علق الخبير والأكاديمي العراقي المختص بالشأن الاقتصادي، د. نوار السعدي، على قرار البنك المركزي العراقي تعديل سعر صرف الدينار العراقي وخفض قيمته، وقال إن ذلك ىقد يمنح الحكومة قدرة أكبر على تمويل نفقاتها، لكنه يضع العراقيين أمام احتمال دفع المزيد مقابل احتياجاتهم اليومية.
واعتبر السعدي أن القرار يتجاوز السياسة النقدية إلى سؤال أعمق: كيف تُعالج الدولة اختلالاتها المالية، ومن يتحمل الكلفة؟

دنانير أكثر.. وليس معالجة أصل المشكلة
تقوم الآلية على تحويل الإيرادات النفطية، التي تتلقاها الدولة بالدولار، إلى العملة المحلية لتمويل نفقاتها. فعند الانتقال من 1300 إلى 1500 دينار لكل دولار في التعامل مع وزارة المالية، يصبح كل مليار دولار مساويًا لـ1.5 تريليون دينار، بدلًا من 1.3 تريليون.
وهذا يعني زيادة حسابية بنحو 200 مليار دينار لكل مليار دولار، أو 15.4% تقريبًا، بافتراض ثبات الإيراد الدولاري. لكن عدد الدولارات المتاحة لم يتغير، ولم ينتج الاقتصاد سلعًا أو خدمات إضافية بسبب تعديل السعر وحده.
لذلك يشدد السعدي على ضرورة النظر إلى قرار رفع سعر صرف الدولار من زاوية مالية واقتصادية متكاملة، وليس باعتباره مجرد قرار نقدي. عندما يرتفع سعر الدولار من نحو 1300 إلى 1500 دينار، فإن الحكومة تحصل على دنانير أكثر مقابل كل دولار من عائدات النفط، وبالتالي فإن جزءاً من معالجة العجز المالي ينتقل بصورة غير مباشرة إلى المواطن من خلال ارتفاع تكلفة السلع والخدمات المستوردة وتراجع القوة الشرائية للدينار.
بمعنى آخر، الحكومة تحصل على مورد إضافي بالدينار من دون أن تكون قد حققت زيادة حقيقية في الإنتاج أو الإيرادات غير النفطية. وهذا قد يساعدها على تمويل النفقات والرواتب وسد جزء من فجوة الموازنة، لكنه لا يعالج أصل المشكلة.
المشكلة في بنية الموازنة
وبحسب السعدي، فإن المشكلة الحقيقية في العراق ليست في سعر الصرف وحده، وإنما في هيكل الموازنة نفسه. فالعراق ما زال يعتمد بصورة مفرطة على النفط، بينما الإنفاق الجاري -وخصوصاً الرواتب والتقاعد والدعم والنفقات التشغيلية- أصبح يشكل ضغطاً متزايداً على المالية العامة. صندوق النقد الدولي سبق أن أشار إلى أن العراق يحتاج إلى ضبط الإنفاق الجاري، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وإصلاح المصارف الحكومية، وتحسين بيئة القطاع الخاص ومكافحة الفساد، حتى تصبح المالية العامة أكثر استدامة.
لذلك، يرى الأكاديمي الاقتصادي العراقي أن رفع سعر الصرف يمكن أن يكون أداة مالية لمعالجة ظرف استثنائي، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي.
تكلفة أعلى
اليوم، عندما ترفع الحكومة سعر الدولار إلى 1500 دينار، فهي تحصل تقريباً على زيادة بنسبة 14.5% بالدنانير مقابل كل دولار من الإيرادات النفطية مقارنة بالسعر السابق. لكن المواطن الذي يستورد الغذاء والدواء والسلع والمواد الأولية سيواجه في المقابل تكلفة أعلى؛ وبالتالي فإن جزءاً من كلفة معالجة الاختلال المالي ينتقل إلى المستهلك.
وهنا يطرح السعدي السؤال الأهم: لماذا يدفع المواطن ثمن إصلاح الموازنة العامة من خلال سعر الصرف، في حين لم نشهد بالسرعة ذاتها إصلاحاً في الإنفاق الحكومي، أو توسيعاً حقيقياً للقاعدة الضريبية، أو معالجة جذرية للتهرب الجمركي، أو إصلاحاً للمصارف الحكومية، أو تحفيزاً فعلياً للقطاع الخاص والإنتاج المحلي؟
الأرقام الحالية للموازنة تكشف حجم التحدي؛ فمسودة موازنة 2027 تتحدث عن إنفاق يقارب 217 تريليون دينار وعجز يتجاوز 40 تريليون دينار، في اقتصاد ما زالت عائداته النفطية تمثل الجزء الأكبر من إيرادات الدولة.
لذلك فإن القضية ليست: هل سعر 1500 دينار للدولار مناسب أم غير مناسب فقط؟ بل القضية الأعمق هي: هل نستخدم سعر الصرف لإعادة هيكلة الاقتصاد، أم نستخدمه فقط لتغطية عجز الموازنة؟
إذا كان الهدف هو معالجة اختلال مؤقت بسبب صدمة في الإيرادات النفطية، فقد يكون القرار مفهوماً ضمن حزمة مالية ونقدية متكاملة. أما إذا أصبح رفع سعر الصرف هو الحل المتكرر كلما واجهت الحكومة عجزاً في الموازنة، فنحن لا نعالج المرض، وإنما ننقل كلفته إلى المجتمع.
ويخلص السعدي إلى أن العراق يحتاج إلى إصلاح مالي حقيقي يبدأ من الموازنة نفسها، وليس من جيب المواطن. المطلوب هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط والإنفاق الحكومي إلى اقتصاد ينتج، ويصدر، ويحصّل الضرائب بصورة عادلة، ويمنح القطاع الخاص دوراً حقيقياً، ويضبط النفقات العامة.