أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
أخبار

بعد السيطرة على ميون.. هل يستطيع الحوثيون خنق باب المندب؟

بعد السيطرة على ميون.. هل يستطيع الحوثيون خنق باب المندب؟

لم يعد التصعيد في اليمن محصوراً في جبهاته الداخلية. فخلال أيام قليلة، حقق الحوثيون تقدماً سريعاً على الساحل الغربي، سيطروا خلاله على ميناء المخا ثم وصلوا إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، الواقعة في قلب مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

هذا التحول الميداني يكتسب خطورته من توقيته: مضيق هرمز يعاني بالفعل من اضطرابات حادة بسبب الحرب الأميركية-الإيرانية، فيما أصبحت السعودية تعتمد بصورة أكبر على البحر الأحمر لتصدير النفط. وبينما ردت الرياض بغارات جوية، توسع واشنطن دعمها الاستخباراتي وتحديد الأهداف للقوات السعودية، لكنها تتجنب حتى الآن الدخول المباشر في حرب جديدة ضد الحوثيين.

 

الحوثيون يصلون إلى باب المندب

وفي أحدث التطورات الميدانية، قالت أربعة مصادر في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لرويترز إن الحوثيين وصلوا، الجمعة 11 سبتمبر/أيلول، إلى جزيرة بريم أو ميون في مضيق باب المندب، بعد انسحاب القوات الحكومية منها.

وكانت مصادر حكومية قد أفادت قبل ذلك بأن الحوثيين سيطروا أيضاً على بلدة ذو باب الساحلية المواجهة للجزيرة.

وأكدت وكالة أسوشيتد برس سيطرة الحوثيين على الجزيرة نقلاً عن مسؤول عسكري رفيع في الحكومة اليمنية ومسؤول حوثي، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتيهما. وتقع ميون على بعد نحو 3.5 كيلومترات من الساحل الغربي لليمن، وهي جزيرة بركانية صغيرة وقاحلة إلى حد كبير، لكن موقعها يمنحها قيمة استراتيجية تفوق مساحتها بكثير.

أما وكالة الصحافة الفرنسية فنقلت عن مسؤول محلي قوله إن قوارب تقل مقاتلين حوثيين وصلت إلى الجزيرة بعد انسحاب القوات الحكومية، وإن الحوثيين أصبحوا ينتشرون على الساحل المطل على المضيق.

وتمنح السيطرة على أراضٍ وجزيرة في الجانب اليمني من المضيق الحوثيين قدرة أكبر على مراقبة الملاحة وتهديدها، لكنها لا تعني تلقائياً أنهم أغلقوا الممر أو أنهم يسيطرون عسكرياً على كل مياهه.

لماذا ميون مهمة إلى هذه الدرجة؟

تكمن أهمية الجزيرة في أنها تقع داخل باب المندب نفسه، الذي يفصل اليمن عن جيبوتي وإريتريا ويربط خليج عدن والبحر العربي بالبحر الأحمر، ثم قناة السويس والبحر المتوسط.

ويشكل المضيق أحد أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية، إذ تمر عبره السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا من دون الاضطرار إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح.

وتقول رويترز إن نحو 7% من إنتاج النفط العالمي يمر عبر باب المندب، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن نحو 12% من تجارة السلع العالمية تعبر هذا الطريق البحري.

وأصبح الممر أكثر أهمية في الأشهر الأخيرة بسبب اضطرابات مضيق هرمز. فمع انخفاض حركة الملاحة هناك بصورة حادة، اتجه جزء أكبر من صادرات الطاقة الخليجية، خصوصاً السعودية، نحو البحر الأحمر.

ولهذا فإن اضطراب الممرين في الوقت نفسه يخلق مشكلة مختلفة تماماً للأسواق: هرمز عند مدخل الخليج، وباب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

المخا أولاً.. ثم الجزيرة

جاء الوصول إلى ميون بعد استيلاء الحوثيين على مدينة وميناء المخا على البحر الأحمر، في أكبر مكسب إقليمي لهم منذ سنوات.

المخا لا تقع داخل باب المندب، لكنها قريبة منه وتطل على الطرق التي تستخدمها ناقلات النفط والسفن التجارية المتجهة شمالاً نحو قناة السويس.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، أدى التقدم إلى نقل الحوثيين خلال فترة وجيزة من مواقع أبعد على الساحل الغربي إلى منطقة تستطيع قواتهم منها ممارسة ضغط أكبر على واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم.

ورأت مصادر حكومية يمنية أن سرعة التقدم ارتبطت أيضاً بضعف التنسيق بين القوات الحكومية والتشكيلات المتحالفة معها.

ونقلت أسوشيتدبرس عن مسؤول عسكري حكومي قوله إن القوات فوجئت بعدم تدخل سلاح الجو السعودي بصورة مبكرة لإيقاف التقدم نحو المخا، مرجحاً أن الرياض كانت حذرة من إطلاق حملة جوية كبيرة من دون تنسيق أميركي.

السعودية ترد من الجو

بعد سيطرة الحوثيين على المخا، أفادت وسائل إعلام تابعة للجماعة بأن الطيران السعودي شن غارات على مطار المدينة.

