بعد أشهر شهدت تحسناً نسبياً في وضع القوات الأوكرانية، بدأت الصورة تتغير مجدداً على الجبهة الشرقية. فروسيا تحقق تقدماً بطيئاً ومكلفاً، لكنه يضعها على مقربة من مجموعة مدن تشكل العمود الفقري للدفاعات الأوكرانية في دونباس، فيما تتعرض طرق الإمداد والبنية التحتية لضغط متزايد من المسيّرات والقنابل الموجهة.
وبحسب تقرير لشبكة ” سي إن إن” الأميركية، لا تشير التطورات الحالية إلى انهيار وشيك للدفاعات الأوكرانية، كما أن وتيرة التقدم الروسي لا تزال بطيئة. لكن الخطر يكمن في المكان الذي تتركز فيه العمليات: ما يعرف بـ”حزام القلاع”، وهو خط دفاعي يضم سلوفيانسك وكراماتورسك ودروغكيفكا وكوستيانتينيفكا.
‼️Russia attacked the international road border crossing “Starokozache” on the Ukraine-Moldova border.
There are dead and wounded among civilians waiting to cross. pic.twitter.com/d8JzWcuxIL
— Natalka (@NatalkaKyiv) September 9, 2026
روسيا تنهي الهدنة القصيرة
وفي أحدث التطورات الميدانية، بعد يوم واحد من زيارة المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى كييف، استأنفت روسيا هجماتها الواسعة على العاصمة الأوكرانية، منهية هدنة مؤقتة استمرت 72 ساعة لتسهيل جولة دبلوماسية شملت موسكو وكييف.
وبحسب سي إن إن، أسفر الهجوم عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة نحو 30 آخرين، واستخدمت فيه صواريخ باليستية ومجنحة ومسيّرات. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن الضربات استهدفت منشآت عسكرية وصناعية ومراكز لوجستية ومستودعات، بينما قالت السلطات الأوكرانية إن مباني سكنية ومنشآت مدنية تعرضت لأضرار واسعة.
واستمرت الانفجارات في كييف قرابة خمس ساعات، كما تضررت منشآت تعليمية ومستودعات وسيارات، وأصيبت مسيّرة قطار ركاب بين كييف وسومي، لكن ركابه تمكنوا من الإجلاء.
وفي الوقت نفسه، أعاد الهجوم تسليط الضوء على أزمة الدفاع الجوي الأوكراني، وخصوصاً صعوبة اعتراض الصواريخ الباليستية. وأعلنت بريطانيا وألمانيا مساعدات جديدة تشمل صواريخ باتريوت.
ورغم استئناف التحركات الدبلوماسية، تكشف التطورات أن المفاوضات لم تُترجم بعد إلى تهدئة عسكرية مستدامة، فيما يواصل الطرفان استخدام الضغط الميداني بالتوازي مع المسار السياسي.
كراماتورسك تحت ضغط متزايد
تقول إيرينا ريباكوفا، المسؤولة الإعلامية في اللواء الميكانيكي الأوكراني 93 والموجودة في كراماتورسك، إن الوضع خلال الأسابيع الأخيرة أصبح شديد الصعوبة.
فقد دُمرت معظم جسور المدينة تقريباً، فيما أصبحت هجمات المسيّرات والقنابل الموجهة جزءاً من الحياة اليومية. وبحسب روايتها، تتعرض السيارات والمباني السكنية والمنشآت الخدمية والإدارية والمرائب للقصف بصورة متكررة.
ولا تزال كراماتورسك واحدة من أهم معاقل أوكرانيا في دونباس، كما استخدمت لفترة طويلة قاعدة خلفية للقوات العاملة على الجبهة ومكاناً لراحة الجنود، لكن القصف المتكرر جعل هذا الدور أكثر صعوبة.
التقدم الروسي بطيء.. لكنه في منطقة حساسة
ترى جيني أولمستيد، المحللة المختصة بروسيا في «معهد دراسة الحرب» الأميركي، أن اختراقاً روسياً سريعاً لا يبدو مرجحاً في الوقت الحالي، إلا أن ميزان التطورات الميدانية تحول نسبياً لمصلحة موسكو.
وتعتمد القوات الروسية على عمليات تسلل متواصلة وتتقدم تدريجياً باتجاه سلوفيانسك وكراماتورسك، إلى جانب عملياتها في كوستيانتينيفكا.
