تناولت مجلة “نيتشر” العلمية في تقرير لها ما سمته تجربة تبدو أقرب إلى إنشاء شركة أدوية كاملة داخل الحاسوب، وقالت إن باحثين طوروا نظاماً يضم ما يصل إلى 37 ألف مساعد يعمل بالذكاء الاصطناعي، يتعاونون في البحث عن علاجات جديدة. وكانت النتيجة الأبرز تحديد مسار علاجي واعد لسرطان الرئة، لكن العلماء يشددون على أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الحديث عن دواء ثبتت فاعليته.
وفيما يلي أبرز ما ورد في التقرير:
1. شركة افتراضية لاكتشاف الأدوية
أطلق الباحثون على النظام اسم «شركة التكنولوجيا الحيوية الافتراضية». والفكرة لا تقوم على مجرد طرح سؤال على برنامج للذكاء الاصطناعي عن دواء محتمل، وإنما إنشاء مؤسسة افتراضية تحاكي طريقة عمل شركات الأدوية الحقيقية.
في قمة هذه المؤسسة يوجد نظام ذكاء اصطناعي يؤدي دور «كبير العلماء»، وتحته آلاف المساعدين الافتراضيين، لكل منهم مهمة محددة، مثل البحث عن أهداف محتملة للأدوية، أو تحليل التجارب السريرية، أو المساعدة في تصميمها.
ووصل عدد هؤلاء «الموظفين الافتراضيين» في إحدى مراحل التجربة إلى 37,075 مساعداً.
2. ماذا يفعل هؤلاء المساعدون؟
المساعد الافتراضي هنا هو نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي، وقادر على تنفيذ مهمة تتطلب سلسلة من الخطوات، والتعامل بصورة مستقلة مع نماذج لغوية ضخمة أو التعاون مع أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى.
أي أن الباحث لا يطلب منه مجرد تقديم إجابة، بل يكلفه بمهمة كاملة، فيجمع المعلومات ويحللها وينفذ سلسلة من الخطوات للوصول إلى نتيجة.
وقاد المشروع عالم الحاسوب جيمس زو من جامعة ستانفورد الأميركية. ويقول إن الهدف هو معرفة مدى قدرة «فرق من علماء الذكاء الاصطناعي» على تسريع عملية اكتشاف الأدوية وتطويرها.

3. تحليل أكثر من 55 ألف تجربة سريرية
لاختبار النظام، طلب الباحثون منه تحليل النتائج المنشورة لأكثر من 55 ألف تجربة سريرية لأدوية تستهدف مجموعة واسعة من الأمراض.
وقام «كبير العلماء» الافتراضي بتوزيع المهمات، بحيث تولى عشرات الآلاف من المساعدين تحليل التجارب المتقدمة، كل على حدة.
وكان الهدف البحث عن أنماط تساعد العلماء على فهم أحد أهم الأسئلة في صناعة الدواء: لماذا تنجح بعض الأدوية في التجارب وتصل في النهاية إلى الأسواق، بينما يفشل بعضها الآخر؟
4. مؤشر قد يساعد على توقع نجاح الأدوية
حللت مجموعة أخرى من المساعدين بيانات تتعلق بالجينات النشطة داخل أنواع مختلفة من الخلايا.
ووجد النظام أن الأدوية التي تستهدف بروتينات نشطة في أنواع محددة من الخلايا كانت احتمالات وصولها إلى السوق أعلى بنحو 50% مقارنة بأدوية أخرى، وفق تحليل الباحثين.
وقد تساعد مثل هذه المؤشرات مستقبلاً العلماء على اختيار الأهداف الدوائية التي تستحق استثمار الوقت والمال في تطويرها.
5. اختبار يتعلق بسرطان الرئة
بعد ذلك، أعطى الباحثون النظام مهمة أكثر تحديداً: دراسة بروتين يحمل الرمز العلمي CD276، ومعرفة ما إذا كان يصلح هدفاً لعلاج سرطان الرئة.
