أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
أخبار

فرنسا تحت وقع الصدمة.. 4 نقاط تفسّر تصاعد الاحتجاجات

فرنسا تحت وقع الصدمة.. 4 نقاط تفسّر تصاعد الاحتجاجات
توقيف أكثر من 1800 شخص على خلفية احتجاجات السبت في فرنسا ( منصة إكس)

خيّمت الصدمة على فرنسا صباح الأحد، بعدما استيقظ السكان على شوارع تناثر فيها الزجاج المحطم، وصور لمبانٍ حكومية التهمتها النيران، إثر انزلاق أكبر تظاهرات تشهدها البلاد منذ سنوات إلى أعمال شغب ونهب.

وألحقت اضطرابات السبت أضراراً واسعة بعدد من رموز الدولة، بينها مبنى بلدية يعود إلى القرن التاسع عشر في ليموج، المدينة الواقعة بوسط فرنسا والمشهورة بصناعة الخزف، وقد دُمّر معظمه في حريق متعمد ليلاً.

وهاجم محتجون مباني بلديات، من ليل شمالاً إلى مرسيليا جنوباً، حيث اقتحم متسللون ملثمون مقر البلدية وأسقطوا تمثالاً نصفياً لماريان، رمز الجمهورية الفرنسية. كما دمرت النيران مكتباً للسياحة في ليون.

وأعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز توقيف أكثر من 1800 شخص على خلفية احتجاجات السبت في فرنسا.

وقال نونيز، في منشور على منصة إكس، إن «الجمهورية لن ترضخ ولن تقدم أي تنازل لمن يسعون إلى فرض الفوضى والعنف»، مشيراً إلى إصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة والدرك والإطفاء خلال التظاهرات. وأضاف أن «الأضرار المادية جسيمة»، مشيراً إلى المتاجر المتضررة.

وحمّل المسؤولية لآلاف المحتجين المنتمين، بحسب وصفه، إلى «اليسار المتطرف»، إلى جانب «مجرمين نهبوا وخربوا» مباني في أنحاء فرنسا.

محتجون مباني بلديات، من ليل شمالاً إلى مرسيليا جنوباً
محتجون هاجموا مباني بلديات، من ليل شمالاً إلى مرسيليا جنوباً ( منصة إكس)

الحكومة تتهم «فرنسا الأبية»

حمّل رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو حزب «فرنسا الأبية»، المنتمي إلى اليسار المتطرف، المسؤولية المباشرة عن الفوضى. ويحظى زعيم الحزب جان لوك ميلانشون بفرصة لبلوغ الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية العام المقبل، لاختيار خلف للرئيس إيمانويل ماكرون.


واتهم لوكورنو قادة الحزب بزرع انعدام الثقة في الشرطة بين الطلاب المحتجين طوال الأسبوع. وقال أيضاً إن معلومات استخباراتية تشير إلى أن أوائل المشاركين في أعمال الشغب، الذين بدأوا مهاجمة شرطة مكافحة الشغب والمباني الحكومية قبل الموعد المحدد لانطلاق التظاهرات الرسمية، كانوا من المنتمين إلى «اليسار الراديكالي المتشدد».

وقال لوكورنو: «من الواضح أن وراء كل ذلك معركة سياسية ينبغي خوضها»، مضيفاً أن البلاد بلغت «نقطة اللاعودة».

وتابع: «حان أيضاً وقت اختيار المعسكر. فإما أن تكون في صف الجمهورية، وبالتالي في صف قوات إنفاذ القانون، ومن يحمون الأشخاص والممتلكات ويطبقون القوانين، وإما أن تكون في صف مثيري الشغب».

ميلانشون يحمّل الحكومة المسؤولية

رداً على ذلك، حمّل ميلانشون الحكومة المسؤولية. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي إن لوكورنو «مسؤول عن الفوضى»، سواء بسبب «عدم الكفاءة، أو اتباع استراتيجية تدفع الأوضاع إلى الأسوأ لتشكيل معسكر يرفع شعار النظام، ويُنسي الناس إخفاقه في إدارة المالية العامة».

ولم يرد لوكورنو على هذا الاتهام، لكنه كان قد دعا ميلانشون في وقت سابق إلى إدانة مرتكبي النهب والعنف صراحةً.

وكان ميلانشون قد أدان العنف مع إبداء تحفظات، قائلاً إن «من يشاركوننا نضالنا لا مكان لهم في أعمال النهب والسلب».

