أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
أخبار

الرياض وباب المندب.. الصراع في اليمن يدخل معادلة جديدة

الرياض وباب المندب.. الصراع في اليمن يدخل معادلة جديدة

لم يعد التصعيد بين السعودية والحوثيين محصورًا في جبهات القتال داخل اليمن أو في المناطق الحدودية. فالهجمات التي أعلن الحوثيون تنفيذها بالصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الرياض وينبع، بالتزامن مع تقدمهم الميداني على الساحل الغربي لليمن، تنقل المواجهة إلى مستوى أكثر اتساعًا، تتداخل فيه حسابات الأمن السعودي مع النفط والملاحة في البحر الأحمر والتحالفات الإقليمية.

وتزداد أهمية التطورات مع إعلان تركيا استعدادها لتلبية احتياجات عسكرية وتقنية للسعودية في إطار اتفاق دفاعي ثلاثي يضم باكستان، في مؤشر إلى أن المواجهة اليمنية قد تفرض اختبارًا مبكرًا على ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

ماذا حدث في الرياض؟

أعلن الحوثيون، السبت، تنفيذ هجمات باستخدام صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيّرة، قالوا إنها استهدفت “مواقع حساسة” في الرياض، إضافة إلى منشآت تابعة لأرامكو في ينبع على ساحل البحر الأحمر.

في المقابل، قالت قيادة التحالف الذي تقوده السعودية إن الدفاعات الجوية اعترضت صاروخًا باليستيًا أُطلق باتجاه الرياض، وإنها أحبطت هجمات أخرى استهدفت مواقع في بيش والطائف وفرسان وينبع.

وشوهدت ألسنة لهب وسحب كثيفة من الدخان في محيط مطار الملك خالد الدولي، وأظهرت صور ومقاطع مصورة لرويترز دخانًا يتصاعد من منطقة قريبة من خزانات للوقود.

وتسببت التطورات في اضطراب حركة الطيران في الرياض، بعد إطلاق تحذيرات من تهديد جوي. وكانت تلك من أبرز الهجمات التي تطال العاصمة منذ تجدد التصعيد بين السعودية والحوثيين في يوليو/تموز.

روايتان متعارضتان حول أسباب التصعيد

يقول المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن الهجمات جاءت ردًا على عمليات عسكرية تتهم الجماعة السعودية بتنفيذها داخل اليمن، وتتبنى الجماعة معادلة تصفها بـ”التصعيد مقابل التصعيد”.

أما السعودية فلم تقرّ بتنفيذ بعض الغارات التي ينسبها الحوثيون إليها، وتقول إن عمليات عسكرية داخل اليمن تنفذها قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من الرياض.

لماذا يمثل استهداف الرياض تحولًا؟

تكمن أهمية التطور في أن معظم الهجمات الأخيرة تركزت على جنوب وغرب السعودية وعلى منشآت للطاقة والنقل، بينما أعادت هجمات السبت العاصمة إلى دائرة المواجهة المباشرة.

كما أن استهداف الرياض يحمل بعدًا يتجاوز التأثير العسكري المباشر، لأنها المركز السياسي والاقتصادي للمملكة، فضلًا عن كونها تستضيف فعاليات دولية واستثمارية كبرى.

ويرى الباحث اليمني فارع المسلمي، وفق ما نقلته «نيويورك تايمز»، أن الوصول مجددًا إلى الرياض يمثل تصعيدًا كبيرًا، خصوصًا مع المكاسب الميدانية التي حققها الحوثيون أخيرًا داخل اليمن.

ينبع.. الهدف الذي يجعل النفط جزءًا من المعادلة

الجانب الآخر من الهجمات يتعلق بالطاقة.

فالحوثيون قالوا إنهم استهدفوا منشآت لأرامكو في ينبع، وهي مركز مهم على البحر الأحمر لتصدير النفط السعودي.

وتزداد حساسية ينبع في ظل الاضطرابات التي تشهدها طرق تصدير الطاقة في المنطقة. فالمملكة تستطيع نقل النفط من حقولها الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر عبر شبكة خطوط الأنابيب، ما يوفر مسارًا بديلًا عن مضيق هرمز.

لكن اتساع نطاق التهديد إلى الساحل الغربي يعني أن الضغط لم يعد مرتبطًا فقط بممر هرمز. وتشير بيانات حديثة إلى تراجع حركة السفن عبر هرمز، في الوقت الذي تواجه فيه الملاحة عند باب المندب بدورها مخاطر متزايدة.

وهنا تظهر المشكلة الاستراتيجية: اضطراب متزامن في اثنين من أهم الممرات البحرية المرتبطة بتجارة الطاقة العالمية، هرمز وباب المندب.

باب المندب يغيّر الحسابات

بالتوازي مع الهجمات داخل السعودية، حقق الحوثيون تقدمًا سريعًا على الساحل الغربي اليمني خلال الأسابيع الأخيرة.

هذا التقدم منحهم نفوذًا ميدانيًا متزايدًا قرب باب المندب، الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمر عبره جزء مهم من التجارة بين آسيا وأوروبا.

وبحسب رويترز، أدت المعارك المتجددة إلى نزوح ما لا يقل عن 112 ألف شخص داخل اليمن، فيما فرّ قرابة ثلاثة آلاف آخرين بحرًا إلى جيبوتي، في مؤشر إلى أن المكاسب العسكرية تأتي بالتوازي مع تفاقم الكلفة الإنسانية للحرب.

ماذا يريد الحوثيون سياسيًا؟

ففي مراحل سابقة تركزت مطالبهم على ملفات مثل تخفيف القيود على ميناء الحديدة، وفتح مطار صنعاء، ودفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتهم، ووقف العمليات العسكرية ضدهم.