وتشير بيانات المعهد إلى أن روسيا تقدمت أو تسللت إلى نحو 124 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الأوكرانية خلال أغسطس/آب، أي نحو ربع المساحة التي استولت عليها في الشهر نفسه من العام الماضي.
وهذا يعني أن التقدم الروسي لا يزال بطيئاً للغاية.
وبحسب تقديرات استخباراتية غربية أوردتها سي إن إن، تخسر روسيا نحو 40 ألف جندي شهرياً بين قتيل وجريح، بما يعادل قرابة 340 إصابة أو وفاة لكل كيلومتر مربع تتقدم فيه.

ما هو “حزام القلاع” ولماذا هو مهم؟
لكن الخطر يكمن في المكان الذي تتركز فيه العمليات: ما يعرف بـ”حزام الحصون أو القلاع”، وهو خط دفاعي يضم سلوفيانسك وكراماتورسك ودروغكيفكا وكوستيانتينيفكا.
تكمن أهمية التطورات الحالية في أن القوات الروسية تضغط على خط دفاعي أمضت أوكرانيا سنوات في تحصينه.
ويتألف “حزام القلاع” من أربع مدن صناعية مترابطة هي سلوفيانسك وكراماتورسك ودروغكيفكا وكوستيانتينيفكا.
ولا تكمن أهميتها في المدن نفسها فقط، بل في شبكة الطرق والسكك الحديدية وطبيعة المنطقة المحيطة بها، التي توفر حاجزاً دفاعياً أمام القوات الروسية.
أما إلى الغرب من هذا الخط، فتتحول التضاريس تدريجياً إلى سهول أكثر انفتاحاً وأقل كثافة سكانية، وبالتالي قد تصبح عملية الدفاع عنها أكثر صعوبة.
ولهذا تخشى كييف من أن يؤدي اختراق هذا الحزام إلى فتح المجال أمام تقدم روسي أسرع وأعمق باتجاه شرق ووسط أوكرانيا.
كوستيانتينيفكا تفقد دورها كمعقل
تعرض «حزام القلاع» للتآكل تدريجياً خلال الحرب، وتقول سي إن إن إن كوستيانتينيفكا، الواقعة في الطرف الجنوبي منه، فقدت عملياً قيمتها كمعقل دفاعي رئيسي.
ولا تزال هناك جيوب من المقاومة الأوكرانية في شمال المدينة، لكن الشبكة تقول إن قيمتها العملياتية بالنسبة إلى كييف تراجعت إلى حد كبير.
وتكشف المعركة هناك عن نمط روسي تكرر في مدن أخرى: بدلاً من السيطرة السريعة على المدن مع الحفاظ على بنيتها التحتية، تعتمد القوات الروسية حرب استنزاف طويلة تؤدي تدريجياً إلى تدمير أجزاء واسعة منها وإفراغها من السكان.
واستغرقت السيطرة الروسية على باخموت تسعة أشهر من القتال، فيما احتاجت معركة بوكروفسك إلى ما يقرب من عامين، بحسب التقرير. وعندما انتهت المعارك، كانت أجزاء واسعة من المدينتين قد دُمرت.
موسكو: نتقدم نحو أهدافنا
لكل تقدم ميداني، مهما كان محدوداً، أهمية سياسية وإعلامية بالنسبة إلى الكرملين.
فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يزال متمسكاً بأهدافه المعلنة، ومن بينها السيطرة على كامل منطقتي دونيتسك ولوغانسك.
وتسيطر روسيا حالياً، وفق التقرير، على نحو 81% من دونيتسك وتقريباً كامل لوغانسك، مع استمرار خلاف موسكو وكييف بشأن وجود جيوب صغيرة ما زالت تحت السيطرة الأوكرانية في الأخيرة.
وقال مساعد الكرملين والمفاوض يوري أوشاكوف إن بوتين أبلغ المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بأن الجيش الروسي يحقق «تقدماً ملموساً» وسينجح قريباً في تحقيق أهدافه.
الحرب النفسية جزء من المعركة
يشير التقرير إلى أن تصوير التطورات الميدانية باعتبارها انتصاراً وشيكاً يمثل جزءاً مهماً من الحرب الإعلامية الروسية.
