أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
دراسات وبحوث

حين يسبق الترند الحقيقة.. ماذا يبقى للصحافة؟

حين يسبق الترند الحقيقة.. ماذا يبقى للصحافة؟

ما الذي يبقى من دور الصحافة عندما يستطيع الجميع النشر، ويصبح الوصول إلى الجمهور أسهل من أي وقت مضى؟

خلال جلسة حوارية في مهرجان «ذا أتلانتيك»، ناقش جيفري غولدبرغ، رئيس تحرير مجلة “ذا أتلانتيك”، مع أمنا نواز، المذيعة والمحررة المشاركة في برنامج «نيوز آور» على شبكة «بي بي إس» الأميركية، وجو كان، المحرر التنفيذي لصحيفة نيويورك تايمز، وضع الصحافة المستقلة في بيئة تتراجع فيها ثقة الجمهور، ويتزايد فيها حضور صناع المحتوى والمعلقين على منصات التواصل.

ويطرح النقاش سؤالًا يتجاوز المؤسسات الأميركية المشاركة فيه: ماذا يميز الصحافة عن مجرد القدرة على النشر؟

بحسب مقال نشرته “ذا أتلانتيك”، يرى غولدبرغ أن الإنترنت أحدث تحولًا مهمًا عندما أتاح لعدد أكبر من الناس التعبير عن آرائهم والوصول إلى الجمهور، بعدما ظلت المؤسسات الإعلامية التقليدية لعقود شديدة التشدد في تحديد من يُسمح له بالمشاركة في المجال العام.

لكن هذا التحول، وفق غولدبرغ، كانت له كلفة أيضًا. فمع اتساع دائرة النشر، «انخفضت المعايير»، بما في ذلك المعايير التي تحدد ما يمكن اعتباره معلومات حقيقية جرى التحقق منها.

تصويرمارك باتريك -BFA
وضع الصحافة المستقلة في بيئة تتراجع فيها ثقة الجمهور تصدرت أجندة الحوار (تصويرمارك باتريك -BFA)

وهنا تبرز المفارقة: أصبح النشر أسهل، لكن التمييز بين الصحفي وصانع المحتوى والمعلق أصبح أكثر صعوبة.

ويأتي هذا النقاش في وقت تواجه فيه الصحافة الأميركية ضغوطًا سياسية وقانونية. فخلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثانية، أقام ترامب دعوى قضائية ضد صحيفة «نيويورك تايمز» مطالبًا بتعويض قدره 15 مليار دولار. كما تلقى صحفيون في الصحيفة مذكرات استدعاء على خلفية تغطيتهم للطائرة القطرية التي قُدمت إلى الولايات المتحدة لاستخدامها الرئاسي، قبل أن تسحب وزارة العدل تلك المذكرات لاحقًا. وأُلغي كذلك الدعم الاتحادي لشبكة «بي بي إس» العام الماضي.

وفي الوقت نفسه، يشير مقال «ذا أتلانتيك» إلى أن تزايد أعداد من يقدمون أنفسهم بوصفهم صحفيين على الإنترنت يتزامن مع وصول ثقة الجمهور بوسائل الإعلام إلى مستويات متدنية قياسية.

وخلال الجلسة، قال إيفان سميث، مدير الفعاليات في «ذا أتلانتيك»، مخاطبًا المشاركين إنهم تمكنوا من تجاوز هذه الضغوط: «لقد نجوتم». لكن أمنا نواز اعترضت على استخدام صيغة الماضي، قائلة: «لن أضع الأمر في صيغة الماضي. نحن ما زلنا نصمد».

وبذلك لا يصبح التحدي الذي تواجهه الصحافة اليوم هو من يستطيع النشر، فهذه القدرة باتت متاحة لملايين الأشخاص، بل ما الذي يجعل ما يُنشر صحافة: التحقق، والدقة، والمعايير المهنية، والقدرة على الفصل بين المعلومة والرأي والادعاء.
إنفوجرافيك يوضح تحديات الصحافة الرقمية والفرق بين النشر العشوائي والعمل الصحفي المهني القائم على التحقق والسياق والدقة.

1- السرعة تحولت من ميزة إلى اختبار للمصداقية

الدراسة الأكاديمية المرفقة، المنشورة عام 2024، ترى أن الثورة الرقمية غيّرت بصورة جوهرية طريقة إنتاج الأخبار وتوزيعها واستهلاكها، لكنها وضعت المؤسسات الصحفية تحت ضغط النشر الفوري والمستمر. والنتيجة أن بعض المؤسسات قد تقدم السرعة على التدقيق والعمق، ما يزيد احتمالات الأخبار الناقصة أو غير الدقيقة أو المثيرة.

وبذلك لم يعد التحدي بالنسبة للصحفي هو أن يكون الأول فقط، وإنما أن يكون سريعًا من دون التضحية بالدقة.

  1. الخوارزمية أصبحت منافسًا للمحرر

أحد أبرز التحولات التي تتوقف عندها الدراسة هو انتقال جزء من سلطة اختيار الأخبار من المحررين إلى خوارزميات المنصات الرقمية.

