تناولت صحيفة “يو إس توداي” الأميركية تعامل شباب جيل زد مع نشر الصور على منصة إنستغرام، وقالت إنه لم يعد يعني بالضرورة انتظار الإعجابات والتعليقات ومراقبة عدد المشاهدات. فقد برز اتجاه جديد يُعرف باسم ” النشر الشبحي”، يقوم على نشر الصورة ثم إخفائها سريعًا في الأرشيف، قبل إعادتها بعد أيام إلى الصفحة الشخصية، بحيث تبقى جزءًا من هوية الحساب، لكن من دون أن تمر بالضرورة أمام جمهور واسع في خلاصات المتابعين.
وبحسب تقرير نشرته الصحيفة الأربعاء، تعكس الظاهرة محاولة من بعض الشباب لاستعادة قدر من السيطرة على علاقتهم بوسائل التواصل، وتقليل الضغط النفسي المرتبط بالسؤال الذي يلاحق كل منشور: كم شخصًا شاهده؟ وكم إعجابًا حصل عليه؟
ما هو «النشر الشبحي»؟
الفكرة بسيطة، وإن بدت غريبة للوهلة الأولى:
- ينشر المستخدم صورة على إنستغرام كالمعتاد.
- يقوم بأرشفتها فورًا، فتختفي من حسابه من دون حذفها نهائيًا.
- ينتظر عدة أيام، ثم يعيد الصورة من الأرشيف إلى صفحته.
- تعود الصورة إلى شبكة الصور في الملف الشخصي، لكنها لا تظهر بالضرورة في خلاصات المتابعين بالطريقة نفسها التي يظهر بها منشور جديد.
والهدف أن يحصل المستخدم على الصورة التي يريدها في الشكل النهائي لحسابه، من دون الضجة والاهتمام اللذين يصاحبان عادة نشر صورة جديدة.
خاصية قديمة بوظيفة جديدة
أطلقت إنستغرام خاصية “ الأرشفة” عام 2017، وكان الهدف الأساسي منها السماح للمستخدم بإخفاء منشور من صفحته من دون حذفه نهائيًا.
لكن بعض مستخدمي جيل Z أعادوا توظيف الخاصية بطريقة مختلفة. وانتشرت على تيك توك مقاطع تشرح كيفية استخدامها لصنع ما يسمى منشور هادئ أو منخفض الظهور، أو لإضافة صور إلى الشكل العام للحساب من دون السعي إلى تفاعل واسع.
ويصف بعض المستخدمين التجربة بأنها وسيلة «لإزالة ضغط النشر».
لماذا يفعل جيل زد ذلك؟
بحسب التقرير، القضية أعمق من مجرد حيلة تقنية في إنستغرام. فـ«النشر الشبحي» يأتي ضمن اتجاه أوسع يحاول فيه بعض الشباب الفصل بين امتلاك حضور على وسائل التواصل وبين الحاجة المستمرة إلى الحصول على انتباه الآخرين.
وتقول رايلي ماير، البالغة 19 عامًا، إنها قد ترغب في وجود صورة على شبكة حسابها، لكنها لا تعتبرها جديرة بأن تكون «منشورًا رئيسيًا» يظهر أمام جميع المتابعين.
وتشرح الفكرة بالقول إن الأسلوب يقلل الضغط، لأن الهدف يصبح تنسيق الحساب وإضافة الصورة إلى مظهره العام بدل انتظار رد فعل الجمهور.
من الحسابات الخاصة إلى المنشورات الشبحية
الظاهرة ليست منفصلة عن تحولات سابقة في استخدام إنستغرام.
فقد لجأ الشباب سابقًا إلى حساب “الفنستا” Finsta، وهي حسابات ثانوية أو خاصة تُستخدم بعيدًا عن الصورة المصقولة للحساب الرئيسي، كما يستخدم كثيرون خاصية الأصدقاء المقرّبين لنشر القصص أمام دائرة محدودة فقط.
وفي عام 2021، أتاح إنستغرام أيضًا للمستخدمين إخفاء عدد الإعجابات، في محاولة لجعل الأرقام أقل حضورًا في تجربة استخدام المنصة.
ويمكن النظر إلى «النشر الشبحي» بوصفه امتدادًا لهذه الممارسات: الوجود على المنصة من دون تحويل كل منشور إلى اختبار علني للشعبية.
هاجس «الإحراج» لدى جيل زد
يلفت تقرير صحيفة “يو إس توداي” إلى مفارقة أخرى: جيل Z يُنظر إليه عادة باعتباره جيلًا شديد الاهتمام بـ«الأصالة» وعدم التصنع، لكنه في الوقت نفسه قد يشعر بضغط كبير كي لا يبدو محرجًا أو متكلفًا أو شديد السعي لجذب الانتباه، وهي الحالة التي يعبّر عنها الشباب بكلمة “Cringe”، أي أي الظهور بصورة محرجة أو متكلّفة تثير سخرية الآخرين..
وبحسب استطلاع أجرته «ياهو/يوغوف» في أبريل/نيسان، فإن أكثر من نصف البالغين من جيل زد الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم تجنبوا التعبير عن أنفسهم على الإنترنت خشية أن يبدوا محرجين.
وتصف مورغان هيرلوك، البالغة 24 عامًا، هذه المفارقة بالقول إن هناك ضغطًا على الشباب لكي يبدوا طبيعيين وأصيلين، لكن ليس إلى درجة تجعلهم عرضة للسخرية أو الإحراج.
جيل نشأ أمام الجمهور
وتكتسب الظاهرة أهمية أكبر بالنظر إلى حجم الوقت الذي يقضيه المراهقون على المنصات الاجتماعية.
وبحسب بيانات مركز بيو للأبحاث التي يستشهد بها التقرير، يقول نحو واحد من كل خمسة مراهقين أميركيين إنهم يستخدمون تيك توك ويوتيوب «بشكل شبه مستمر»، فيما يقول نحو نصف المراهقين إنهم يدخلون إلى إنستغرام يوميًا.
ويرى عالم نفس وسائل الإعلام دون غرانت أن الأجيال التي نشأت في العصر الرقمي عاشت في بيئة أصبحت فيها ردود أفعال الآخرين على الإنترنت جزءًا من الطريقة التي يقيس بها الفرد صورته ومكانته الاجتماعية.
ماذا تكشف الظاهرة؟
لا يعني «النشر الشبحي» أن جيل Z يريد مغادرة وسائل التواصل الاجتماعي. على العكس، يريد المستخدم الاحتفاظ بصوره وتنسيق صفحته والاستمرار في استخدام إنستغرام، لكنه يحاول تقليل سلطة الإعجابات والتعليقات والأرقام على ما يقرر نشره.
ولهذا يمكن تلخيص الفكرة في معادلة بسيطة:
أريد الصورة على حسابي، لكنني لا أريد أن أجعلها حدثًا أمام الجميع.
وتقول ماير إنها باتت عادة تخفي عدد الإعجابات على منشوراتها، وقد تعيد إظهاره أحيانًا إذا حقق المنشور تفاعلًا جيدًا. لكنها تقول إن ما تحاول الوصول إليه في النهاية هو أن تنشر ما يجعلها سعيدة من دون أن يظل السؤال: «هل يحقق منشوري أداءً جيدًا؟» حاضرًا في ذهنها.
وهكذا، قد يبدو النشر الشبحي مجرد حيلة صغيرة في إعدادات إنستغرام، لكنها تعكس تحولًا أوسع: محاولة بعض أبناء الجيل الذي نشأ على الإنترنت البقاء فيه، مع الابتعاد قليلًا عن حكم الأرقام ونظرات الآخرين.