ولم يبدأ الذكاء الاصطناعي من الصفر؛ إذ كانت دراسات سابقة قد أشارت بالفعل إلى وجود هذا البروتين بمستويات مرتفعة في أورام الرئة، وإلى أن له دوراً في إضعاف استجابة جهاز المناعة.
وبعد تحليل البيانات المتوافرة، حدد النظام هذا البروتين بوصفه هدفاً علاجياً محتملاً، ثم اقترح طريقة لاستهدافه.
6. كيف اقترح الذكاء الاصطناعي مهاجمة الورم؟
تقوم الفكرة، بصورة مبسطة، على استخدام جسم مضاد قادر على التعرف على بروتين CD276، وربطه بعقار مضاد للسرطان.
ويمكن تشبيه الآلية بـ«صاروخ موجّه»: يتعرف الجسم المضاد على الهدف ويساعد في الوصول إليه، بينما يحمل معه المادة الدوائية المضادة للسرطان إلى الخلايا المستهدفة.
وبعد مراجعة الفكرة بمساعدة خبراء من خارج فريق البحث، خلص الباحثون إلى أنها تمثل مساراً واعداً يستحق مزيداً من الدراسة.
7. هل اكتشف الذكاء الاصطناعي علاجاً جديداً لسرطان الرئة؟
ليس بعد. وهذه نقطة أساسية عند قراءة نتائج الدراسة.
فبحسب مجلة نيتشر، لم تُختبر توقعات النظام بعد في تجارب مخبرية لإثبات صحتها، ناهيك عن اختبارها في تجارب سريرية على البشر. كما أن نظام «شركة التكنولوجيا الحيوية الافتراضية» لم يخضع بعد لاختبار كامل في ظروف تطوير الأدوية الفعلية.
لذلك، لا يعني البحث أن الذكاء الاصطناعي «اكتشف دواء يشفي سرطان الرئة»، وإنما أظهر قدرة نظام يضم آلاف المساعدين الافتراضيين على تحليل كمية هائلة من المعلومات واقتراح هدف علاجي وطريقة محتملة لاستهدافه، يحتاجان إلى مزيد من الاختبارات والتحقق العلمي.
لماذا تعد التجربة مهمة؟
تكمن أهمية الدراسة في أنها تقدم تصوراً مختلفاً للطريقة التي قد يجري بها اكتشاف الأدوية مستقبلاً.
فتطوير دواء جديد يحتاج عادة إلى فرق كبيرة تنفذ آلاف المهمات، بدءاً من مراجعة الدراسات السابقة وتحليل البيانات، وصولاً إلى اختيار الهدف العلاجي وتصميم التجارب.
أما النظام الجديد فيحاول جعل آلاف المساعدين العاملين بالذكاء الاصطناعي يعملون في الوقت نفسه، كما لو كانوا أقساماً مختلفة داخل شركة أدوية واحدة، فيما يتولى «كبير العلماء» الافتراضي توزيع المهمات وجمع النتائج.
وإذا أثبت هذا النموذج نجاحه في الاختبارات الواقعية، فقد لا يكون التغيير الأكبر في أن الذكاء الاصطناعي يستطيع «اختراع دواء بمفرده»، وإنما في قدرته على اختصار بعض مراحل البحث، وفرز آلاف الاحتمالات بسرعة، ومساعدة العلماء على تحديد المسارات الأكثر جدوى قبل الانتقال إلى المختبر ثم إلى التجارب على البشر.
الخلاصة
تقدم التجربة لمحة عما قد يصبح عليه اكتشاف الأدوية في المستقبل: عشرات الآلاف من العلماء الافتراضيين يعملون معاً وفي الوقت نفسه للبحث عن علاجات محتملة.
لكن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته على تحليل البيانات واقتراح الأدوية، لا يستطيع تجاوز المرحلة الحاسمة: إثبات أن العلاج آمن وفعال من خلال الاختبارات المخبرية ثم التجارب السريرية على البشر.








