أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
جولة الصحافة

حروب الاستنزاف.. الفخ الذي لا تريده أميركا

حروب الاستنزاف.. الفخ الذي لا تريده أميركا

تناولت مجلة فورين أفيرز الأميركية في مقال نشر اليوم حروب الاستنزاف في الحروب الحديثة، وطرحت معادلة تذهب إلى أنه “لا يكفي أن تكون أقوى؛ بل يجب أن تكون قادراً على إعادة إنتاج القوة التي تستهلكها الحرب”.

وترى الباحثة في معهد هدسون والمسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي الأميركي ناديا شادلو أن الحرب في أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط لم تعد تُحسم بالضرورة بضربة عسكرية كبيرة أو تفوق تكنولوجي ساحق، بل تحولت إلى اختبارات طويلة لمعرفة من يستطيع الصمود أكثر: عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، تكمن المشكلة، بحسب الكاتبة، في أن واشنطن تميل إلى بناء خططها على عمليات قصيرة وحاسمة، بينما قد يتعمد خصومها إطالة أمد المواجهة، وإجبارها على حرب لم تُصمم قواتها وصناعاتها العسكرية بالضرورة لخوضها لفترة طويلة.

  1. امتلاك السلاح لا يعني القدرة على مواصلة الحرب

تفرق شادلو بين القوة العسكرية الموجودة «على الورق» وبين القدرة الحقيقية على استخدامها وتعويض خسائرها طوال أشهر أو سنوات.

وتستشهد بأوكرانيا: فقد تمتلك القوات المدافع وتعرف مواقع الأهداف، لكن ذلك لا يفيد كثيراً إذا لم تتوفر القذائف بالكميات المطلوبة. وبالمثل، فإن حجم الناتج المحلي أو الإنفاق الدفاعي لدولة ما لا يتحول تلقائياً إلى صواريخ اعتراضية وذخائر يمكن استخدامها في الميدان.

  1. روسيا تعثرت في البداية.. لكنها امتلكت القدرة على الاستمرار

تقول الكاتبة إن روسيا دخلت حرب أوكرانيا عام 2022 وهي تتمتع بتفوق مادي واضح، لكنها أخفقت في البداية في تحويل هذا التفوق إلى قوة فعالة تمكنها من تحقيق أهدافها بسرعة، ومنها السيطرة على كييف.

لكن الاحتياطيات البشرية والمادية سمحت لموسكو، وفق المقال، بامتصاص الصدمة: حشد مزيد من الجنود، استخدام مخزونات الذخيرة، زيادة الإنتاج العسكري، والاستعانة بشركاء مثل كوريا الشمالية.

وهكذا تطورت لدى موسكو، بحسب شادلو، نظرية تقوم على أن روسيا لا تحتاج بالضرورة إلى هزيمة أوكرانيا سريعاً إذا استطاعت الصمود لفترة أطول منها وانتظار تراجع الالتزام السياسي الأميركي والأوروبي.

  1. قوة الناتو الاقتصادية الهائلة لها نقطة ضعف

تلفت الكاتبة إلى مفارقة: الولايات المتحدة وحلف مال الأطلسي (الناتو) يتفوقان على روسيا اقتصادياً وعسكرياً في المجموع، لكن حرب الاستنزاف تقيس القوة بطريقة مختلفة.

وتلخص ذلك بفكرة لافتة: الناتج المحلي الإجمالي لا يمكن إطلاقه من مدفع، وحجم الميزانية العسكرية لا يعترض صاروخاً.

فالصناعات الدفاعية الغربية بُنيت إلى حد كبير وفق معدلات إنتاج زمن السلم، ولذلك واجهت صعوبة في زيادة إنتاج القذائف والصواريخ الاعتراضية وغيرها بالسرعة التي تتطلبها حرب عالية الاستهلاك.

  1. إيران تقدم نموذجاً مختلفاً للاستنزاف

بحسب شادلو، أدركت إيران منذ سنوات أنها لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة وإسرائيل تقليدياً، ولذلك بنت قدرة على ممارسة الضغط عبر شبكات حلفائها ووكلائها الإقليميين، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وتشير إلى مفارقة الكلفة: يمكن استخدام طائرات مسيّرة أو صواريخ أقل كلفة لإجبار الخصم على تشغيل أنظمة اعتراض باهظة الثمن وطائرات وسفن متطورة.

في مثل هذه المواجهة، لا يشترط الطرف الأضعف تحقيق نصر عسكري حاسم؛ فقد يكفيه الاستمرار في فرض تكاليف على خصمه وتعويض ما يخسره بوتيرة مقبولة.

  1. التكنولوجيا لم تجعل الحروب أقصر بالضرورة

قد يبدو أن المسيّرات والذكاء الاصطناعي والاستطلاع المستمر والأسلحة الدقيقة ستؤدي إلى حسم أسرع، لكن المقال يرى أن النتيجة قد تكون عكسية.

في أوكرانيا، تظهر تقنيات جديدة ثم يطور الطرف الآخر وسائل لمواجهتها خلال أسابيع. يتم تعديل ترددات المسيّرات وهياكلها ومحركاتها، ثم تظهر وسائل تشويش أو اعتراض جديدة، لتبدأ الدورة مجدداً.

وبذلك أصبح التفوق التكنولوجي مؤقتاً وقصير العمر بدلاً من أن يمنح أحد الطرفين أفضلية طويلة تكفي لاختراق جبهة الخصم.

  1. ساحة المعركة أصبحت مرئية أكثر من أي وقت مضى

تشرح شادلو أن أحد مبادئ الحرب التقليدية هو حشد القوات في نقطة معينة لتحقيق اختراق. لكن الطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية وأجهزة الاستشعار تجعل تجمع القوات والإمدادات أكثر عرضة للاكتشاف والاستهداف.

