أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
اقتصاد

مع انخفاض قيمة الدينار.. ماذا تبقّى على موائد العراقيين؟

مع انخفاض قيمة الدينار.. ماذا تبقّى على موائد العراقيين؟
عائلات عراقية تواجه صعوبة في تأمين الغذاء والدواء (أوج24)

بغداد- صفاء العميد  

“اضطررنا لإلغاء اللحوم والدجاج كلياً من قائمة طعامنا والاكتفاء بالأساسيات:، تقول أم مريم الموظفة في إحدى دوائر الدولة لأوج24، موضحةً أن علبة الدواء وحدها تستهلك نصف المبلغ الذي تخصصه لمصروف البيت أسبوعياً.

تتقاضى أم مريم راتباً شهرياً قدره 500 ألف دينار (ما يعادل نحو 380 دولاراً بالسعر الرسمي، وينخفض إلى نحو 270 دولاراً بقيمة السوق الموازية)، ومع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، تقول إن هذا المبلغ يشتري احتياجات أقل، لتجد نفسها أمام حسابات أشد صعوبة: ما الذي يمكن الاستغناء عنه، وما الذي لا يحتمل التأجيل؟

وتطلب أم مريم الاكتفاء بكنيتها خشية تعرضها للمساءلة الإدارية بحكم عملها. وفي وصفها لأثر ارتفاع الدولار وغلاء الأسعار على حياتها، تقول إن راتبها بات أشبه بسراب؛ تنتظر وصوله، ثم يتبدد بين الطعام والدواء قبل أن ينتهي الشهر.

اختفت اللحوم والدجاج من مائدة أم مريم، لكن ما وفّرته بالاستغناء عنهما لم يُنهِ ضيق ميزانية البيت؛ فثمن علبة دواء واحدة لأطفالها يصل إلى 65 ألف دينار، ويستنزف أكثر من عُشر راتبها الشهري.

ولا تختلف معاناة أبو حيدر كثيراً عن أم مريم؛ فما يتبقى من دخله لا يتسع لكل الضروريات. يمسك الرجل البالغ من العمر 44 عاماً بورقة صغيرة دوّن عليها أسعار الحليب والدقيق وأدوية والده المسن.

في منطقة الشعب ببغداد، يعيش الرجل على نحو 25 ألف دينار يجنيها في يوم العمل. وإذا وجد عملاً لستة أيام متواصلة، يصل دخله الأسبوعي إلى 150 ألف دينار. لكن احتياجات البيت لا تنتظر انتظام العمل.

يقول لأوج24: «اليوم، ما أجنيه في أسبوع كامل يتبخر في يومين فقط لشراء المتطلبات الأساسية».

ويروي معاناته قائلا “أعمل طوال النهار لأحصل على أجر كان يكفينا شهراً كاملاً قبل أزمة ارتفاع الدولار. دكان الحي رفض إعطائي بالدين لارتفاع أسعار البضائع عند التجار الكبار في سوق البيع بالجملة في منطقة الشورجة، وأصبحنا عاجزين عن توفير أبسط وجبة طعام للأطفال”.

على غرار أم مريم وأبو حيدر، تجد العائلات العراقية نفسها أمام إشكالية حادة: تآكل قسري للقدرة الشرائية تحول معه الدخل الثابت إلى عاجز عن تأمين السلة الغذائية والعلاج الأساسي، مما يدفع الأسر نحو التقشف واستدامة القوت اليومي.”

كيف يصل الدولار إلى مائدة الأسرة؟

لا تحتاج هذه الأسر إلى شراء الدولار مباشرة حتى تتأثر بارتفاعه. فالسلع المستوردة تحمل كلفة تدبير العملة الأجنبية إلى السوق المحلية، ثم إلى المستهلك الذي يتقاضى دخله بالدينار.

وشهد سعر الصرف الرسمي تعديلاً في أكتوبر/تشرين الأول 2026، ليصبح سعر بيع الدولار للجمهور 1520 ديناراً، بدلاً من 1320 ديناراً. وأكد البنك المركزي تنفيذ طلبات التحويل الخارجي المقدمة قبل السابع من الشهر بالسعر السابق، من دون تكاليف إضافية.

