قد يبقى راتبك كما هو، لكن ما تستطيع شراءه به قد يتغيّر. مع قرار البنك المركزي العراقي رفع سعر بيع الدولار الرسمي إلى 1520 دينارًا، يدخل العراقيون مرحلة جديدة من القلق على أسعار الغذاء والدواء، وقيمة المدخرات، وتكاليف السفر والعلاج والدراسة في الخارج.
القرار يقرّب السعر الرسمي من السوق الموازية، لكن هل يكفي لتقليص الفجوة بينهما؟ ولماذا قد تحصل الدولة على دنانير أكثر من إيراداتها الدولارية، بينما تواجه الأسر ضغوطًا إضافية على ميزانياتها؟ لفهم ما جرى، ينبغي النظر إلى ما وراء شاشات الصرافة: كيف ينتقل تغيّر سعر الدولار إلى تفاصيل الحياة اليومية، ومن يتأثر به أكثر؟
رفع سعر الدولار الرسمي يعني أن العراقي يحتاج إلى دنانير أكثر لشراء الدولار نفسه. وقد يبقى الراتب ثابتًا في كشف الحساب، لكن قدرته على شراء السلع المستوردة أو تمويل السفر والعلاج والدراسة في الخارج تتراجع.
هذه هي المسألة الأساسية وراء تعديل سعر الصرف: تقريب السعر الرسمي من السوق الموازية، مقابل احتمال زيادة الضغط على تكاليف معيشة المواطنين.
ما الذي تقرر؟
بحسب كتاب البنك المركزي الذي نقلته وسائل إعلام عراقية، أُقرّت ثلاثة أسعار للدولار، يبدأ العمل بها من الأربعاء 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استنادًا إلى قرار مجلس الوزراء في اليوم السابق:
| نوع المعاملة | السعر لكل دولار |
| شراء البنك المركزي الدولار من وزارة المالية | 1500 دينار |
| بيع البنك المركزي الدولار للمصارف | 1510 دنانير |
| بيع الدولار للجمهور | 1520 دينارًا |
وطلب البنك تحديث الأنظمة المصرفية وإيقاف العمل بالسعر السابق. والرقم الذي يهم المواطن في التعاملات الرسمية هو 1520 دينارًا للدولار، أي 152 ألف دينار لكل 100 دولار. وهذا لا يعني بالضرورة أن محال الصرافة في السوق الموازية ستبيع بالسعر نفسه.
القرار يرتبط باتساع الفارق بين السعر الرسمي السابق، البالغ 1320 دينارًا للدولار عند البيع للجمهور، والسعر في السوق الموازية، الذي ذكر أنه كان يدور حول 1630 دينارًا.
وبذلك، تُقرّب السلطات السعر الرسمي من السعر المتداول خارج القنوات الرسمية. لكن رد الفعل الأول في أربيل على سبيل المثال اتّسم بالاضطراب؛ إذ توقفت بعض مكاتب الصرافة مؤقتًا عن التداول، وتجاوز سعر 100 دولار حاجز 170 ألف دينار.
ويعزو محللون الضغط على الدينار، جزئيًا، إلى تراجع تدفقات عائدات النفط واضطراب التصدير المرتبط بالحرب وإغلاق مضيق هرمز. وهذه أسباب يطرحها التقرير؛ أما تحديد وزن كل عامل في القرار فيحتاج إلى بيانات عن الصادرات والإيرادات واحتياطيات البنك المركزي.
لماذا يُسمّى ذلك «خفضًا لقيمة الدينار» رغم ارتفاع رقم سعر الصرف؟
لأن الرقم يعبّر عن عدد الدنانير المطلوبة لشراء دولار واحد. وعندما يرتفع من 1320 إلى 1520، يصبح الدولار أغلى بالدينار، ويصبح الدينار أقل قيمة أمامه.
ويشرح مقال نشره بنك سانتاندير الفرق بين مفهومين:
- خفض قيمة العملة: تعديل رسمي لقيمتها في نظام سعر صرف ثابت أو مُدار.
- تراجع قيمة العملة في السوق: انخفاض ينتج عن حركة العرض والطلب.
وفي الحالة العراقية، يمكن حدوث الأمرين معًا: تعديل رسمي للسعر، وتحرك منفصل للسعر في السوق الموازية.
وبالحساب، ارتفعت تكلفة الدولار بالسعر الرسمي نحو 15.2%، بينما انخفضت قيمة الدينار أمام الدولار نحو 13.2%. تختلف النسبتان لأن قاعدة الحساب مختلفة؛ ولا تمثل أي منهما، تلقائيًا، نسبة ارتفاع جميع الأسعار.
