كيف يتحرك الماء في نهر؟ وكيف يتصرف الهواء في الغلاف الجوي؟ تبدو أسئلة بسيطة، لكن المعادلات التي تصف حركة السوائل والغازات تخفي وراءها واحدة من أعقد المسائل التي حيّرت علماء الرياضيات لعقود.
المفارقة أن شركة “أوبن إيه آي” تقول الآن إن نموذجاً جديداً للذكاء الاصطناعي، لم يُطرح للجمهور بعد، توصل إلى برهان لمسألة “وجود وانتظام نافييه-ستوكس”، إحدى “مسائل الألفية” السبع الكبرى. وفي الوقت نفسه، تتصاعد من داخل الشركة نفسها ومن مختبرات منافسة أصوات تحذر من أن سباق تطوير الذكاء الاصطناعي بات أسرع من قدرة البشر على ضمان السيطرة عليه.
فهل نحن أمام لحظة تكشف القوة العلمية الهائلة للذكاء الاصطناعي، أم أمام إنذار جديد بشأن السرعة التي تتطور بها هذه التقنية؟
لغز الماء والهواء الذي استعصى على العلماء
بحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، أعلنت “أوبن إيه آي” أن تقنيتها الجديدة توصلت إلى حل لمسألة “نافييه-ستوكس”، وهي واحدة من سبع مسائل اختارها معهد كلاي للرياضيات عام 2000 باعتبارها من أكبر التحديات المفتوحة في الرياضيات، وخصص مليون دولار لمن يقدم حلاً مقبولاً لكل منها.
وتصف معادلات نافييه-ستوكس كيفية حركة السوائل والغازات، وتدخل المبادئ التي تقوم عليها في دراسة تدفق المياه والتيارات البحرية والطقس والمناخ وحركة الموائع.
لكن المشكلة التي حيّرت علماء الرياضيات ليست في استخدام المعادلات، بل في معرفة ما إذا كانت حلولها تظل دائماً منتظمة، أم يمكن أن تصل في ظروف معينة إلى ما يسمى “التفرد الرياضي”، حيث تتجه بعض القيم نظرياً إلى ما لا نهاية.
وبصيغة أبسط: إذا وضعنا سائلاً في حركة، فهل يمكن للمعادلات التي تصف تدفقه أن تصل إلى حالة متطرفة تصبح فيها بعض القيم غير محدودة؟
عالم الرياضيات تيرينس تاو، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، شرح الفكرة بتساؤل: هل يمكن البدء بحالة معينة لسائل، ثم تتطور حركته إلى درجة تظهر فيها، وفق النموذج الرياضي، سرعات غير محدودة؟
ولا يعني ذلك أن كوب ماء قد “ينفجر” فجأة في الواقع، وإنما يتعلق بما تسمح به المعادلات نظرياً في ظروف رياضية محددة.
وتقول “أوبن إيه آي” إن برهانها يشير إلى إمكانية ظهور مثل هذا السلوك رياضياً. لكن البرهان يحتاج إلى التدقيق المستقل والاعتراف به من المجتمع الرياضي قبل التعامل مع المسألة باعتبارها حُسمت نهائياً.
وإذا ثبتت صحته، فستكون أهمية الإنجاز مضاعفة: حل واحدة من أشهر المسائل الرياضية المفتوحة، وإظهار قدرة الذكاء الاصطناعي على المساهمة في إنتاج معرفة رياضية جديدة وليس مجرد معالجة معلومات معروفة.

لكن من وصل إلى الحل أولاً؟
الإنجاز سرعان ما تحول إلى جدل بشأن السبق والفضل العلمي.
فبحسب موقع “تك كرانش”، كان أستاذ الرياضيات في جامعة نيويورك تريستان باكماستر وعالم الرياضيات ليفنت ألبوغه يعملان على المسألة نفسها، مستخدمين أدوات للذكاء الاصطناعي، بينها “كوديكس” التابع لـ”أوبن إيه آي”.
وقال باكماستر إن معلومات عن تقدم بحثهما وصلت إلى الشركة قبل إعلان نتائجهما، وإن “أوبن إيه آي” كثفت بعدها العمل على المسألة.
وبحسب “تك كرانش”، استخدمت الشركة خلال نحو أسبوع موارد حاسوبية ضخمة، وأنتجت نحو 300 مليار رمز نصي، وهي كمية قد تعادل كلفتها نحو 22.5 مليون دولار وفق الأسعار التجارية التي استخدمها الموقع للمقارنة.
ويرى باكماستر أن التوقيت يستحق التدقيق، خصوصاً أن المسار الرياضي الذي اختاره مع ألبوغه لم يكن، بحسب قوله، من الاتجاهات الشائعة لحل المسألة.
كما زعم أن الباحث في “أوبن إيه آي” سيباستيان بوبيك طلب منه، في إطار محاولة للتوصل إلى تسوية للخلاف، إزالة اسم ألبوغه من الفضل العلمي، واتهمه باستخدام عبارات اعتبرها تهديداً لمسيرته المهنية عندما أراد كشف القضية.
وتبقى هذه اتهامات قدمها باكماستر وليست حقائق أثبتها تحقيق مستقل.