فالمنصات تميل إلى مكافأة المحتوى الذي يحقق تفاعلًا أكبر، وهذا قد يمنح القصص القصيرة والمثيرة والمشحونة عاطفيًا أفضلية على التحقيقات والتقارير المتعمقة التي تحتاج إلى وقت وقراءة أطول. وتحذر الدراسة من أن هذه الآلية يمكن أن تخلق دائرة تعزز المحتوى المثير، إضافة إلى «غرف الصدى» التي يرى فيها المستخدم بصورة متكررة آراء قريبة من معتقداته السابقة.

  1. الصحافة تواجه منافسين لا يعملون بالقواعد نفسها

أتاحت المنصات لأي شخص يمتلك هاتفًا واتصالًا بالإنترنت أن يصور حدثًا وينشره أمام جمهور كبير. وهذه إحدى مكاسب العصر الرقمي، لأنها وسعت مصادر المعلومات وسمحت بتغطية أحداث ومناطق قد لا تصل إليها وسائل الإعلام التقليدية.

لكن الدراسة تلفت إلى مشكلة موازية: المحتوى الذي ينتجه المستخدمون لا يخضع بالضرورة لمعايير التحقق والمساءلة والأخلاقيات المهنية نفسها. ولذلك يتغير دور الصحفي من مجرد منتج للمعلومة إلى محرر ومدقق ومنسق للمعلومات التي تأتي من مصادر متعددة.

  1. التضليل جعل التحقق جزءًا مركزيًا من العمل الصحفي

تفرق الدراسة بين المعلومات الخاطئة التي قد تُنشر من دون قصد، والتضليل الذي يقوم على إنتاج معلومات كاذبة ونشرها بقصد الخداع. والمشكلة أن الأخبار الزائفة يمكن أن تنتشر على المنصات بسرعة كبيرة قبل أن تصل إليها عمليات التصحيح والتحقق.

وهذا يعيد تعريف قيمة المؤسسة الصحفية: ميزتها لم تعد امتلاك وسيلة النشر، لأن الجميع يمتلكها تقريبًا، وإنما قدرتها على التحقق قبل النشر، ووضع المعلومة في سياقها، وتحمل المسؤولية عنها.

  1. اقتصاد «النقرات» يضغط على استقلال التحرير

التحول الرقمي أحدث أيضًا أزمة في نموذج تمويل الصحافة. فمع تراجع نماذج الإعلان التقليدية، أصبحت الزيارات والمشاهدات والاشتراكات الرقمية عوامل أساسية في اقتصاد المؤسسات الإعلامية.

وتحذر الدراسة من أن السعي وراء النقرات يمكن أن يدفع بعض المؤسسات إلى تفضيل المحتوى السريع والجاذب على التحقيقات المكلفة والطويلة. كما أدى الضغط الاقتصادي في مؤسسات عديدة إلى تقلص غرف الأخبار والموارد المتاحة للصحافة الاستقصائية.

وفي المقابل، ظهرت نماذج تمويل أخرى، مثل الاشتراكات والعضويات والتمويل الجماعي والمدفوعات مقابل المقال الواحد.

  1. الصحفي الجديد لم يعد يكتب فقط

تغيرت أيضًا المهارات المطلوبة. فالصحفي الرقمي بات مطالبًا بالكتابة والتحرير، لكنه يحتاج كذلك إلى فهم منصات التواصل، وتحليل بيانات الجمهور، وإنتاج الفيديو والصوت والرسوم، والتعامل مع صحافة البيانات والتحقق الرقمي.

وتذهب الدراسة إلى أن الصحفي تحول من مجرد ناقل للأخبار إلى صانع قصة، ومنسق للمعلومات، ومدقق للحقائق، ومتفاعل مع الجمهور.

  1. التكنولوجيا ليست عدوًا للصحافة بالضرورة

المفارقة أن الأدوات نفسها التي أحدثت الأزمة توفر فرصًا كبيرة للصحافة. فالفيديو والبودكاست والخرائط التفاعلية وصحافة البيانات والبث المباشر تمنح الصحفي وسائل لم تكن متاحة سابقًا لشرح القضايا المعقدة والوصول إلى جمهور عالمي.

لذلك لا تطرح الدراسة العودة إلى نموذج الصحافة القديم، وإنما التكيف مع البيئة الجديدة من دون التخلي عن الدقة والمساءلة والخدمة العامة.

مفارقة لافتة

وتظهر مفارقة لافتة من مقال ذا أتلانتيك والدراسة الأكاديمية، تتمثل في أن الصحافة فقدت احتكار النشر، لكنها لم تفقد بالضرورة وظيفتها.

في زمن يستطيع فيه أي شخص نشر معلومة أو صورة خلال ثوانٍ، تصبح القيمة المضافة للصحفي أقل ارتباطًا بامتلاك الخبر، وأكثر ارتباطًا بـالتحقق منه، وفهمه، ووضعه في سياقه، والتمييز بين الحقيقة والادعاء، ثم تقديمه للجمهور بطريقة مسؤولة.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.