أما بعد المكاسب الأخيرة على الساحل الغربي، فيرى معهد دراسة الحرب الأميركي (ISW) أن الحوثيين استغلوا فرصة أتيحت لهم في يوليو/تموز 2026 لاستئناف حربهم مع السعودية والسعي إلى انتزاع تنازلات من الرياض من شأنها تخفيف حدة الوضع الاقتصادي الصعب الذي تواجهه الجماعة.

وبحسب معهد دراسة الحرب، سعى الحوثيون، بدعم وتشجيع من إيران، إلى ممارسة ضغوط اقتصادية على السعودية لتحقيق أهدافهم، انطلاقًا من اعتقاد الجماعة بأن الضغط الاقتصادي يمثل أداة فعالة سبق أن دفعت السعودية إلى الاستجابة لمطالب حوثية.

ويخلص المعهد إلى أن  الحوثيين قد يقررون وقف هجماتهم الحالية مقابل تنازلات اقتصادية سعودية، لكنه يرى أن معالجة هذه المطالب لن تؤدي بالضرورة إلى إرضاء الحوثيين أو دفعهم إلى الاعتدال، إذ يعتبرون ترسيخ سيطرتهم على شمال اليمن شرطًا مسبقًا للوصول إلى هدف السيطرة على اليمن بأكمله، أو على الأقل توسيع نطاق سيطرتهم إلى كامل البلاد.

وقد تسعى باكستان إلى استخدام نفوذها لدى إيران للضغط باتجاه كبح العمليات الهجومية الحوثية ضد السعودية. لكن المعهد يصف الحوثيين بأنهم شريك مستقل لإيران، ولذلك قد يقاومون أي ضغوط إيرانية محتملة لوقف حملاتهم.

ويرجح المعهد أن الحوثيين يسعون إلى السيطرة على محافظة مأرب بهدف استخراج النفط وتصديره عبر البحر الأحمر، وهو ما يمكن أن يوفر تمويلًا لأنشطتهم السياسية والعسكرية، شريطة أن يكون تصدير النفط ممكنًا.

تركيا تدخل على الخط

التطور الآخر اللافت جاء من أنقرة.

فقد قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن بلاده مستعدة للمساعدة في تلبية احتياجات عسكرية وتقنية قد تكون لدى السعودية، في إطار اتفاق الدفاع المشترك الذي يضم تركيا والسعودية وباكستان.

وقال فيدان إن أنقرة ترى أن الهجمات تمس سيادة السعودية وسلامة أراضيها، وإن تركيا مستعدة للوفاء بالتزاماتها في الاتفاق.

لكن التصريحات لم تتضمن إعلانًا عن تدخل عسكري تركي مباشر أو تحديد طبيعة الدعم المحتمل، ما يجعل الحديث في الوقت الراهن عن استعداد لتقديم مساعدة عسكرية وتقنية وليس دخول تركيا الحرب إلى جانب السعودية.

الولايات المتحدة تبتعد عن التدخل المباشر

في المقابل، تشير تقارير رويترز إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض طلبات سعودية للتدخل العسكري الأميركي المباشر ضد الحوثيين.

ويضع ذلك الرياض أمام معادلة مختلفة عن مراحل سابقة من الحرب اليمنية: مواجهة تهديدات بالصواريخ والمسيّرات، ومخاطر على منشآت الطاقة والملاحة، بينما لا تبدو واشنطن راغبة حتى الآن في الانخراط عسكريًا بصورة مباشرة.

وفي الوقت نفسه، دفعت التطورات سفارات أميركية في عدد من دول الشرق الأوسط إلى إصدار تحذيرات أمنية لرعاياها من احتمال إغلاق مجالات جوية وإلغاء رحلات واضطرابات في السفر، محذرة من إمكانية اتساع التصعيد بسرعة.

المدنيون يدفعون الثمن

وسط الحسابات العسكرية والسياسية، تتفاقم التداعيات الإنسانية داخل اليمن.

ونقلت «يورونيوز» عن الأمم المتحدة أن مكتب حقوق الإنسان وثّق، منذ تصاعد الأعمال القتالية في أغسطس/آب، 110 ضحايا مدنيين في 31 حادثًا، بينهم 28 قتيلًا و82 جريحًا في تعز والحديدة ومأرب، مع الإشارة إلى أن القيود الأمنية وصعوبة الوصول قد تعني أن العدد الفعلي أكبر. ودعت الأمم المتحدة جميع الأطراف ومن يملك تأثيرًا عليها إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

ما الذي تغير في المعادلة؟

يمكن قراءة التطورات الحالية عبر ثلاثة مستويات مترابطة.

عسكريًا، انتقلت المواجهة مجددًا من ساحات اليمن والحدود إلى تهديد العاصمة السعودية ومنشآت الطاقة.

بحريًا، جعل تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وبالقرب من باب المندب الصراع اليمني أكثر ارتباطًا بأمن أحد أهم ممرات التجارة العالمية.

إقليميًا، بدأ التصعيد يختبر شبكة جديدة من العلاقات والتحالفات: تركيا تعرض مساعدة للسعودية، واشنطن تتجنب حتى الآن التدخل المباشر، وإيران تقول إنها تريد إنهاء المواجهة السعودية-الحوثية.

لهذا لم تعد المسألة مجرد جولة أخرى في حرب اليمن. فالسؤال الذي تطرحه التطورات الآن هو ما إذا كانت الضربات المتبادلة ستدفع السعودية والحوثيين إلى جولة عسكرية أوسع، أم أن ارتفاع كلفتها على الطاقة والملاحة والمدنيين سيدفع الأطراف في النهاية نحو تسوية سياسية جديدة بشروط مختلفة عن تلك التي سبقت التقدم الحوثي الأخير.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.