أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

شرق أوسط ما بعد الحرب.. إيران تتمدد والنفوذ الأميركي ينحسر

شرق أوسط ما بعد الحرب.. إيران تتمدد والنفوذ الأميركي ينحسر

انطلقت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، بحسب قراءة تحليلية نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أمس الاثنين، بهدف إضعاف طهران وإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط. لكن النتائج الأولية، وفق الأكاديمي والمحلل السياسي الأميركي من أصول إيرانية ولي نصر، اتخذت مساراً معاكساً: فقد كشفت الحرب حدود القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية، ومنحت إيران أوراق ضغط جديدة، أبرزها تقليص الوجود العسكري الأميركي في الخليج وإحكام السيطرة على مضيق هرمز.

ولا يجزم نصر بأن إيران حسمت المواجهة أو أصبحت القوة المهيمنة على المنطقة، بل يرى أن النظام الأمني القديم القائم على احتوائها بدأ يتفكك، فاتحاً الباب أمام شرق أوسط أكثر تعددية، لكنه أيضاً أكثر اضطراباً وتنافساً.

أهداف الحرب ونتائجها المعاكسة

يقول نصر إن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا الحرب في فبراير/شباط 2026 وهما تتوقعان أن تؤدي الضربات إلى إسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل إضعاف قدراته النووية والعسكرية بصورة كبيرة.

وكان التصور، بحسب الكاتب، يقوم على أن تحييد إيران سيتيح لواشنطن وتل أبيب بناء نظام إقليمي جديد، تتقدم فيه العلاقات السعودية–الإسرائيلية، وتضطلع إسرائيل بدور القوة الأمنية الرئيسية، بالتوازي مع إعادة ترتيب ملفات فلسطين ولبنان وسوريا.

لكن الحرب، في تقدير نصر، لم تحقق هذه الأهداف. فقد كانت إيران مستعدة للمواجهة، واعتمدت استراتيجية تصعيدية حالت دون تمكين خصومها الأكثر تقدماً عسكرياً من فرض نتائج حاسمة عليها.

ويرى الكاتب أن طهران خرجت من المرحلة الأولى للحرب بمكسبين استراتيجيين: إضعاف البنية العسكرية الأميركية في الخليج، وفرض سيطرة عملية على مضيق هرمز.

تراجع شبكة القواعد الأميركية

ردّت إيران على الهجمات الأميركية والإسرائيلية بضرب قواعد ومنشآت عسكرية أميركية منتشرة في دول الخليج، مستخدمة الصواريخ والطائرات المسيّرة من طراز «شاهد». ووفق القراءة، تعرض أكثر من 12 موقعاً عسكرياً لأضرار شملت طائرات ورادارات ومدارج ومنشآت بحرية.

وكان استهداف مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين من أبرز الضربات، لأنه عقد العمليات اللوجستية للأسطول المكلف لاحقاً بالمشاركة في الحصار البحري المفروض على إيران. كما أدى تدمير عدد من أنظمة الرادار إلى تقليص المعلومات الميدانية المستخدمة في توجيه الغارات الأميركية والإسرائيلية.

وامتدت الهجمات بعد ذلك إلى قواعد تابعة لدول عربية استضافت أصولاً عسكرية أميركية أو شاركت في العمليات، قبل أن تشمل منشآت للطاقة وناقلات نفط وغاز.

ومن أبرز تلك الهجمات استهداف منشأة رأس لفان القطرية للغاز، رداً على ضربة إسرائيلية لحقل بارس الإيراني، إضافة إلى ضرب منشآت نفطية في ميناء الفجيرة الإماراتي وناقلات مرتبطة بدول الخليج.

وبحلول الشهر الخامس من الحرب، يقول نصر إن إيران نجحت عملياً في دفع جزء كبير من الأصول والعمليات الأميركية بعيداً عن الخليج، نحو قواعد في إسرائيل والأردن وسوريا. وساعد على ذلك استمرار خطر الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وتراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية الأميركية.

القواعد الأميركية: حماية أم مصدر خطر؟

أثارت الهجمات الإيرانية غضب دول الخليج، لكن الكاتب يرى أن هذه الدول لم تكن قادرة على تهديد إيران برد عسكري ذي صدقية، كما أن مشاركتها المباشرة في الحرب كانت ستعرّضها لضربات أشد.

