بين زها حديد وأنطونيو غاودي.. كيف تحول المعماري إلى علامة عالمية؟

يونيو 15, 2026
96

سمعان مجيد/ أكاديمي عراقي ورئيس قسم هندسة العمارة – جامعة ديالى

قبل أكثر من شهرين، حلت الذكرى العاشرة لرحيل أيقونة العمارة المعاصرة زها حديد، وقبل أيام قليلة حلت الذكرى المئوية لوفاة رائد عمارة الآرت نوفو، المعماري الكاتالوني أنطونيو غاودي.

وبين هذين التاريخين، وجدت نفسي أتوقف أمام مفارقة إنسانية ومهنية لا تتعلق فقط بعظمة أعمالهما أو مكانتهما في تاريخ العمارة، بل بالموت الهادئ لشيخ العمارة الكاتالونية “أنطونيو غاودي” تحت عجلات ترام في برشلونة، والرحيل المدوي لأيقونة الحداثة “زها حديد” في مصحة أميركية فاخرة.

من الصعب العثور في سجلات الإبداع البشري على شخصيتين تجمعهما هذه الروابط الجمالية الوثيقة مثل غاودي وزها حديد. كلاهما صاغ لغة بصرية استثنائية عصية على التقليد، وكلاهما أعلن التمرد الكامل على الأنماط السائدة في عصره.

لقد اتخذ المعماريان من الطبيعة مرجعية عليا للتكوين، وحوّلا “الخط المنحني” والكتلة العضوية اللينة إلى أداة طيعة لكسر جمود الخطوط المستقيمة، وإن تباينت الأدوات التقنية والمرجعيات الفكرية التي قادت كلاً منهما إلى النتيجة ذاتها. غير أن هذا التماهي في البدايات والأساليب، افترق بصورة درامية ومثيرة عند خط النهاية.

مجهول في مشفى الفقراء: مشهد غاودي الأخير

في صباح اعتيادي من صيف عام 1926، كان أنطونيو غاودي—ذلك الشيخ السبعيني الزاهد—يشق طريقه سيراً على الأقدام نحو مشروعه الأعظم، كنيسة “ساغرادا فاميليا” (العائلة المقدسة) في برشلونة. لم يكن يرافقه مساعدون، ولا حراس، ولا ومضات كاميرات الصحافة. كان رجلاً رث المظهر، متقشف الملبس، ومستغرقاً بالكامل في عالمه الروحي والمعماري.

وفي لحظة خاطفة، صدمته عربة ترام في أحد شوارع المدينة التي وهبها حياته. تجمّع المارة حول جسده النحيل، لكن أحداً لم يتعرف عليه؛ لم يكن يحمل أوراقاً ثبوتية، ولم يوحِ مظهره المتواضع بأنه أحد أعظم عقليات أوروبا المعمارية.

نُقِل غاودي إلى مستشفى عام للمتشردين والفقراء باعتباره “مجهول الهوية”، وظل هناك لساعات طوال قبل أن يكتشف أحد الأصدقاء بالصدفة أن الرجل الممدد على فراش بائس ليس سوى العبقري الذي صاغ هوية برشلونة، والذي ستصبح كنيسته لاحقاً أحد أكثر معالم الأرض جذباً للسياحة والاستثمار.

مفارقة العصر: أن يموت أحد أعظم معماريي القرن العشرين نكرة وسط الفقراء، في مشهد يبدو اليوم لجيل “التواصل الاجتماعي” ضرباً من الخيال الاستثنائي.

زلزال إعلامي عابر للقارات: رحيل زها حديد

على الطرف النقيض من خط الزمن، وبعد تسعة عقود تقريباً، كُتِب المشهد الأخير لزها حديد بصيغة مختلفة تماماً.

في عام 2016، غيب الموت المفاجئ المعمارية العراقية البريطانية في أحد أفخم مستشفيات الولايات المتحدة، بعيداً عن بغداد التي منحتها الطموح، ولندن التي صنعت فيها مجدها المهني.

وما إن تسرب الخبر، حتى اهتزت المنصات الإعلامية وشاشات التلفزة عبر القارات الخمس. تسابقت كبريات الصحف العالمية والمؤسسات الثقافية لاستعراض سيرتها، وصدرت بيانات النعي الرسمية من قادة الدول وصناع القرار، في مشهد وداع تراجيدي لا يحظى به عادةً سوى الرموز السياسية الكبرى أو نجوم السينما العالميين. خلال دقائق معدودة، كان العالم بأسره يعلم أن “ملكة المنحنيات” قد ترجلت.

من الحرفة إلى البورصة: كيف تغيرت اللعبة؟

بين معمارٍ قضى نحبه نكرة في طريقه إلى ورشته، ومعماريةٍ شغل رحيلها الفضاء السيبراني العالمي، تكمن الحكاية الحقيقية لمهنة العمارة؛ حكاية التحول من “المحلية” إلى “العولمة”.