كما أصبح تحقيق عنصر المفاجأة أصعب في ساحة تخضع للمراقبة شبه المستمرة.

والنتيجة، وفق المقال، أن الاختراقات الكبيرة تصبح أكثر صعوبة، بينما تزداد أهمية التبادل المستمر للنيران، وتجديد الذخائر، والتكيف، والقدرة على الصمود.

  1. المشكلة الأصعب: الانتصار العسكري لا يساوي نتيجة سياسية

هذه هي الفجوة الثالثة والأكثر أهمية في تحليل شادلو: يمكن للقوة العسكرية أن تدمر منشآت وتقتل قادة وتضعف قدرات الخصم، لكنها لا تستطيع بالضرورة إنتاج التسوية السياسية المطلوبة.

وترى أن هذه المشكلة تظهر في أوكرانيا والشرق الأوسط على السواء، لأن أهداف الأطراف ليست محدودة أو سهلة التفاوض.

وتقول إن الولايات المتحدة وحلفاءها، في الحالة الأوكرانية، ركزوا لفترة طويلة على منع هزيمة أوكرانيا وفرض تكاليف على روسيا، من دون أن يقترن ذلك دائماً بتحديد نهاية سياسية ملموسة وقابلة للتحقيق للحرب.

  1. إسرائيل وإيران: التفوق العسكري وحده لا ينهي الصراع

تستخدم الكاتبة الشرق الأوسط لتوضيح الفكرة نفسها. فإلحاق أضرار واسعة بالقدرات العسكرية لحماس أو إيران، من وجهة نظرها، لا يعني تلقائياً إنتاج الظروف السياسية التي تضمن نهاية دائمة للصراع.

وتشير كذلك إلى أن إيران حاولت استخدام الضغط السياسي والدولي كجزء من استراتيجية الاستنزاف، بما في ذلك السعي إلى إضعاف الدعم الدولي لإسرائيل.

وبذلك تصبح المعركة، وفق هذا التصور، أوسع من الصواريخ والطائرات: هناك أيضاً الرأي العام، والتحالفات، والعلاقات الدبلوماسية، والقدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية والسياسية.

  1. المعضلة الأميركية: جيش شديد التطور لكنه مكلف

تقول شادلو إن الولايات المتحدة بنت قوة تعتمد بدرجة كبيرة على أعداد محدودة نسبياً من الأسلحة والمنصات المتطورة والمكلفة.

وهذا النموذج فعال للغاية عندما تكون الحرب قصيرة، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما تتحول المواجهة إلى سباق طويل لاستهلاك الذخائر والصواريخ والمنصات العسكرية.

فالسؤال في حرب طويلة لا يصبح فقط: من يمتلك السلاح الأفضل؟ بل أيضاً: من يستطيع تصنيع البديل بسرعة، وبأي تكلفة، وكم مرة يستطيع فعل ذلك؟

  1. خصوم واشنطن قد يحاولون إطالة الحرب عمداً

تعتقد الكاتبة أن هذه ربما تكون نقطة الضعف التي يمكن للخصوم استغلالها. فالولايات المتحدة تريد عادة تحقيق نتائج سريعة وحاسمة، بينما يستطيع الخصم تبني استراتيجية مختلفة: تجنب الهزيمة، تعويض خسائره، مواصلة فرض الكلفة، وانتظار تراجع الإرادة السياسية الأميركية.

وهكذا يمكن لخصم أضعف عسكرياً أن يحاول تحويل الزمن نفسه إلى سلاح.

  1. إيران واختبار «الاستنزاف الاقتصادي»

تشير المقالة إلى ما تصفه بمحاولة إدارة ترامب توسيع الضغط على إيران من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي، عبر ما تعرف بعملية المنبوذ الاقتصادي، وتهدف، بحسب ما تنقله عن وزير الخزانة سكوت بيسنت، إلى استهداف الروابط المالية الإيرانية عالمياً.

لكن الكاتبة تحذر من أن استراتيجية كهذه تحتاج هي الأخرى إلى قدرة سياسية على الاستمرار، لأن ارتفاع أسعار الطاقة والتكاليف الاقتصادية قد يختبر استعداد واشنطن لمواصلة الضغط فترة طويلة.

ولذلك ترى أن النتيجة الواقعية المحتملة قد لا تكون نصراً حاسماً، وإنما حالة جمود غير محسومة.

وتخلص الكاتبة إلى أن الولايات المتحدة لا تفتقر إلى القوة العسكرية، بل أن تعريف القوة نفسه تغير.

في الحروب الحديثة، القوة لا تقاس فقط بعدد الطائرات والسفن والصواريخ أو بحجم الاقتصاد، وإنما أيضاً بالقدرة على إنتاج الذخائر، وتعويض الخسائر، وتطوير التكنولوجيا بسرعة، وحماية سلاسل الإمداد، وتحمل الكلفة الاقتصادية، والمحافظة على الإرادة السياسية، وربط العمليات العسكرية بهدف سياسي قابل للتحقيق.

ولهذا تحذر شادلو من أن الولايات المتحدة قد تدخل مواجهة وهي تتوقع حرباً قصيرة، ثم تجد نفسها داخل فخ الاستنزاف: حرب يستطيع الخصم إطالتها، وتزداد تكلفتها تدريجياً، فيما يصبح الخروج منها أصعب من الدخول إليها.

والرسالة الأخيرة للمقال يمكن اختصارها بهذه الفكرة: واشنطن لا تحتاج فقط إلى جيش قادر على توجيه ضربة ساحقة، بل إلى دولة وصناعة عسكرية وتحالفات قادرة على الاستمرار عندما لا تكون الضربة الأولى هي الأخيرة.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.