وبحسب تقارير أشار إليها «معهد دراسة الحرب»، يتوقع بوتين السيطرة على ما تبقى من دونيتسك ولوغانسك بحلول نهاية العام، إلا أن تقديرات ومواعيد روسية سابقة لتحقيق أهداف مماثلة مرت من دون تحققها.
لذلك، هناك فارق بين التقدم الروسي الفعلي على الأرض وبين قدرة موسكو على تحويله إلى اختراق استراتيجي واسع خلال فترة قصيرة.
هل تستعد روسيا لمعركة سلوفيانسك وكراماتورسك؟
هذا هو السؤال الأهم في التقرير.
فالمحللون لا يرون مؤشرات على هجوم روسي خاطف قادر على إسقاط المدن سريعاً، لكنهم يعتقدون أن موسكو تعمل على تهيئة ساحة المعركة لمراحل لاحقة.
وتقول أولمستيد إن القوات الروسية تحاول إضعاف شبكات الإمداد والدفاع الأوكرانية وجعل نقل الذخائر والمعدات إلى المواقع الأمامية أكثر صعوبة، بالتزامن مع الاقتراب التدريجي من سلوفيانسك وكراماتورسك.
وبذلك، تبدو المعركة الحالية أقرب إلى عملية استنزاف وتمهيد طويلة منها إلى هجوم حاسم سريع.
الخطر بالنسبة إلى أوكرانيا ليس في عدد الكيلومترات التي تخسرها كل شهر بقدر ما هو في أهمية هذه الكيلومترات. فإذا تمكنت روسيا في نهاية المطاف من اختراق “حزام القلاع”، فقد تجد القوات الأوكرانية نفسها أمام تضاريس أكثر انفتاحاً وأصعب في الدفاع عنها.
لكن حتى الآن، تظل النتيجة غير محسومة: روسيا تتقدم ببطء وبكلفة بشرية كبيرة، بينما تواجه أوكرانيا اختباراً متزايد الصعوبة للحفاظ على أهم خطوطها الدفاعية في دونباس.

الخطر الصاروخي
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه أوكرانيا معضلة متفاقمة في حربها الجوية مع روسيا: موسكو تنتج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بوتيرة أسرع مما تستطيع كييف وحلفاؤها إنتاج الصواريخ الاعتراضية اللازمة لإسقاطها.
وبحسب تقرير لمجلة «الإيكونوميست»، تكثفت الضربات الروسية على كييف أواخر أغسطس/آب وبداية سبتمبر/أيلول، إذ تعرضت العاصمة لموجات شبه متواصلة من المسيّرات النفاثة، أعقبتها صواريخ باليستية. وتستخدم روسيا هذه المسيّرات بكثافة لإرباك الرادارات والدفاعات الجوية الأوكرانية قبل إطلاق الصواريخ الأكثر تدميراً.
مسيّرات أسرع وأصعب في الاعتراض
تقول المجلة إن روسيا بدأت استخدام أجيال أسرع من مسيّرات «غيران-4» و«غيران-5»، تصل سرعتها إلى نحو 600 كيلومتر في الساعة، وتُنتج بمعدل يقارب 3 آلاف طائرة شهرياً.
وتعتمد هذه المسيّرات على محركات نفاثة، مصدر قسم كبير منها الصين، في حين تُصنع بعض المكونات داخل روسيا باستخدام تقنيات ومعدات حصلت عليها رغم العقوبات الغربية.
وبخلاف المسيّرات البطيئة السابقة، باتت النماذج الجديدة أقرب من حيث الأداء إلى صواريخ كروز منخفضة الكلفة.
المشكلة أن أوكرانيا لا تستطيع ببساطة استخدام صواريخها الجوية باهظة الثمن ضد كل مسيّرة. كما أن مقاتلات «إف-16» الأوكرانية بدأت تعاني نقصاً في صواريخ «إيه آي إم-120» و«إيه آي إم-9» الأميركية جو-جو، التي تستخدمها كييف أساساً لمواجهة صواريخ كروز الروسية.
الصواريخ الباليستية هي الخطر الأكبر
لكن التحدي الأصعب يتمثل في الصواريخ الباليستية.
فمن أصل 57 صاروخاً باليستياً أطلقتها روسيا خلال الأيام الثمانية الأولى من أغسطس/آب، لم يُعرف أن أوكرانيا أسقطت سوى واحد فقط، وفق «الإيكونوميست».