ووفق أسوشيتدبرس، لم ترد في البداية تقارير مؤكدة عن خسائر بشرية ناجمة عن تلك الضربات. كما لم يصدر تعليق سعودي فوري بشأن سيطرة الحوثيين على ميون.

ويأتي ذلك بعد أيام من هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة شنها الحوثيون على مدن ومنشآت سعودية، وأصابت، بحسب السلطات، منشآت نفطية واقتصادية وتسببت في عشرات الإصابات. وقال الحوثيون إن تلك الهجمات جاءت رداً على العمليات السعودية في اليمن.

ومن جهتها تقول الرياض إن من حقها الدفاع عن أراضيها وممرات الملاحة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنها طرحت في السابق فرصاً للتفاوض.

الحوثيون: “لا داعي للقلق الدولي”

في المقابل حاول الحوثيون التقليل من المخاوف من تأثير سيطرتهم على الجزيرة في الملاحة الدولية.

وقال حزام الأسد، عضو المكتب السياسي للجماعة، لوكالة أسوشيتد برس إنه “لا حاجة إلى قلق دولي”، مؤكداً أن تحركات الحوثيين تأتي رداً على الهجمات السعودية.

لكنه أضاف أن الجماعة تملك “بنكاً من الأهداف الكبيرة والمهمة” في حال استمرار الضربات السعودية.

إيران بدورها دعت إلى إنهاء ما وصفته بالحصار السعودي لليمن، وطالبت بالعودة إلى المفاوضات بين الرياض والحوثيين.

وهذه المواقف تعكس روايتين متعارضتين: الحوثيون وطهران يقولون إن التصعيد رد على الإجراءات السعودية، بينما ترى الرياض والحكومة اليمنية أن الحوثيين وسّعوا الحرب وهددوا أمن المملكة والملاحة الدولية.

هل أصبح باب المندب جزءاً من حرب إيران وأميركا؟

هنا تتجاوز القصة حدود اليمن.

ترى مصادر ومسؤولون غربيون وإقليميون تحدثوا إلى رويترز أن المكاسب الحوثية يمكن أن تخدم إيران في صراعها مع الولايات المتحدة، لأنها تضيف ضغطاً على ممر بحري آخر في الوقت الذي يشهد فيه مضيق هرمز اضطراباً شديداً.

وقالت رويترز، نقلاً عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية، إن أسلحة ومشورة إيرانية كان لها دور في التقدم الحوثي، وإن ضباطاً من الحرس الثوري قدموا دعماً للجماعة. إيران تنفي في المقابل أنها تدير العمليات العسكرية للحوثيين مباشرة.

أما شبكة سي إن إن فنقلت عن مسؤول أميركي اعتقاد واشنطن بوجود مئات من عناصر الحرس الثوري الإيراني في اليمن يعملون إلى جانب الحوثيين، معتبراً أن أحد الأهداف المحتملة هو القدرة على إغلاق باب المندب.

وزاد البعد الإيراني وضوحاً عندما قال متحدث باسم الحرس الثوري، وفق أسوشيتد برس، إن أي تسوية تفاوضية مستقبلية مع الولايات المتحدة ينبغي أن تشمل اليمن.

واشنطن تساعد السعودية.. ولكن أين تقف الحدود؟

تكشف “سي إن إن” أن الولايات المتحدة رفعت مستوى مساعدتها العسكرية للسعودية في الأسابيع الأخيرة.

وبحسب خمسة مصادر تحدثت للشبكة، يوجد أكثر من 100 مستشار عسكري أميركي في المملكة يقدمون دعماً استخباراتياً ومساعدة في تحديد الأهداف، بينما قدر مسؤول أميركي العدد الإجمالي للعسكريين المشاركين في هذه المهمة بنحو 200.

وقالت المصادر إن واشنطن تساعد السعوديين على استخدام أدوات توفر صورة آنية لساحة المعركة، وتقدم دعماً في مجال تحديد الأهداف “الجغرافي المكاني”.

لكن هناك حدوداً واضحة حتى الآن: القوات الأميركية لا تشارك مباشرة في الغارات، ولا تزود الطائرات السعودية بالوقود، ولا تقدم بعض أنواع الدعم العملياتي الذي قدمته خلال مراحل سابقة من حرب اليمن.

ويقول مسؤولون أميركيون إن الهدف هو تحسين دقة العمليات السعودية وليس الدخول في الحرب بأنفسهم.

ترامب لا يريد جبهة أميركية جديدة

ويتضح الحذر الأميركي أكثر من تقرير نشره “أكسيوس” ونقلته رويترز، يقول إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طلب من الرئيس دونالد ترامب خلال اتصالين أن تشن الولايات المتحدة ضربات على الحوثيين.

ووفق التقرير، رفض ترامب الطلب.

وقال مسؤولون أميركيون إن الإدارة ليست لديها حالياً خطط للدخول مباشرة في حرب مع الحوثيين، وإن الأولوية العسكرية تبقى مواجهة إيران وتأمين الملاحة عبر مضيق هرمز.