لكن سعر الصرف وحده لا يفسر كل اختلاف في أسعار السلع. فكلفة الاستيراد والنقل والتخزين، وطريقة تمويل التجارة، وهوامش الربح والمنافسة، كلها تدخل في السعر الذي يدفعه المستهلك.

ولهذا، فإن قياس أثر الدولار يحتاج إلى تتبع السلع وتكاليفها الفعلية، والتمييز بين زيادة ترتبط بالكلفة وأخرى تستغل تقلب السوق.

أما بالنسبة إلى الأسر التي تحدثت إلى أوج24، فالنتيجة التي تلمسها أبسط من تلك الحسابات: مبالغ كانت تشتري احتياجات أكثر، باتت تنفد أمام قائمة أقصر.

ساعات أطول.. ومستقبل مؤجل

في حي العامل ببغداد، يحاول سيف أحمد تعويض ضيق الدخل بإطالة يوم العمل.

الشاب البالغ من العمر 26 عاماً، والحاصل على شهادة جامعية، يعمل سائق أجرة على سيارة مستأجرة، يدفع مقابلها 30 ألف دينار يومياً. وبعد نفقات العمل، يقول إن صافي ما يتبقى له لا يتجاوز 15 ألف دينار.

«أعمل على سيارة أجرة مستأجرة منذ الصباح حتى منتصف الليل»، يقول سيف، موضحاً أن ارتفاع تكاليف الصيانة وقطع الغيار يزيد صعوبة تحسين دخله.

لكل يوم حساباته: بدل السيارة أولاً، ثم تكاليف تشغيلها، وما يبقى يذهب إلى احتياجات أسرته. ومع امتداد ساعات القيادة، يظل الاستقرار الذي يبحث عنه بعيداً.

يقول إنه يعود إلى المنزل عاجزاً عن التفكير في الزواج أو التخطيط للمستقبل.

عند سيف، يتجاوز أثر الغلاء ما يشتريه اليوم إلى ما يؤجله من حياته. وعند أم مريم، يظهر في طعام اختفى من المائدة. أما أبو حيدر، فيواجهه في قائمة أساسيات لم يعد أجره يكفي لتغطيتها.

داغر: السوق العراقية متروكة بالكامل بلا رقابة صارمة أو رادع حقيقي
داغر: السوق العراقية متروكة بالكامل بلا رقابة صارمة أو رادع حقيقي (أوج 24)

فوضى وغياب الرقابة

تتحمل الجهات الرقابية والدوائر الاقتصادية والحكومية مسؤولية كبرى عما تشهده الأسواق المحلية من فوضى وعشوائية عارمة في تسعير السلع والخدمات.

ويبرز تساؤل ملح لا يجد إجابة شافية: لماذا تتفاوت أسعار السلع الغذائية والأساسية بهذه العشوائية المفزعة بين منطقة وأخرى، وأين الآليات الرقابية الفعلية لحماية القدرة الشرائية للمواطن المهدد في قوته اليومي؟

يشير الخبير الاقتصادي محمود داغر إلى أن “السوق العراقية متروكة بالكامل بلا رقابة صارمة أو رادع حقيقي، وأن الإجراءات الحكومية تقتصر حصراً على التصريحات الإعلامية للاستهلاك المحلي دون تطبيق أدوات قانونية حقيقية ضد المتلاعبين بلقمة العيش”.

ويوضح داغر  لأوج 24 تفاصيل هذا التخبط النقدي عبر ثلاثة أسباب رئيسية:

  • الارتفاع المستمر في سعر الدولار بالسوق الموازية يعود إلى عمليات تهريب منظمة وغياب المنصات الإلكترونية الفاعلة للسيطرة الحقيقية على نافذة بيع العملة.

  • سيطرة شبكات احتكار تجارية كبرى ترتبط بجهات سياسية متنفذة تفرض أسعارها دون رادع.

  • ترك مناخ الأسواق موبوءاً بالتجارة الطفيلية التي تنعكس فوراً وبشكل كارثي على جيب المواطن، بينما تقف الجهات الحكومية مكتوفة الأيدي عاجزة أو متواطئة عن ضبط إيقاع الأسواق وحماية الاستقرار المعيشي.

حقوق معطلة وحماية تُقاس بما يصل إلى البيوت

من الناحية المهنية والنفسية، يرى الأكاديميون وعلماء النفس أن استمرار هذا الضغط المعيشي الخانق يولد حالة عميقة من الاحتقان المجتمعي واليأس الجمعي الخطير.