وفي وقت لاحق، أعلنت كييف اعتراض سبعة صواريخ باليستية في ليلة واحدة، إلا أن المجلة تقول إن تلك النتيجة اعتمدت على كميات محدودة من منظومة “باتريوت«باك-3” اشترتها دول أوروبية لصالح أوكرانيا.
ويُعد منظومة “باتريوت«باك-3″حالياً السلاح الأكثر فاعلية المتاح لأوكرانيا ضد الصواريخ الباليستية، لكن مخزونه اقترب من النفاد.
روسيا تنتج نحو 100 صاروخ شهرياً
في المقابل، رفعت روسيا إنتاج أكثر صواريخها فتكاً إلى نحو 100 صاروخ شهرياً، بينها قرابة 60 من طراز «إسكندر-إم» و40 من طراز «آر إم-48 يو»، بحسب التقرير.
أما الحصول على دفعات كبيرة جديدة من صواريخ «باتريوت» فيبدو صعباً.
وتشير «الإيكونوميست» إلى أن الحرب الأميركية ضد إيران استنزفت جزءاً مهماً من مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت، في حين لا تريد دول أخرى التخلي عن مخزوناتها في ظل صعوبة تعويضها بسرعة.
ماذا تفعل أوكرانيا الآن؟
في ظل نقص الصواريخ الاعتراضية، تعتمد كييف على خيارين رئيسيين.
الأول هو تحصين وإخفاء منشآت الطاقة والمصانع والبنية التحتية الحساسة، مع الاحتفاظ بقطع غيار تسمح بإصلاح الأضرار بسرعة.
أما الثاني فهو ما يعرف باستراتيجية «ما قبل الإطلاق»، أي ضرب الصاروخ الروسي قبل أن ينطلق أساساً.
وتشمل هذه الاستراتيجية مهاجمة مصانع الصواريخ ومخازن المكونات ومنصات الإطلاق المتحركة.
كييف تطور صواريخ باليستية خاصة بها
تعمل أوكرانيا أيضاً على تطوير صواريخ باليستية جديدة، بينها صاروخ ” سابسان”، إضافة إلى صاروخي إف بي- 7 و9 من شركة «فاير بوينت».
وتأمل كييف أن تسمح السرعة العالية لهذه الصواريخ بمهاجمة منصات الإطلاق الروسية المتحركة قبل أن تطلق صواريخها ثم تغير مواقعها بسرعة.
إلا أن هذه المهمة شديدة الصعوبة. وتشير المجلة إلى أن حتى الولايات المتحدة، رغم تفوقها الجوي الكبير في حربها مع إيران، واجهت صعوبات في القضاء الكامل على منصات الصواريخ المتحركة.
ضرب «نقاط الاختناق» في الصناعة الروسية
يقترح بعض الخبراء أن تركز أوكرانيا على المصانع التي تنتج مكونات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في صناعة الصواريخ الروسية.
فبدلاً من محاولة تدمير كل مصنع أو منصة إطلاق، يمكن البحث عن «نقاط فشل مفردة» في سلسلة التوريد؛ أي مكونات أو منشآت يؤدي تعطيلها إلى إبطاء الإنتاج كله.
وفي مارس/آذار، ضربت أوكرانيا مصنعاً في بريانسك كان ينتج مكونات إلكترونية لصواريخ «إسكندر».
ويقول التقرير إن كثيراً من المصانع الروسية المشابهة لا تزال تتمتع بدفاعات جوية محدودة.
المعادلة التي تصب في مصلحة المهاجم
تخلص «الإيكونوميست» إلى أن المشكلة الأساسية ليست نقص نظام دفاع بعينه، بل اختلال اقتصادي وصناعي أوسع.
فإنتاج الصواريخ الباليستية بكميات كبيرة قد يكون أرخص وأسهل من إنتاج عدد كافٍ من الصواريخ الاعتراضية اللازمة لإسقاطها.
وهذا يخلق مفارقة في الحرب: على الأرض قد يتمتع المدافع ببعض الأفضلية، لكن في الحرب الجوية يمكن أن يميل ميزان الكلفة لصالح المهاجم.
ولهذا تستطيع أوروبا مساعدة أوكرانيا على تقليل حجم الضربات الروسية، لكنها لا تملك في الوقت الراهن وسيلة قادرة على إيقافها بالكامل.

