من مأساة ملكية إلى تحفة عالمية.. أسرار قلعة هواسونغ الكورية

مايو 28, 2026
85

قلعة لم تُبنَ فقط للحرب، بل أيضاً لتخليد الحزن، وصناعة مستقبل جديد (غيت يور غايد)

في مدينة سوون الكورية الجنوبية، وعلى بعد أقل من ساعة من صخب العاصمة سول، تقف قلعة هواسونغ كأنها صفحة حجرية مفتوحة من تاريخ كوريا المضطرب.

الأسوار الطويلة التي تعانق التلال والسهول، والأبراج التي كانت تراقب الأفق قبل أكثر من قرنين، لا تحكي فقط قصة حصن عسكري، بل تروي أيضاً حكاية ملك حاول أن يبني مدينة جديدة فوق جراح عائلية وصراعات سياسية هزّت البلاط الملكي.

لم تكن هواسونغ مجرد مشروع دفاعي ضخم في أواخر القرن الثامن عشر، بل كانت حلماً سياسياً وإنسانياً للملك جونغجو، أحد أكثر ملوك سلالة جوسون طموحاً وإصلاحاً. أراد الملك أن يحوّل مدينة سوون إلى مركز جديد أكثر ازدهاراً واستقلالاً عن الصراعات الحادة داخل العاصمة سول، وفي الوقت ذاته أن يكرّم ذكرى والده الأمير سادو، الذي قُتل بطريقة مأساوية بعدما أُغلق عليه حيّاً داخل صندوق أرز بأمر من والده الملك يونغجو.

قلعة ولدت من السياسة والمأساة

تقع قلعة هواسونغ في قلب مدينة سوون التابعة لمقاطعة غيونغي، وتحيط بمساحة واسعة من المدينة القديمة بأسوار تمتد لنحو 5.74 كيلومترات. وقد شُيّدت بين عامي 1794 و1796 بأمر مباشر من الملك جونغجو، الذي أراد إنشاء قاعدة سياسية جديدة بعيداً عن نفوذ النخب المتصارعة في البلاط الملكي.

وكان موقع سوون يُنظر إليه باعتباره استراتيجياً، إذ يربط العاصمة سيول بالبحر الأصفر والصين، ما جعل الملك يعتقد أن المدينة تملك مقومات التحول إلى عاصمة جديدة أكثر قوة وازدهاراً. ولتشجيع السكان على الانتقال إليها، قدّمت الدولة حوافز مالية وإعفاءات ضريبية استمرت عشر سنوات، إضافة إلى تنفيذ مشاريع للبنية التحتية والتعليم.

لكن خلف هذا المشروع الطموح، كانت هناك أيضاً رغبة شخصية عميقة لدى الملك جونغجو في تخليد ذكرى والده الأمير سادو، الذي تحوّل موته المأساوي إلى واحدة من أكثر القصص إيلاماً في التاريخ الكوري.

هندسة سبقت عصرها

تميّزت هواسونغ عن القلاع التقليدية في شرق آسيا بأنها جمعت بين الوظائف العسكرية والإدارية والتجارية داخل تصميم واحد. فبدلاً من الاكتفاء بسور دفاعي منفصل عن المدينة، صُممت القلعة لتكون مدينة محصّنة متكاملة.

وتضم القلعة أربع بوابات رئيسية عند الجهات الأربع، أبرزها بوابتا “بالدالمون” الجنوبية و”جانغانمون” الشمالية، وهما مبنيتان من الخشب فوق قواعد حجرية ضخمة ومحاطتان بتحصينات نصف دائرية من الطوب الأحمر.

كما تحتوي القلعة على أبراج مراقبة، ومنصات لإطلاق السهام، وحصون للأسلحة النارية، وبوابات سرية للعمليات الهجومية، وأبراج إنذار، ومخابئ دفاعية، فضلاً عن بوابات مائية تسمح بمرور نهر سوونتشون عبر قلب المدينة المحصنة.

وقد لعب المهندس والمفكر الكوري جونغ ياكيونغ دوراً محورياً في تصميم القلعة، مستفيداً من أفكار حركة “سيلهاك” أو “التعلّم العملي”، وهي حركة إصلاحية دعت إلى توظيف العلوم والتكنولوجيا في تطوير المجتمع الكوري.