فالأسر العراقية لم تعد تملك ترف التفكير بالمستقبل أو التخطيط له، بل تحول جلّ همها اليومي إلى تأمين وجبة الطعام القادمة لأطفالها. هذا التوتر والقلق الدائم يفكك الروابط الاجتماعية الأسرية ويزيد بشكل ملحوظ من معدلات الجريمة والبطالة والانحراف، وسط غياب تام لأي خطط دعم حكومية حقيقية وفاعلة تستهدف الطبقات الهشة والوسطى التي تمثل صمام الأمان الحقيقي للمجتمع.

أما على الصعيد القانوني والحقوقي، فتؤكد النصوص الدستورية العراقية المنشورة عبر مجلس القضاء الأعلى في العراق بوضوح تام مسؤولية الدولة المباشرة عن كفالة الأمن الاقتصادي والاجتماعي لكل المواطنين دون استثناء؛

حيث تنص المادة (30) من الدستور العراقي صراحة على أن:

(أولاً: تكفل الدولة للفرد وللأسرة -وبخاصة الطفل والمرأة- الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرة كريمة، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم.

ثانياً: تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتيم أو البطالة).

فضلاً عن قانون حماية المستهلك رقم (1) لسنة 2010 المنشور عبر مجلس القضاء الأعلى في العراق، وتحديداً المادة (6) والمادة (10) اللتين تحظران الاحتكار، والتلاعب بالأسعار، وحجب السلع الأساسية عن المواطنين.

وفي هذا السياق، يوضح الباحث القانوني حميد الساعدي لأوج 24 أن “الدستور العراقي يلزم الدولة صراحة بتوفير حياة حرة كريمة لكل مواطن، وتحقيق التنمية الاقتصادية العادلة، ومنع الاحتكار. لكن ما يحدث اليوم من ترك المواطن يواجه وحيداً طاحونة التضخم وغياب الرقابة هو خرق دستوري وقانوني فاضح لتلك الالتزامات.

القوانين الخاصة بحماية المستهلك ومكافحة التلاعب التجاري موجودة حبراً على ورق في رفوف البرلمان والوزارات، لكنها معطلة تماماً في التطبيق العملي على الأرض، مما يجعل المواطن بلا غطاء قانوني يحميه من جشع الأسواق وشبكات استغلال الأزمات”.

الزيدي أمام البرلمان تحمّله مسؤولية رفع سعر صرف الدولار
الزيدي أعلن  أمام البرلمان تحمّله مسؤولية رفع سعر صرف الدولار ( وكالة الأنباء العراقية)

مكاشفة القرار الحكومي
أعلن رئيس الوزراء علي الزيدي أمام البرلمان تحمّله مسؤولية رفع سعر صرف الدولار، مؤكداً أن القرار نهائي، ومبرراً الخطوة بالحد من المضاربة وتهريب العملة وتعزيز موارد الخزينة.

ولتخفيف تداعياتها، أعلنت الحكومة تأجيل الرسوم الجمركية والضريبية على المواد الغذائية والسلع الأساسية، والتزامها بحماية رواتب الموظفين والمتقاعدين.

لكن الخبير الاقتصادي محمود داغر يرى أن تعديل سعر الصرف دون حماية اجتماعية فورية يحمّل محدودي الدخل كلفة ارتفاع الأسعار، مشدداً على ضرورة ربط الإصلاح المالي بإنعاش الإنتاج المحلي ومكافحة الفساد.

من يحمي كرامة العراقيين؟
وتكشف قصص الأسر الثلاث اختلاف أشكال الحماية المطلوبة. فأبو حيدر يحتاج إلى دخل أكثر انتظاماً وسند في أيام انقطاع العمل، وأم مريم إلى قدرة على تحمل نفقات العلاج والغذاء، وسيف إلى فرصة تمنحه مردوداً يتناسب مع ساعات عمله وتتيح له بناء مستقبله.

​حين تفقد الرواتب قيمتها وتتحول لقمة العيش إلى عبء ثقيل، يبقى السؤال الأثقل معلقاً: من يحمي كرامة العراقيين من طاحونة التضخم وغياب الرقابة؟

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.