كوشنر وويتكوف تحت النار
وفي الشأن السياسي، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب هاتفياً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في وقت يكثف فيه البيت الأبيض جهوده للتوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في أوكرانيا.
وقال يوري أوشاكوف، مستشار بوتين للشؤون الخارجية، الثلاثاء، إن المحادثة بين الرئيسين استمرت نحو ساعة، ووصفها بأنها «بناءة وصريحة إلى حد كبير».
وبحسب أوشاكوف، ناقش بوتين وترامب تطورات الحرب في أوكرانيا، إلى جانب خطط روسيا لمواصلة تحقيق أهدافها العسكرية على الأرض.
وقال المستشار الروسي إن بوتين قدم خلال الاتصال «تحليلاً موضوعياً ومفصلاً» لسير ما تسميه موسكو «العملية العسكرية الخاصة»، كما عرض رؤيته لاحتمالات التقدم في ساحة المعركة وتحقيق الأهداف التي حددتها روسيا لعملياتها العسكرية.
يأتي ذلك في وقت أثارت فيه تصريحات صدرت عن كوشنر وويتكوف بعد جولة تفاوضية بين موسكو وكييف جدلاً داخل الولايات المتحدة، بعدما اعتبر محلل أمني بارز أن اللغة المستخدمة تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدت متساهلة إلى حد قد يضعف موقف واشنطن التفاوضي.
وبحسب «هاف بوست»، انتقد أليكس بليتساس، محلل الأمن القومي في شبكة سي إن إن والباحث البارز في «المجلس الأطلسي»، حديث كوشنر عن إمكانية التوصل إلى تسوية «يربح فيها الطرفان»، وكذلك قوله إن لبوتين «أهدافاً» و«تطلعات» قد تتحقق بعد انتهاء الحرب. ووصف بليتساس هذه اللغة بأنها «محرجة للولايات المتحدة»، معتبراً أن التعامل مع تطلعات الرئيس الروسي بهذه الصيغة يتجاهل حجم الحرب والاتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة في أوكرانيا.
ولم يعترض بليتساس على مبدأ التفاوض نفسه، بل أقر بأن أي اتفاق سلام قد يتضمن ترتيبات إقليمية أو حتى تبادلاً في الأراضي، لكنه شدد على أن اللغة المستخدمة في التفاوض ليست تفصيلاً ثانوياً. فبرأيه، هناك فرق بين البحث عن تسوية واقعية وبين تقديم مطالب بوتين باعتبارها «تطلعات مشروعة» ينبغي تلبيتها.
الجدل اتسع أيضاً بسبب تصريحات ويتكوف خلال لقائه بوتين في الكرملين، حين تحدث عن «القصص الرائعة» والذكريات التي سيحملها المشاركون في المفاوضات معهم مستقبلاً. بليتساس رأى أن هذا النوع من الود الشخصي غير مناسب في ظل استمرار القتال وسقوط الضحايا.
هل هي دبلوماسية أم تنازل؟
في المقابل، يمكن قراءة لغة كوشنر وويتكوف من زاوية مختلفة: فالمفاوضات مع خصم في حرب طويلة تتطلب عادة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستخدام لغة لا تغلق الباب أمام التسوية.
وهنا يقع جوهر الخلاف داخل النقاش الأميركي: هل يحاول المبعوثان استخدام لغة مرنة لتسهيل التوصل إلى اتفاق، أم أن هذه المرونة قد تُفهم في موسكو على أنها استعداد أميركي للقبول بجزء كبير من شروط بوتين؟
بالنسبة إلى بليتساس، الإجابة تميل إلى الاحتمال الثاني. فهو يرى أن عودة الضربات الروسية سريعاً بعد انتهاء الزيارة تشير إلى أن الكرملين لم يفسر التحرك الأميركي باعتباره ضغطاً، بل ربما باعتباره مؤشراً على ضعف أو استعجال واشنطن للوصول إلى اتفاق.
وهكذا، لا يدور الجدل فقط حول شكل التسوية المحتملة في أوكرانيا، بل حول سؤال أوسع: إلى أي حد يمكن للولايات المتحدة أن تبدي مرونة مع موسكو من دون أن تتحول هذه المرونة إلى ورقة قوة إضافية بيد بوتين؟