وفي الوقت نفسه، يؤكد نصر أن إيران لم تكن تسعى إلى حرب شاملة مع جيرانها الخليجيين، بل كانت تريد تدمير البنية العسكرية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في عملياتها ضدها، وإقناع الدول المضيفة بأن وجود القواعد الأميركية قد يجلب الحرب بدلاً من توفير الحماية.

وبذلك تحولت القواعد، في نظر بعض دول المنطقة، من مظلة أمنية إلى مصدر محتمل للخطر والاضطراب الاقتصادي واستهداف البنية التحتية.

ويرى الكاتب أن مستقبل الوجود العسكري الأميركي في الخليج لا يزال غير محسوم، لكن إيران حققت مكسباً مهماً بتقليص نطاقه وإثارة الشكوك بشأن جدوى إعادة بناء القواعد المتضررة.
إنفوجرافيك يوضح معادلة الصراع بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز وتداعياتها على الملاحة والاقتصاد العالمي.

هرمز يتحول إلى ورقة استراتيجية

أما المكسب الإيراني الثاني، وفق القراءة، فتمثل في السيطرة على مضيق هرمز.

في بداية الحرب، تعاملت طهران مع إغلاق المضيق باعتباره وسيلة عسكرية للضغط على الولايات المتحدة ووقف تصعيد غاراتها. لكنها سرعان ما أدركت أن السيطرة على هذا الممر الحيوي تمنحها نفوذاً يتجاوز الحرب نفسها.

ويرى نصر أن البرنامج النووي الإيراني لم ينجح سابقاً في إجبار واشنطن على رفع العقوبات، بينما أتاحت السيطرة على هرمز لطهران التأثير مباشرة في الاقتصاد العالمي وإجبار الولايات المتحدة على التفاوض.

فالولايات المتحدة، وفق تعبير الكاتب، لم تستطع انتزاع المضيق من إيران بالقوة، ولا قصفه باعتباره ممراً مائياً، ولا إخضاعه للعقوبات. وبذلك أصبح من الصعب العودة إلى نموذج احتواء إيران الذي طبع السياسة الأميركية منذ عهدي الرئيسين الأميركيين جيمي كارتر ورونالد ريغان.

حين أصبحت قوة الخليج الاقتصادية نقطة ضعف

اختارت الولايات المتحدة وإسرائيل الأجواء الإيرانية ساحة رئيسية للحرب، بينما اختارت إيران منطقة الخليج والاقتصاد العالمي ساحة للضغط المضاد.

وأدى إغلاق هرمز واستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والديزل ووقود الطائرات. وانعكست الأزمة على التضخم وأسعار الوقود والبطالة في دول عديدة.

ولم تقتصر التداعيات على الطاقة؛ إذ تعطلت إمدادات سلع ومواد صناعية وبتروكيماوية، من بينها الهيليوم واليوريا والألمنيوم وزيوت الطهي. كما أدى تعثر الوصول إلى موانئ دبي الكبرى إلى اضطراب قطاعات صناعية في آسيا، وإثارة مخاوف تتعلق بالأمن الغذائي في أفريقيا.

وبذلك، تحولت شبكة الاتصال التجاري الواسعة التي بنتها دول الخليج على مدى عقود، وكانت تعدها أحد أبرز إنجازاتها الاقتصادية، إلى نقطة ضعف يمكن أن تنقل آثار الحرب إلى مناطق بعيدة من العالم.

ويعتقد الكاتب أن مخاوف واشنطن من التضخم وارتفاع أسعار الوقود والركود العالمي أسهمت في دفع الرئيس دونالد ترامب إلى توقيع مذكرة تفاهم مع إيران في يونيو/حزيران 2026.

هل تنجح طرق التصدير البديلة؟

تمكنت السعودية والإمارات من مواصلة تصدير جزء من نفطهما عبر موانئ مطلة على البحر الأحمر وبحر العرب، ويمكن توسيع هذه المسارات مستقبلاً لتخدم قطر والكويت والعراق أيضاً.

لكن إنشاء خطوط ومنشآت إضافية يحتاج إلى وقت، كما ترى طهران أن هذه الطرق لن تعوض بالكامل حركة التجارة عبر هرمز، ولا سيما تجارة السلع غير النفطية.

وفوق ذلك، تبقى المنشآت الواقعة على البحر الأحمر وبحر العرب عرضة للصواريخ والمسيّرات الإيرانية أو لهجمات جماعات حليفة لطهران، وفي مقدمتها الحوثيون. ولذلك يعتقد نصر أن نفوذ إيران لا يتوقف عند هرمز، بل يمتد إلى قدرتها على الضغط على ممرات بحرية أخرى، أبرزها باب المندب.

