شارع الرشيد… حين يتكلم المكان بلسان من شهد أحداثه

أبريل 30, 2026
146

شارع الرشيد من أهم شرايين بغداد (وكالة الانباء العراقية)

ليست كل الشوارع مجرد طرق… بعضها يتحول إلى سيرة مدينة كاملة. في كتابه “رحلة في ذاكرة شارع الرشيد”، يعيد الإعلامي والمترجم العراقي سعدون الجنابي إحياء واحد من أهم شرايين بغداد، ليس بوصفه معلمًا عمرانيًا فحسب، بل كفضاء نابض بالتاريخ والثقافة والسياسة. كتاب يكتب الذاكرة من داخلها، ويستحضر روح شارع كان يومًا مرآة العراق وتحولاته.

يقع الكتاب بطبعته الثانية التي صدرت عن دار الأديب في عمان  في نحو 310 صفحات مدعومة بـ123 صورة توثيقية وخرائط وملاحق، ويقدّم رحلة غنية عبر تاريخ شارع الرشيد، أحد أبرز معالم بغداد الحديثة.

يعتمد الجنابي على مزيج فريد من المذكرات الشخصية والرصد التاريخي، مستندًا إلى تجربة تمتد لأكثر من نصف قرن، ما يمنح الكتاب طابعًا حيًا ومختلفًا عن الكتب التقليدية التي تناولت الشارع. فهو لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يقدّم شهادة إنسان عاش التفاصيل: من الأسواق والخانات، إلى المقاهي الأدبية ودور السينما والمكتبات، وصولًا إلى البيوتات السياسية التي شكّلت وعي العراق الحديث.

يوثّق الكتاب أيضًا محطات مفصلية مرّ بها الشارع، من الثورات والاحتجاجات، إلى التحولات الاجتماعية والثقافية، حيث كان شارع الرشيد مسرحًا حيًا لتشكّل الدولة العراقية الحديثة.

الجنابي: أفخر أن هذا الكتاب لم يبقَ محليًا فقط، بل تم حفظه وإضافته إلى مكتبة الكونغرس (أوج 24)
الجنابي: أفخر أن هذا الكتاب لم يبقَ محليًا فقط، بل تم حفظه وإضافته إلى مكتبة الكونغرس (أوج 24)

ماذا يقول مؤلف الكتاب ؟
وفي حوار خاص مع موقع ” أوج 24″، يتحدث الكاتب سعدون الجنابي عن كتابه قائلاً: “محل والدي لم يكن مجرد دكان صغير، بل كان جزءًا من ذاكرة شارع الرشيد. كان يقع في ركن من بناية جامع سيد سلطان علي، وهو موجود في هذا الموقع منذ عام 1919. وقد أشار إليه الكاتب الكبير عباس بغدادي في كتابه «بغداد في العشرينات»، حين تحدث عن امتداد تجار التبغ والسجائر على جانبي الشارع، من قرب الجامع إلى حافة جسر الأحرار، أو جسر الملك فيصل آنذاك. وهناك أيضًا كان محل خالي عبد الرحمن، ضمن ذلك النسيج التجاري الذي شكّل روح المكان.

أما عن انطباعات الكتّاب، فقد كتب الشاعر العراقي حميد سعيد “أنني كنت أمينًا في نقل ما عاشه شارع الرشيد، وأن العمل لم يكن مجرد توثيق، بل شهادة حيّة. وقد لاقت الطبعة الأولى رواجًا سريعًا، وتوالت الإشادات بما أضفته من تنقيحات وإضاءات. ومن بين تلك الشهادات، ما كتبه الأستاذ ليث الصندوق—وهو ابن عائلة عُرفت بتجارتها في الشارع—حين قال: لقد أعاد لنا هذا الكتاب ذاكرتنا عن شارع الرشيد.

 ما أهمية هذا الكتاب؟

يقول الجنابي إن الجواب بسيط : ” لأن أبنائي لا يعرفون شيئًا عن شارع الرشيد. أنا لست مؤرخًا، وكتابي ليس كتابًا تاريخيًا بالمعنى الأكاديمي، بل هو كتاب ذاكرة… محاولة لحفظ ما يمكن أن يُنسى:.

لقد عشتُ هذا الشارع بكل تفاصيله، وكنت أراه بعيني كمدينة كاملة، لا مجرد شارع. وهذا ما قرأته أيضًا عند أحد الكتّاب الأجانب، الذي وصف شارع الرشيد بأنه مدينة قائمة بذاتها. وقد فهمتُ معنى ذلك بعمق عام 1970، عندما التحقت بدورة لتدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها في إنجلترا. في اليوم الأول، طُلب منا أن يتحدث كل واحد عن مدينته ومعالمها. تحدث الجميع عن عواصم كبرى، أما أنا فوجدت نفسي أتحدث عن شارع الرشيد… وكأنه مدينة كاملة.

ورغم ذلك، شعرتُ بشيء من الخجل، لأنني أدركت أنني لا أعرف كل ما يجب أن يُقال. لكنني تذكرت ما كتبه الصحفيون البريطانيون عن الشارع، وكيف أشاروا إلى أن بريطانيا ساهمت في افتتاح جزئه الثاني بعد ساحة الرصافي

وأكملت امتداده، وأن أحد القادة العسكريين البريطانيين سكن فيه وتوفي هناك، في المبنى الذي أصبح لاحقًا متحفًا لرئيس الوزراء العراقي بعد العهد الملكي عبد الكريم قاسم.

كان الانطباع عميقًا ومروّعًا—بالمعنى الذي يهز الذاكرة.

انطباعٌ لم يصنعه هذا الكتاب وحده، بل ما كتبه الأدباء، والمثقفون، والشعراء، وحتى القرّاء العرب الذين تفاعلوا معه.

وأفخر بأن هذا العمل لم يبقَ محليًا فقط، بل تم حفظه وإضافته إلى مكتبة الكونغرس، في إشارة إلى أن ذاكرة شارع الرشيد أصبحت جزءًا من ذاكرة أوسع، تتجاوز حدود المكان.”

الأهم أن الجنابي ينجح في تقديم شارع الرشيد بوصفه مدينة داخل مدينة—فضاء يجمع الأعراق والأديان والثقافات، ويختصر تاريخ بغداد الحديثة بكل تناقضاتها. وهنا تكمن قوة الكتاب: في قدرته على تحويل الذاكرة الفردية إلى ذاكرة وطن.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

كيف تطورت بغداد ثم تراجعت؟ قراءة في تحوّلاتها السكانية عبر العصور

سوق السراجين.. رحلة في تاريخ مهن بغداد

ترام بغداد.. من إرث مدحت باشا إلى إحياء شارع الرشيد

اترك تعليقاً