلى أوروبا، القضية الأكبر ليست المواقف الخارجية المؤيدة أو المعارضة للحزب، بل السؤال عما إذا كانت النتيجة تمثل اختراقاً محلياً مؤقتاً أم بداية تحول طويل المدى في السياسة الألمانية.

لماذا تبدو هذه الانتخابات مختلفة؟
سبق لحزب البديل من أجل ألمانيا أن تصدر انتخابات ولاية تورينغن، لكنه كان آنذاك أبعد بكثير عن الأغلبية، وتمكنت الأحزاب الأخرى من تشكيل حكومة بدونه.
أما في ساكسونيا-أنهالت، فقد أصبح الفارق هائلاً: نحو 44% للبديل مقابل 17% تقريباً لأقرب منافسيه.
لهذا فإن استمرار «الجدار الناري» يصبح أكثر صعوبة سياسياً كلما ارتفعت حصة الحزب من الأصوات. فإذا اقترب حزب من نصف الناخبين، فإن تشكيل حكومات تضم معظم منافسيه فقط بهدف إبقائه خارج الحكم قد يصبح أكثر تعقيداً.
أزمة ثقة
قصة ساكسونيا-أنهالت لا تتعلق فقط بفوز حزب يميني متطرف في ولاية ألمانية صغيرة. إنها تكشف عن أزمة ثقة أوسع في الأحزاب التقليدية، وقلق اقتصادي واجتماعي متراكم، وانقسام بين شرق ألمانيا وغربها، وتنامي الجدل حول الهجرة وروسيا والهوية الوطنية.
البديل من أجل ألمانيا” لم يحصل على الأغلبية التي كان يريدها، ولذلك قد ينتهي به الأمر مرة أخرى خارج الحكومة. لكن الحصول على نحو 44% من الأصوات يعني أن عزله سياسياً لم يعد يمنع اتساع قاعدته الانتخابية.
ولهذا تتجاوز رسالة الانتخابات حدود ألمانيا: في عام انتخابي أوروبي مزدحم، أصبحت ساكسونيا-أنهالت اختباراً مبكراً لما إذا كان الغضب من الاقتصاد والهجرة والأحزاب التقليدية سيعيد رسم الخريطة السياسية للقارة.