معضلة أمنية عربية مزدوجة

تبقى إسرائيل، بحسب الكاتب، مصدر القلق الأكبر لإيران. ومن المتوقع أن يستمر التنافس الحاد بينهما، مع سعي طهران إلى استعادة نفوذها في لبنان واستخدام موقعها في اليمن للضغط على إسرائيل، مقابل محاولات إسرائيل إضعاف النظام الإيراني في الداخل وتقليص نفوذه الإقليمي.

ومع ذلك، تعتقد طهران أن الحرب أضعفت إسرائيل وكشفت حدود قدرتها على تحقيق أهداف سياسية شاملة بالقوة العسكرية. كما يرى نصر أن النتائج المضطربة للحرب ألحقت ضرراً بالتوافق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، وربما فتحت فجوة بينهما بشأن مستقبل المنطقة.

وتراهن إيران على أن سيطرتها على هرمز ستقلل استعداد الولايات المتحدة لخوض حرب جديدة، وهو ما قد يحد بدوره من الخيارات العسكرية الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن اتفاقات أبراهام لن تتوسع بسهولة، وقد تتعرض لضغوط، في مقابل ظهور تحالفات جديدة مثل الشراكة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان، التي يصفها بـ«تحالف مكة».

وتواجه الدول العربية، وفق هذه القراءة، معضلة أمنية مزدوجة: فهي تنظر إلى تصاعد قوة إيران باعتباره تهديداً، لكنها باتت تنظر أيضاً إلى إسرائيل بوصفها مصدراً محتملاً للخطر. وهذا يعني أن النظام الإقليمي المقبل لن يُبنى على أساس احتواء إيران وحدها.

الصين وأوروبا في الفراغ الأميركي

يتوقع نصر أن يؤدي تراجع الدور الأميركي إلى توسيع حضور الصين في الشرق الأوسط اقتصادياً ودبلوماسياً وربما عسكرياً.

وقد تستخدم بكين علاقاتها مع إيران وباكستان ودول الخليج للتوسط بين التحالفات المتنافسة. كما يطرح الكاتب احتمال حصول البحرية الصينية مستقبلاً على تسهيلات أو قواعد في ميناء غوادر الباكستاني أو منشآت تشابهار الإيرانية، بما يسمح للصين بالمساهمة في حماية الملاحة بصورة قد تكون مقبولة من أطراف خليجية متعددة.

لكن هذه السيناريوهات تبقى احتمالات مستقبلية يطرحها الكاتب، وليست ترتيبات أُنجزت بالفعل.

أما أوروبا، فيرى نصر أنها قد تضطر إلى تبني سياسة أكثر استقلالاً عن واشنطن، لأن مصالحها ترتبط باستقرار إمدادات الطاقة والتجارة. وقد يدفعها ذلك إلى إعادة بناء علاقاتها مع طهران كي تتمكن من لعب دور الوسيط بينها وبين الدول العربية.

شرق أوسط متعدد الأقطاب.. وأكثر فوضى

ويخلص الكاتب إلى أن الشرق الأوسط يتجه إلى مرحلة تتراجع فيها الهيمنة الأميركية، من دون أن تحل محلها قوة واحدة قادرة على ضبط المنطقة.

وسيظهر بدلاً من ذلك نظام متعدد الأقطاب تتداخل داخله مصالح إيران وإسرائيل وتركيا والسعودية والإمارات وباكستان، إلى جانب الصين وروسيا وأوروبا.

ويرى نصر أن هذه البيئة المضطربة ستمنح إيران مجالاً أوسع للمناورة، لأن الضغوط العسكرية والاقتصادية الموحدة ضدها ستتراجع، بينما تتوزع دول المنطقة بين تحالفات متداخلة ومصالح متعارضة.

لكن هذه الخلاصة تظل قراءة تحليلية من زاوية محددة، تعتمد بدرجة كبيرة على تفسير إيران لنتائج الحرب وتقدير الكاتب لموازين القوى. وهي لا تعني أن طهران خرجت بلا خسائر أو أن سيطرتها على هرمز قابلة للاستمرار بلا تحديات، كما لا تلغي غضب دول الخليج أو إمكان إعادة بناء التحالفات والقواعد الأميركية بصيغ جديدة.

  • * ولي نصر، مستشار غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.