خيّمت الصدمة على فرنسا صباح الأحد، بعدما استيقظ السكان على شوارع تناثر فيها الزجاج المحطم، وصور لمبانٍ حكومية التهمتها النيران، إثر انزلاق أكبر تظاهرات تشهدها البلاد منذ سنوات إلى أعمال شغب ونهب.
وألحقت اضطرابات السبت أضراراً واسعة بعدد من رموز الدولة، بينها مبنى بلدية يعود إلى القرن التاسع عشر في ليموج، المدينة الواقعة بوسط فرنسا والمشهورة بصناعة الخزف، وقد دُمّر معظمه في حريق متعمد ليلاً.
وهاجم محتجون مباني بلديات، من ليل شمالاً إلى مرسيليا جنوباً، حيث اقتحم متسللون ملثمون مقر البلدية وأسقطوا تمثالاً نصفياً لماريان، رمز الجمهورية الفرنسية. كما دمرت النيران مكتباً للسياحة في ليون.
وأعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز توقيف أكثر من 1800 شخص على خلفية احتجاجات السبت في فرنسا.
وقال نونيز، في منشور على منصة إكس، إن «الجمهورية لن ترضخ ولن تقدم أي تنازل لمن يسعون إلى فرض الفوضى والعنف»، مشيراً إلى إصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة والدرك والإطفاء خلال التظاهرات. وأضاف أن «الأضرار المادية جسيمة»، مشيراً إلى المتاجر المتضررة.
وحمّل المسؤولية لآلاف المحتجين المنتمين، بحسب وصفه، إلى «اليسار المتطرف»، إلى جانب «مجرمين نهبوا وخربوا» مباني في أنحاء فرنسا.

الحكومة تتهم «فرنسا الأبية»
حمّل رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو حزب «فرنسا الأبية»، المنتمي إلى اليسار المتطرف، المسؤولية المباشرة عن الفوضى. ويحظى زعيم الحزب جان لوك ميلانشون بفرصة لبلوغ الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية العام المقبل، لاختيار خلف للرئيس إيمانويل ماكرون.
واتهم لوكورنو قادة الحزب بزرع انعدام الثقة في الشرطة بين الطلاب المحتجين طوال الأسبوع. وقال أيضاً إن معلومات استخباراتية تشير إلى أن أوائل المشاركين في أعمال الشغب، الذين بدأوا مهاجمة شرطة مكافحة الشغب والمباني الحكومية قبل الموعد المحدد لانطلاق التظاهرات الرسمية، كانوا من المنتمين إلى «اليسار الراديكالي المتشدد».
وقال لوكورنو: «من الواضح أن وراء كل ذلك معركة سياسية ينبغي خوضها»، مضيفاً أن البلاد بلغت «نقطة اللاعودة».
وتابع: «حان أيضاً وقت اختيار المعسكر. فإما أن تكون في صف الجمهورية، وبالتالي في صف قوات إنفاذ القانون، ومن يحمون الأشخاص والممتلكات ويطبقون القوانين، وإما أن تكون في صف مثيري الشغب».
ميلانشون يحمّل الحكومة المسؤولية
رداً على ذلك، حمّل ميلانشون الحكومة المسؤولية. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي إن لوكورنو «مسؤول عن الفوضى»، سواء بسبب «عدم الكفاءة، أو اتباع استراتيجية تدفع الأوضاع إلى الأسوأ لتشكيل معسكر يرفع شعار النظام، ويُنسي الناس إخفاقه في إدارة المالية العامة».
ولم يرد لوكورنو على هذا الاتهام، لكنه كان قد دعا ميلانشون في وقت سابق إلى إدانة مرتكبي النهب والعنف صراحةً.
وكان ميلانشون قد أدان العنف مع إبداء تحفظات، قائلاً إن «من يشاركوننا نضالنا لا مكان لهم في أعمال النهب والسلب».
وأضاف مساء السبت أنه، بصرف النظر عن «مسؤوليات من هم في السلطة»، يتعين على اليسار «رفض المشاركة في أفعال تفتقر إلى معنى سياسي وتتعارض مع أساليبنا».
مسيرات سلمية ومواجهات في المشهد نفسه
كان منظمو الاحتجاجات يأملون أن تحقق تظاهرات السبت تقارباً بين الحركة الطلابية التي تهز فرنسا منذ سبتمبر/أيلول، مطالبةً بتحسين أوضاع المدارس، وحركة اجتماعية أوسع تتناول قضايا متعددة، بينها ارتفاع تكاليف المعيشة.
لكن ما ظهر بدا كأنه مشهدان متوازيان؛ مسيرات سلمية في جزء من المدينة، ومجموعات ترتدي ملابس سوداء تشتبك مع الشرطة وتتسبب في أضرار بمناطق أخرى.
ومع تدهور الأوضاع، انضم أشخاص استغلوا الفوضى لارتكاب أعمال شغب، بحسب مسؤولين حكوميين.
وفي باريس، قالت الشرطة إنها واجهت في البداية «مسيرات غير معلنة» ومجموعات عنيفة يتراوح عدد أفرادها بين 500 وألف شخص.
وأضافت مديرية شرطة باريس، في بيان صباح الأحد، أن الوضع تغير في أواخر فترة ما بعد الظهر، مع «وصول أعداد كبيرة من الأشخاص الذين كان هدفهم الوحيد ارتكاب السرقات والنهب، مستغلين الاضطراب لتنفيذ أفعالهم».
وقبيل تصويت حاسم على مشروع الموازنة، تتقاطع ضغوط الشارع مع حسابات المستثمرين: المحتجون يريدون موارد أكبر للمدارس والحياة اليومية، والأسواق تترقب خطة مقنعة لكبح العجز. وبين المطلبين، تضيق مساحة المناورة أمام حكومة تحتاج إلى استعادة الهدوء والثقة معاً.
وهكذا، تتداخل في المشهد الفرنسي الراهن أزمات معيشية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة، تفجرت شرارتها الأولى من مقاعد الدراسة لتتحول إلى احتجاجات عارمة واجهتها السلطات بحزم أمني مكثف، في وقت تكافح فيه الحكومة لتمرير موازنة حساسة وسط ضغوط الأسواق المالية وتصاعد الاستقطاب السياسي.
1. من صرخة المدارس إلى الشارع الواسع