وأضاف مساء السبت أنه، بصرف النظر عن «مسؤوليات من هم في السلطة»، يتعين على اليسار «رفض المشاركة في أفعال تفتقر إلى معنى سياسي وتتعارض مع أساليبنا».

مسيرات سلمية ومواجهات في المشهد نفسه

كان منظمو الاحتجاجات يأملون أن تحقق تظاهرات السبت تقارباً بين الحركة الطلابية التي تهز فرنسا منذ سبتمبر/أيلول، مطالبةً بتحسين أوضاع المدارس، وحركة اجتماعية أوسع تتناول قضايا متعددة، بينها ارتفاع تكاليف المعيشة.

لكن ما ظهر بدا كأنه مشهدان متوازيان؛ مسيرات سلمية في جزء من المدينة، ومجموعات ترتدي ملابس سوداء تشتبك مع الشرطة وتتسبب في أضرار بمناطق أخرى.

ومع تدهور الأوضاع، انضم أشخاص استغلوا الفوضى لارتكاب أعمال شغب، بحسب مسؤولين حكوميين.

وفي باريس، قالت الشرطة إنها واجهت في البداية «مسيرات غير معلنة» ومجموعات عنيفة يتراوح عدد أفرادها بين 500 وألف شخص.

وأضافت مديرية شرطة باريس، في بيان صباح الأحد، أن الوضع تغير في أواخر فترة ما بعد الظهر، مع «وصول أعداد كبيرة من الأشخاص الذين كان هدفهم الوحيد ارتكاب السرقات والنهب، مستغلين الاضطراب لتنفيذ أفعالهم».

وقبيل تصويت حاسم على مشروع الموازنة، تتقاطع ضغوط الشارع مع حسابات المستثمرين: المحتجون يريدون موارد أكبر للمدارس والحياة اليومية، والأسواق تترقب خطة مقنعة لكبح العجز. وبين المطلبين، تضيق مساحة المناورة أمام حكومة تحتاج إلى استعادة الهدوء والثقة معاً.

وهكذا، تتداخل في المشهد الفرنسي الراهن أزمات معيشية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة، تفجرت شرارتها الأولى من مقاعد الدراسة لتتحول إلى احتجاجات عارمة واجهتها السلطات بحزم أمني مكثف، في وقت تكافح فيه الحكومة لتمرير موازنة حساسة وسط ضغوط الأسواق المالية وتصاعد الاستقطاب السياسي.

فيما يلي أربع نقاط تفسّر اتساع الاحتجاجات في فرنسا وتصاعد أعمال العنف:

1. من صرخة المدارس إلى الشارع الواسع

لم تبدأ الاحتجاجات الفرنسية الأخيرة في أسواق المال أو قاعات البرلمان، بل انطلقت جذوتها من فصول دراسية في الضواحي الأقل ثراءً، حيث خرج الطلاب على مدى نحو شهر كامل في أكثر من 40 مدينة احتجاجاً على ما يعدونه نقصاً مزمناً في تمويل التعليم العام. وشملت شكاواهم غياب المعلمين المتكرر، وتهالك قاعات الدراسة، وضعف تجهيز المباني لمواجهة موجات الحر الشديدة.
لكن المطالب التي خرجت من أسوار المدارس التقت سريعاً باستياء أوسع نطاقاً يشمل غلاء المعيشة، وتراجع جودة الخدمات العامة، وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية. ومع انضمام عمال ونقابيين وناشطين من حركة «السترات الصفراء» إلى الحراك، اتسعت رقعة التظاهرات لتتحول من أزمة قطاعية محددة إلى احتجاج اجتماعي شامل يعكس تآكل القدرة الشرائية للأسر. وقدرت وزارة الداخلية أعداد المشاركين بنحو 550 ألف شخص في أنحاء البلاد، بينما ذهبت نقابة «سي جي تي» إلى أن العدد بلغ 800 ألف، مما يعكس اتساع التعبئة الشعبية ورسائل الغضب الموجهة ضد السياسات الحكومية.