  • عصر غاودي (العمارة كرسالة محلية): كانت المهنة نتاجاً مباشراً للبيئة المحيطة. يُقاس المعماري بما يضيفه إلى نسيج مدينته الاجتماعي والثقافي. كانت المباني أطول عمراً وأكثر شهرة من مصمميها، وكان المعماري “بَنّاءً خلف الستار”، لا نجماً معزولاً فوق خشبة المسرح.

  • عصر زها حديد (العمارة كصناعة عابرة للحدود): تحولت المدن الحديثة إلى أسواق استثمارية تتنافس على استقطاب “الأسماء الرنانة”. لم يعد اسم المعماري مجرد توقيع على مخطط هندسي، بل أضحى أصلاً اقتصادياً يرفع من القيمة السوقية للمشروع، ويجذب الرساميل، ويصنع الهوية البصرية للمدن الساعية وراء الضوء.

ظاهرة “المعماري النجم”
من هذا المخاض الرأسمالي، وُلدت ظاهرة “المعماري النجم” أو Star Architect، حيث أصبح الحضور الإعلامي جزءاً من المشروع المهني، وصارت السيرة الشخصية والشهرة الدولية عناصر لا تقل تأثيراً عن الأفكار التصميمية نفسها.

ولعل هذا التحول هو ما أغرى أعداداً كبيرة من الشباب بدراسة العمارة خلال العقود الأخيرة. فقد ارتبطت المهنة في المخيلة العامة بالنجومية والظهور الإعلامي والنجاح المالي والسفر حول العالم، رغم أن الواقع المهني أكثر تعقيداً وقسوة مما توحي به هذه الصورة اللامعة.

وفي الوقت نفسه، أصبحت العمارة أقل ارتباطاً بالمكان وأكثر ارتباطاً بالسوق العالمية. وسهلت الثورة الرقمية انتقال الأفكار والصور والمشاريع عبر القارات بسرعة غير مسبوقة، فتحول كثير من المعماريين إلى مواطنين عالميين أكثر منهم أبناء لمدن أو أوطان محددة، وأصبحت أعمالهم قابلة للانتقال حيثما توجد الفرص والأسواق الأكثر جذباً.

وهكذا أخذت العمارة، شيئاً فشيئاً، تبتعد عن صورتها التقليدية بوصفها ممارسة متجذرة في المكان، لتقترب أكثر من عالم الموضة والثقافة الاستهلاكية والصناعات الإبداعية العالمية.

وبين غاودي الذي عاش ومات في المدينة نفسها التي أحبها وأعاد تشكيل هويتها العمرانية، وبين زها حديد التي جابت أعمالها العالم وتحولت إلى رمز يتجاوز الحدود والجغرافيا، تتجسد واحدة من أهم التحولات الفكرية والاجتماعية في تاريخ العمارة الحديث.

زمن الصانع وزمن “البراند”

لقد تشابهت الأساليب إلى حد بعيد؛ فكلاهما احتفى بالطبيعة، وآمن بالمنحنى، وأعاد تعريف الممكن في عصره.
وفي المحصلة، لم يكن الفارق بين نهايتي غاودي وزها حديد فارقاً بين رجل وامرأة، ولا بين ثقافة برشلونة وحداثة لندن؛ بل كان فجوة عميقة بين زمنين وفلسفتين:

  • الزمن الأول: كان المعماري فيه صانعاً مخلصاً للمكان، يذوب في تفاصيله حتى الغياب.

  • الزمن الثاني: أصبح المعماري فيه هو الحدث، وهو الصورة، وهو “البراند” الذي يمنح المكان شرعيته العالمية.

ولعل دراما النهايتين لا تخبرنا فقط كيف مات غاودي أو كيف رحلت زها حديد، بل تخبرنا كيف تغيرت العمارة، وكيف تبدلت صورة المعماري، وكيف انتقلت المهنة خلال قرن واحد من عالم الحرفة والرسالة إلى فضاء النجومية والعلامة الشخصية والعولمة الثقافية.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

شيكاغو تظل مدينة الأكتاف العريضة التي تبني، وتعمل، وتغني، دون أن تلتفت إلى الوراء (أوج 24)

من “البصل البري” إلى عاصمة العمارة.. لماذا تعد شيكاغو قلب أميركا الحقيقي؟

قلعة لم تُبنَ فقط للحرب، بل أيضاً لتخليد الحزن، وصناعة مستقبل جديد (غيت يور غايد)

من مأساة ملكية إلى تحفة عالمية.. أسرار قلعة هواسونغ الكورية

بادوفا تبعد نحو نصف ساعة فقط عن الضاحية البرية للبندقية (آنسبلاش)

إيطاليا كما لا تعرفها… مدن مخفية وأسرار محلية

العمارة لم تعد تُبنى لتُستبدل… بل لتبقى وتُورَّث (يانكو ديزاين)

5 اتجاهات معمارية في 2026… مبانٍ تُصمَّم لتبقى

زها حديد ملكة المنحنيات التي كسرت القواعد (ذكاء اصطناعي)

زها حديد… كيف غيّرت معمارية عراقية وجه العالم؟

اترك تعليقاً