سوق السراجين.. رحلة في تاريخ مهن بغداد
سوق السراجين واجهة تراثية يحرص الحرفيون فيه على استخدام التقنيات اليدوية في تشكيل الجلد الطبيعي (منصات التواصل)
معتصم المفتي / كاتب ومؤرخ عراقي
في الأزقة المتفرعة من شارع المتنبي وسط بغداد، يختبئ تاريخ آخر أقل صخبًا من تراكم الكتب على الأرصفة لكنه لا يقل عمقًا. هنا، بين سوقي السراجين والجوبقجية، لا تُعرض بضائع فحسب، بل تُعرض ذاكرة مهنٍ شكّلت ملامح بغداد لقرون.
وسوقا “السراجين” و”الجوبقجية”، هما في الحقيقة وجهان لتاريخ حرفي واحد في قلب بغداد القديمة، ويقعان ضمن محيط منطقة “سوق السراي” التاريخي الشهير.
سوق الجوبقجية (أو الجبقجية) هي التسمية القديمة للسوق التي تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي. اشتُق الاسم من مهنة “صناعة الجبق” (أو آلات التدخين القديمة)، وكانت المنطقة آنذاك تعج بالحرف اليدوية المتنوعة، بما فيها المهن الجلدية، والساعجية، وغيرها من الحرف التي اشتهرت بها بغداد في العهد العثماني وما قبله.
أما سوق السراجين فهو التطور التاريخي لتسمية سوق الجوبقجية. مع مرور الزمن، تخصص السوق في صناعة الجلود، فأصبحت مهنة “السراجة” (صناعة سروج الخيل والجلود) هي الغالبة عليه. ومع انحسار استخدام الخيول، تحولت الحرفة إلى صناعة الحقائب، الأحزمة، المحافظ، والمنتجات الجلدية الأخرى، وظلت التسمية مرتبطة بالحرفيين الذين توارثوا هذه المهنة عن أجدادهم.

أبرز ملامح هذا السوق التاريخي:
يقع سوق السراجين بمحاذاة سوق السراي، وهو جزء من النسيج العمراني التاريخي الذي يضم أيضاً “القشلة” ومبنى متصرفية لواء بغداد سابقاً.
ويمثل السوق واجهة تراثية، حيث يحرص الحرفيون فيه على استخدام التقنيات اليدوية في تشكيل الجلد الطبيعي ونقشه بعبارات فنية أو آيات قرآنية، مما يمنح منتجاتهم طابعاً فنياً فريداً يميزها عن المنتجات المصنعة آلياً.
ورغم تأثر السوق بمرور الزمن وتغير الأذواق ودخول البضائع المستوردة، لا يزال يُنظر إليه كأحد أقدم الأسواق الحرفية في بغداد التي تعكس جزءاً من ذاكرتها الاجتماعية والاقتصادية، وقد تحول جزء كبير من محيطه ليصبح مركزاً لبيع القرطاسية والكتب والأدوات المكتبية (ضمن سوق السراي)، مع بقاء لمسات من حرفة السراجة القديمة في محلات محددة تقاوم الاندثار.