2. الفوضى الأمنية: بين التظاهر السلمي وأعمال التخريب

وبينما سارت مئات الآلاف من الأصوات في مسيرات سلمية، انحرفت مجموعات عن المسار لتشعل موجة من العنف والنهب والتخريب غير المسبوقة في باريس ومدن كبرى أخرى مثل مرسيليا ونيس ونانت وبوردو وليل. استهدفت أعمال النهب متاجر الهواتف المحمولة والملابس ومحال السلع الفاخرة، إضافة إلى متاجر المواد الغذائية الكبرى، فضلاً عن الاعتداء على مبانٍ عامة وإضرام النيران في بعضها، مثلما حدث في برج جرس بلدية ليموج الذي انهار وسط النيران.
وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، في منشور على منصة «إكس»، توقيف أكثر من 1800 شخص على خلفية الاحتجاجات العنيفة، مؤكداً أن «الجمهورية لن ترضخ ولن تقدم أي تنازل لمن يسعون إلى فرض الفوضى والعنف». وأشار نونيز إلى إصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة والدرك والإطفاء، مححملاً المسؤولية لآلاف المحتجين المنتمين إلى «اليسار المتطرف» وإلى «مجرمين نهبوا وخربوا».
من جانبه، أدان رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أعمال التخريب، بينما تعهد الرئيس إيمانويل ماكرون بملاحقة المتورطين ومعاقبتهم قضائياً. وفي القطاع الخاص، حذر الرئيس التنفيذي لشركة «لاكوست»، تييري غيبير، من أن نهب المتاجر يعرّض سنوات من العمل ووظائف الآلاف للخطر، مبيناً أن الكلفة المباشرة تتجاوز الواجهات المحطمة لتطال استقرار العمال ومصادر رزقهم.

3. المعضلة المالية وضغوط الأسواق والدين العام

تتزامن هذه الاضطرابات مع اختبار اقتصادي بالغ الدقة؛ حيث يقترب موعد التصويت الحاسم في الجمعية الوطنية على موازنة عام 2027 التي تقترحها الحكومة بهدف خفض العجز من 5.4% إلى 5%. يأتي ذلك في وقت بلغ فيه الدين العام الفرنسي نحو 119% من الناتج المحلي الإجمالي، مما أدى إلى دفع عوائد السندات نحو أعلى مستوياتها منذ 24 عاماً، مطلقةً إشارات تحذير لم تُشهد منذ أزمة ديون منطقة اليورو عام 2011.
وعلى وقع تراجع ثقة الأسواق والمستثمرين في استعداد الأطراف السياسية لاتخاذ الخطوات الإصلاحية المؤلمة، حذر محللون اقتصاديون، مثل مجتبى رحمن من مجموعة «أوراسيا»، من أن فرنسا تقف على «حافة الهاوية»، مشيرين إلى احتمال قفزة في كلفة خدمة الدين إذا أخفقت الحكومة في تمرير موازنتها، وهو ما يضع الدولة أمام دائرة ضغط لا تنتهي: فالاستياء من تردي الخدمات يرفع المطالب بالإنفاق، بينما يجعل القلق المالي من عجز الموازنة تمويل هذه المطالب أمراً بالغ الصعوبة.

4. اختبار البرلمان ومستقبل التسوية السياسية

تتحول هذه الأزمة إلى اختبار حقيقي للنظام السياسي والبرلماني مع تصدر مرشحين من اليمين واليسار المتطرفين للمشهد السياسي واستعداد البلاد لانتخابات رئاسية في الربيع المقبل. فالمعركة السياسية لم تعد تقتصر على تمرير الأرقام داخل الجمعية الوطنية، بل تمتد لتشمل صراعاً على تفسير الاحتجاجات وتحديد المسؤوليات؛ فبينما تحمّل الحكومة قوى متشددة مسؤولية العنف، تنتقد المعارضة الإدارة الأمنية وتطالب بمعالجة جذرية لأسباب الغضب الاجتماعي.
إن التحدي الأكبر الذي تواجه أروقة صنع القرار في فرنسا هو صياغة تسوية سياسية ومالية متوازنة؛ تسوية تكفي لإقناع الأسر والأجيال الشابة بأن الخدمات العامة قادرة على التحسن، وتطمئن في الوقت ذاته الأسواق والمستثمرين بأن المالية العامة تسير نحو الاستدامة. وبين غضب الشارع وضغوط الأسواق، تقف فرنسا أمام مفترق طرق حاسم يحدد قدرة مؤسساتها على استعادة الثقة والاستقرار.
كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

احتجاجات الطلاب تتسع في فرنسا.. ماذا يريدون؟
جولة الصحافة

احتجاجات الطلاب تتسع في فرنسا.. ماذا يريدون؟

تواجه الحكومة الفرنسية حركة احتجاجية يقودها طلاب المدارس الثانوية، للمطالبة بتحسين ظروف التعليم، بدأت تستقطب طلاب الجامعات والمعلمين والنقابات وأولياء الأمور. وبين مطالب زيادة…

منذ 2 weeks أوج24
اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.