ماذا تقول “أوبن إيه آي”؟
تنفي الشركة أن يكون فريقها قد اطلع على العمل غير المنشور للباحثين أو استخدم بيانات مستخدم محدد للوصول إلى البرهان.
وقالت إن باحثيها ووكلاء الذكاء الاصطناعي لم يروا عمل باكماستر وألبوغه قبل نشره علناً، وإنه لم يتم الوصول إلى بيانات مستخدم بعينه لحل المسألة.
لكنها أقرت بأنها لا تستطيع استبعاد احتمال أن تكون بيانات مجهولة الهوية، ناتجة عن استخدام منتجاتها، قد ساهمت بصورة عامة في تحسين نماذجها.
كما تقول إن البراهين التي توصل إليها نموذجها تختلف بصورة جوهرية عن نتائج الباحثين الآخرين في جوانب رياضية مهمة.
وبذلك يفتح الخلاف سؤالاً يتجاوز هذه القضية: كيف سيُحدد السبق والفضل العلمي عندما يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً أساسياً للباحث، بينما تملك الشركات المطورة للنماذج موارد حاسوبية هائلة؟
من الإنجاز إلى الخوف من سرعة السباق
في الوقت الذي تعرض فيه “أوبن إيه آي” قدرات علمية متقدمة لنماذجها، ينقل موقع “أكسيوس” تحذيرات متزايدة من داخل صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها.
وقال كبير العلماء في “أوبن إيه آي” ياكوب باخوكي إن “الاندفاع إلى الأمام بأي ثمن” يصبح غير منطقي عند إدراك حجم المخاطر.
ويرى باخوكي أن مختبرات الذكاء الاصطناعي لم تحل حتى الآن بصورة كافية مشكلة مواءمة الأنظمة مع الأهداف البشرية ومراقبة سلوكها، بما يسمح بمواصلة رفع قدراتها بأقصى سرعة لفترة طويلة بطريقة مسؤولة.
ويزداد القلق مع الحديث عن الاقتراب من الذكاء الاصطناعي العام، أي أنظمة تستطيع، وفق تعريف “أوبن إيه آي”، التفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية.
كما أعلنت الشركة تطوير ما وصفته بـ**”متدرب بحث آلي”** يستطيع مساعدة العلماء في أبحاثهم، لكن ذلك يثير سؤالاً أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي بالمساعدة في تطوير أجيال أكثر قوة من الذكاء الاصطناعي نفسه؟
باحث يغادر “أنثروبيك”
المخاوف لا تقتصر على “أوبن إيه آي”.
فقد أعلن الباحث جاكوب كوكسون مغادرة شركة “أنثروبيك”، قائلاً إنه لا يريد المشاركة فيما يراه سباقاً مع “أوبن إيه آي” نحو أنظمة قد يصبح التحكم فيها بالغ الصعوبة.
وذهب زميله إيفان هوبينغر، الذي يقود أبحاث المواءمة في “أنثروبيك”، إلى تقدير احتمال يتجاوز 10% بأن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى كارثة تهدد البشرية خلال العقد المقبل.
وهذه، بطبيعة الحال، تقديرات شخصية بشأن خطر مستقبلي غير مؤكد وليست توقعات علمية محسومة.
أما دين بول، رئيس قسم المستقبل الاستراتيجي في “أوبن إيه آي”، فطرح سيناريو لوكلاء ذكاء اصطناعي أكثر استقلالاً يستطيعون كسب المال وشراء قدرات حاسوبية والانتشار عبر الشبكات، محذراً من أن فقدان السيطرة يظل احتمالاً ينبغي الاستعداد له.
لماذا لا يتوقف السباق إذن؟
هنا تظهر المعضلة الكبرى.
فإذا كان بعض صانعي أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي يحذرون من السرعة، فلماذا لا تتباطأ الشركات ببساطة؟
الإجابة ليست تجارية فقط، بل جيوسياسية أيضاً.
فبحسب “أكسيوس”، تتحفظ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على فرض قيود واسعة قد تبطئ الصناعة. ولخص وزير الخزانة سكوت بيسنت الموقف بالقول إن الولايات المتحدة لا تستطيع التوقف لأن الصين لن تتوقف، وإن تفوق بكين في الذكاء الاصطناعي قد تكون له تداعيات استراتيجية بعيدة المدى.
وهكذا يجد العالم نفسه أمام مفارقة غير مسبوقة: الشركات تتسابق لبناء أنظمة أكثر قوة، وبعض العلماء الذين يقفون في قلب هذا السباق يحذرون من أن وسائل مراقبتها والسيطرة عليها قد لا تتطور بالسرعة نفسها.
ويجسد لغز “نافييه-ستوكس” هذه المفارقة بوضوح. فالذكاء الاصطناعي قد يكون على وشك إثبات قدرته على حل مسألة استعصت على علماء الرياضيات لعقود، لكن الإنجاز نفسه يعيد طرح سؤال أكبر:
إذا كانت قدرات هذه الأنظمة تتقدم بهذه السرعة، فهل يستطيع البشر تطوير قواعد السلامة والسيطرة بالسرعة ذاتها؟