واستوحى جونغ تصاميمه من القلاع الكورية والصينية، لكنه دمجها أيضاً بأفكار عسكرية حديثة من أوروبا وشرق آسيا، مستخدماً الطوب، والرافعات، والبكرات المتطورة، في خطوة عُدت متقدمة جداً في ذلك الزمن.

مشروع ضخم غيّر مفهوم التحصينات

استغرق بناء القلعة نحو عامين ونصف العام، وشارك فيه آلاف العمال، فيما قُدّرت ساعات العمل بأكثر من 700 ألف ساعة. وبلغت تكلفتها نحو 870 ألف “نيانغ” – العملة الكورية آنذاك – إضافة إلى 1500 كيس من الأرز خُصصت لدفع أجور العمال.

وعلى خلاف المشاريع الحكومية التقليدية التي اعتمدت على العمل القسري، تلقّى العمال أجوراً من الدولة، في مؤشر على التأثير المتزايد للأفكار الإصلاحية المرتبطة بحركة “سيلهاك”.

قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 1997.
القلعة أدرجت على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 1997 (اليونسكو)

كما جاء بناء هواسونغ رداً على أوجه القصور التي كشفتها الحروب السابقة، خصوصاً حرب “إيمجين”، عندما انهارت الخطوط الدفاعية الكورية بسهولة. لذلك جرى تصميم القلعة لتكون أكثر قدرة على الصمود، مع استغلال التضاريس الطبيعية من سهول وتلال لتعزيز فعاليتها الدفاعية.

من الدمار إلى التراث العالمي

رغم الأضرار الكبيرة التي تعرضت لها القلعة خلال الحرب الكورية، بما في ذلك تدمير بعض البوابات وأجزاء من الأسوار، فإن كوريا الجنوبية بدأت منذ عام 1964 عمليات ترميم واسعة استندت إلى وثيقة تاريخية نادرة تُعرف باسم “هواسونغ سيونغيوك أويغوي”، وهي سجل تفصيلي نُشر عام 1801 يشرح مراحل البناء والمواد المستخدمة والتصاميم الأصلية للقلعة.

وبفضل هذه الوثائق الدقيقة، نجحت عمليات الترميم في استعادة القلعة بدرجة عالية من الأصالة، ما ساهم في إدراجها على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 1997.

وترى اليونسكو أن هواسونغ تمثل ذروة العمارة العسكرية في القرن الثامن عشر، وتجسّد التبادل العلمي والتقني بين الشرق والغرب، كما أنها تركت أثراً كبيراً على تطور العمارة والتخطيط الحضري والفنون المرتبطة بالمناظر الطبيعية في كوريا.

قلعة تقاوم الزمن

اليوم، لا تزال أسوار هواسونغ تحيط بقلب مدينة سوون، فيما يواصل نهر سوونتشون التدفق عبرها كما كان قبل قرنين. وتواجه القلعة تحديات حديثة تتمثل في التوسع العمراني والتلوث والاهتزازات الناتجة عن حركة المرور، إلى جانب مخاطر الحرائق التي تهدد أجزائها الخشبية.

لكن السلطات الكورية الجنوبية تواصل تنفيذ برامج مراقبة وصيانة دقيقة، تشمل أنظمة مراقبة على مدار الساعة، وأعمال ترميم يشرف عليها متخصصون معتمدون، للحفاظ على هذا المعلم التاريخي الذي يجمع بين الجمال المعماري والذاكرة السياسية والمأساة الإنسانية.

وفي هواسونغ، تبدو كوريا الجنوبية وكأنها تركت جزءاً من روحها داخل الحجر؛ قلعة لم تُبنَ فقط للحرب، بل أيضاً لتخليد الحزن، وصناعة مستقبل جديد.

حول هذه القصة

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لأجمل المواقع السياحية في باكو

باكو.. لؤلؤة القوقاز حيث تمزج الحداثة بالتاريخ وسحر العمارة

هذا الإبداع j,[ بجائزة متحف لندن للتصميم عام 2014 (أوج24)

بالفيديو.. اكتشفوا تحفة زها حديد في أذربيجان التي كسرت قواعد العمارة

بادوفا تبعد نحو نصف ساعة فقط عن الضاحية البرية للبندقية (آنسبلاش)

إيطاليا كما لا تعرفها… مدن مخفية وأسرار محلية

اترك تعليقاً