وهذا يفسر المفارقة الحالية: واشنطن تزيد المساعدة الاستخباراتية للسعودية، لكنها تحاول في الوقت نفسه تجنب تحول تلك المساعدة إلى حملة أميركية جديدة داخل اليمن.

أحد مصادر سي إن إن لخص الفارق بقوله: “هذه ليست الأيام القديمة”.

ذاكرة الحرب السابقة تقلق واشنطن

هذا الحذر مرتبط أيضاً بتجربة السنوات الأولى للحرب اليمنية.

فقد قدمت الولايات المتحدة للسعودية في السابق دعماً في التزود بالوقود والمعلومات وتحديد الأهداف، لكن تلك العلاقة تعرضت لانتقادات واسعة بعد سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في الغارات.

وتقول سي إن إن إن هناك الآن حساسية شديدة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية من أن تصبح واشنطن مرتبطة مجدداً بضربة سعودية قد تؤدي إلى خسائر مدنية.

كما أن الجيش الأميركي مستنزف بالفعل بعد أشهر من الحرب مع إيران، وينشر قوات وذخائر لحماية السفن وتنفيذ العمليات حول هرمز، ما يجعل فتح جبهة إضافية قراراً أكثر تعقيداً.

ماذا يعني ذلك لسوق النفط؟

السوق بدأت بالفعل تسعّر الخطر.

ارتفع خام برنت مجدداً فوق مستوى 100 دولار للبرميل خلال التصعيد، وسجل النفط مكاسب أسبوعية تجاوزت 7% وسط المخاوف من اضطراب طرق الإمداد في الشرق الأوسط.

وتنبع المشكلة من أن السعودية اعتمدت بصورة متزايدة على موانئ البحر الأحمر لتقليل تعرض صادراتها لمخاطر هرمز.

لكن إذا أصبح باب المندب نفسه مهدداً، فإن الميزة الاستراتيجية لذلك البديل تتراجع.

وقد كانت هجمات الحوثيين على السفن منذ أواخر 2023 قد أدت بالفعل إلى انخفاض حركة الملاحة عبر باب المندب بنحو 60% في إحدى المراحل، مع اضطرار شركات كبرى إلى إرسال سفنها حول أفريقيا، وهو مسار أطول وأكثر تكلفة.

واللافت أن حركة هرمز نفسها شهدت تراجعاً حاداً؛ فقد قالت رويترز إن عدد السفن التي عبرت المضيق في 10 سبتمبر هبط إلى سبع فقط، مقارنة بمتوسط يقارب 125 سفينة يومياً قبل الحرب.

أي أن الأسواق تواجه للمرة الأولى تقريباً سيناريو اضطراب متزامن في اثنتين من أهم بوابات الطاقة البحرية في المنطقة.

اليمن نفسه يدفع الثمن

لكن وراء حسابات النفط وإيران والسعودية والولايات المتحدة أزمة يمنية أكثر مباشرة.

تقول الأمم المتحدة إن التصعيد الجديد يهدد الهدوء الهش الذي ساد منذ هدنة 2022، ويخاطر بإعادة البلاد إلى حرب أهلية واسعة.

وأفادت أسوشيتد برس أن أكثر من 46 ألف شخص نزحوا مع موجة القتال الأخيرة، وبينهم أعداد كبيرة غادرت المخا حاملين ما استطاعوا من ممتلكاتهم.

واليمن دخل الحرب أصلاً في 2014 عندما سيطر الحوثيون على صنعاء وأجزاء واسعة من الشمال والوسط، قبل أن تتدخل السعودية وحلفاؤها في العام التالي دعماً للحكومة المعترف بها دولياً.

وتسببت الحرب في مقتل أعداد هائلة من اليمنيين وفي واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ولهذا حذر مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن من أن التصعيد يمكن أن يقود البلاد إلى “حافة صراع أكثر خطورة”، ودعا إلى تحرك دولي لاحتوائه.

باب المندب.. مكسب عسكري أم ورقة ضغط؟

الأهمية الحقيقية لتقدم الحوثيين قد لا تكمن في محاولة إغلاق المضيق بالكامل، وهي عملية عسكرية ولوجستية شديدة التعقيد، بقدر ما تكمن في امتلاك قدرة أكبر على تهديد السفن ورفع تكلفة المرور وفرض عنصر جديد في أي تفاوض إقليمي.

فالجزيرة صغيرة، لكن الجغرافيا تجعلها ثقيلة الوزن.

وإذا استمر الحوثيون في الاحتفاظ بميون والمخا والمناطق المقابلة للمضيق، بينما تبقى هرمز تحت ضغط الحرب الأميركية-الإيرانية، فإن الشرق الأوسط سيواجه وضعاً نادراً: أزمتان متزامنتان عند بوابتين بحريتين تتحكمان بجزء مهم من تدفقات النفط والتجارة بين آسيا وأوروبا.

وهنا يتحول السؤال من “من يسيطر على جزيرة ميون؟” إلى سؤال أكبر بكثير: هل أصبح باب المندب الجبهة الثانية في حرب تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر؟

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.