ماذا يعني ذلك للعراقيين؟
- الرواتب والتقاعد: المبلغ ثابت، لكن ما يشتريه قد يتراجع
لا يؤدي تعديل سعر الصرف وحده إلى اقتطاع مباشر من الراتب. فمن يتقاضى مليون دينار سيبقى يتقاضى المبلغ نفسه، ما لم يصدر قرار آخر.
لكن إذا ارتفعت أسعار الغذاء والدواء والملابس والأجهزة، فإن المليون سيشتري كمية أقل. هنا يظهر الأثر على الدخل الحقيقي، أي القدرة الشرائية للراتب، لا قيمته الاسمية.
ولا يمكن القول إن كل راتب فقد 13.2% من قدرته الشرائية؛ فذلك يعتمد على مقدار ارتفاع الأسعار ونوعية إنفاق الأسرة.
- المواد المستوردة: تكلفة أعلى لمن كان يحصل على الدولار الرسمي
توضح المقارنة الحسابية التالية أثر الانتقال من 1320 إلى 1520 دينارًا، قبل احتساب الرسوم وأي تكاليف أخرى:
| المبلغ المطلوب بالدولار | بالسعر السابق | بالسعر الجديد | الزيادة |
| 100 دولار | 132 ألف دينار | 152 ألف دينار | 20 ألف دينار |
| 1000 دولار | 1.32 مليون دينار | 1.52 مليون دينار | 200 ألف دينار |
فإذا كان مستورد يشتري بضاعة بألف دولار عبر القنوات الرسمية، ترتفع كلفتها بالعملة المحلية بمقدار 200 ألف دينار، حتى لو لم يتغير سعرها الخارجي.
لكن ارتفاع أسعار السلع لن يكون بالضرورة بالنسبة نفسها. فبعض التجار كانوا يشترون الدولار أصلًا من السوق الموازية، كما تتأثر الأسعار بالمخزون والمنافسة والنقل والرسوم وهوامش الربح.
- المدخرات بالدينار: لا ينقص الرصيد، لكنها تشتري دولارات أقل
مليون دينار كان يعادل نحو 758 دولارًا بالسعر الرسمي السابق، ويعادل نحو 658 دولارًا بالسعر الجديد، قبل الرسوم وبافتراض إمكان التحويل بالسعر الرسمي.
إذن، يبقى الرصيد مليون دينار، لكن قيمته عند التحويل إلى الدولار تنخفض. أما قدرته على شراء السلع داخل العراق فتتوقف على تغير أسعار تلك السلع.
- السفر والعلاج والدراسة: احتياجات الدولار تصبح أثقل
الأسرة التي تحتاج إلى دفع رسوم جامعة أو علاج أو إقامة خارج العراق ستحتاج إلى دنانير أكثر لتغطية المبلغ الدولاري نفسه، إذا كانت تحصل عليه سابقًا بالسعر الرسمي الأقل.
ويتحدد الأثر الفعلي بالسعر المتاح للأسرة، والرسوم، وشروط الحصول على العملة الأجنبية.
- التحويلات والدخول الدولارية: قد تعطي دنانير أكثر
من يتلقى دخلًا أو حوالة بالدولار قد يحصل عند تحويلها على مبلغ أكبر بالدينار، بحسب سعر الشراء المطبق لدى المصرف أو الصراف.
لكن هذه الزيادة لا تعني بالضرورة تحسنًا مساويًا في مستوى المعيشة، إذا ارتفعت أسعار ما يشتريه داخل العراق.
- موازنة الدولة: دنانير أكثر مقابل الإيراد الدولاري نفسه
من الناحية الحسابية، تستطيع الحكومة الحصول على دنانير أكثر مقابل كل دولار من إيراداتها النفطية عند تحويله بسعر أعلى. وقد يساعد ذلك على تغطية نفقات محلية بالدينار.
لكن تغيير سعر الصرف لا يخلق إيرادات نفطية دولارية جديدة؛ كما ترتفع كلفة الالتزامات الحكومية بالدولار، وقد تؤدي زيادة الأسعار إلى مطالبات بزيادة الأجور والدعم. وهذا تفسير اقتصادي محتمل للأثر المالي، وليس إثباتًا للدافع الرسمي وراء القرار.
هل سيختفي الفارق مع السوق الموازية؟
ليس مضمونًا. فباستخدام سعر 1630 دينارًا الوارد في التقرير، ينخفض الفارق الحسابي مع السعر الرسمي من 310 دنانير إلى 110 دنانير لكل دولار، بشرط بقاء سعر السوق ثابتًا.
لكن السوق قد تتحرك مجددًا. ويتوقف استقرار الفارق على توافر الدولار، وسهولة الوصول إليه رسميًا، والطلب عليه، والثقة بالسياسة النقدية.
لذلك، فإن السؤال الأهم للمواطن هو: هل سيصبح الدولار متاحًا بالسعر الجديد، وكم ستتغير أسعار حاجاته الأساسية مقارنة بدخله؟