الاقتصاد الإسرائيلي.. هل يكشف السلام ما أخفته الحرب؟

يوليو 12, 2026
175

وكالات "موديز" و"ستاندرد آند بورز" و"فيتش" خفضت التصنيف الائتماني لإسرائيل ( جيمناي)

شاهر الأحمد/ كاتب وصحفي مختص بالشأن الاقتصادي

بعد أكثر من عامين ونصف العام من الحرب وما رافقها من توسع في الإنفاق العسكري وارتفاع في المخاطر الجيوسياسية، بدأ الاقتصاد الإسرائيلي يواجه اختباراً من نوع مختلف.

فبدلاً من التساؤل عن قدرته على الصمود أثناء الحرب، بات السؤال يدور حول أدائه في مرحلة التهدئة، بعدما أشارت وكالة بلومبيرغ في تقرير نُشر بتاريخ 23 يونيو/ حزيران الماضي إلى تراجع بعض الأصول الإسرائيلية مع تنامي الآمال بالتوصل إلى تسويات سياسية، عقب فترة من الأداء القوي الذي ارتبط بظروف الحرب.

هذا التطور يفتح الباب أمام إعادة تقييم النموذج الاقتصادي الإسرائيلي؛ فهل كانت الأسواق تكافئ قوة الاقتصاد، أم أنها كانت تسعّر اقتصاد الحرب؟

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع الإنفاق العسكري واتساع العجز المالي، رغم أنه لا يزال من الاقتصادات المتقدمة ذات الدخل المرتفع.

ومن أبرز المؤشرات على تلك الضغوط:

ارتفاع الدين العام: إلى ما يقارب 70% من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما كان أقل من 60% قبل حرب غزة.

اتساع العجز المالي: مقارنة بما قبل الحرب، حيث قفز العجز المالي إلى أكثر من 6% من الناتج المحلي نتيجة الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري وتعويضات الحرب (المصدر: وزارة المالية الإسرائيلية).

قفزة في الإنفاق العسكري: ارتفع الإنفاق العسكري الإسرائيلي إلى نحو 46.5 مليار دولار في عام 2024، بزيادة بلغت 65% مقارنة بعام 2023، وهي أكبر زيادة سنوية منذ حرب يونيو/حزيران 1967. كما ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري إلى نحو 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي، لتصبح إسرائيل ثاني أعلى دولة في العالم من حيث العبء العسكري كنسبة من الناتج المحلي بعد أوكرانيا، والأعلى بين الاقتصادات المتقدمة، وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “SIPRI” :-

السنة الإنفاق العسكري نسبة الإنفاق إلى الناتج المحلي
2022 نحو 23.7 مليار دولار 4.5% تقريباً
2023 نحو 28.2 مليار دولار نحو 5.3% تقريباً
2024 46.5 مليار دولار 8.8%
2025 48.3 مليار دولار (مع انخفاض بنسبة 4.9% بالقيمة الحقيقية مقارنة بعام 2024 بعد تراجع حدة العمليات) بقي عند مستويات مرتفعة تاريخياً مقارنة بما قبل الحرب.

تراجع التصنيف الائتماني: خفضت وكالات “موديز” و”ستاندرد آند بورز” و”فيتش” التصنيف الائتماني لإسرائيل، وخفضت النظرة المستقبلية لها بسبب المخاطر الأمنية واتساع العجز.

ورغم كل ما سبق، فقد حافظ الاقتصاد على بعض عناصر القوة، مثل استمرار نشاط قطاع التكنولوجيا، وقدرة الحكومة على الاقتراض، واستمرار الدعم الخارجي، ولا سيما من الولايات المتحدة.

القطاعات الأكثر تضرراً

لم تتأثر جميع القطاعات بالدرجة نفسها؛ فقد تعرض قطاع البناء لنقص حاد في العمالة، خاصة بعد غياب آلاف العمال الفلسطينيين واستدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط. كما شهد قطاع السياحة تراجعاً ملحوظاً نتيجة انخفاض أعداد الزوار وإلغاء الرحلات الجوية خلال فترات التصعيد، في حين شهد الاستثمار الخاص تباطؤاً في عدد من القطاعات المدنية بسبب ارتفاع حالة عدم اليقين.

أسوأ النتائج

ولفت تقرير بلومبيرغ الانتباه إلى ظاهرة مختلفة، إذ أشار إلى أن أصولاً إسرائيلية تراجعت مع ارتفاع احتمالات التهدئة، بعد فترة استفادت فيها من أجواء الحرب، وهو ما يؤشر إلى أن الأسواق كانت قد منحت بعض الأصول علاوة سعرية استناداً إلى توقعات باستمرار الطلب على الصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا الأمنية، والإنفاق العسكري، ثم بدأت تعيد تقييم هذه التوقعات مع تغير البيئة الجيوسياسية.

وهذا يعني أن جزءاً من تقييم المستثمرين لم يكن قائماً فقط على الأرباح الحالية، بل أيضاً على توقعات استمرار البيئة الأمنية التي دعمت قطاعات الدفاع، والأمن السيبراني، والصناعات العسكرية.

واعتبرت بلومبيرغ في تقريرها أن أداء إسرائيل الاقتصادي يحقق أسوأ النتائج عالمياً مع بوادر السلام، فيما حقق نتائج إيجابية خلال سنوات الحرب. وحسب الوكالة الاقتصادية، ففي الوقت الذي يفترض فيه منطق الأسواق التقليدي أن ترتفع الأصول المالية مع اقتراب السلام وتراجع المخاطر الجيوسياسية، إلا أن العكس تماماً هو ما يحدث، وذلك بناءً على أرقام وتحليلات اقتصادية علمية؛ إذ تشير إلى أن الأصول الإسرائيلية ارتفعت خلال سنوات الحرب، ثم بدأت بالتراجع مع بروز فرص التسوية ومحادثات السلام.

فخلال شهر يونيو/ حزيران الماضي، كانت الأسهم الإسرائيلية والعملة المحلية الأسوأ أداءً في العالم، حيث تراجع مؤشر “تل أبيب 35” بأكثر من 12% مقوّماً بالدولار، فيما هبط الشيكل بنحو 5% أمام الدولار منذ بداية الشهر. ومن حيث النسبة المئوية، يتجه التراجع المسجل في يونيو إلى أن يكون الأشد منذ “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، عندما أدت هجمات المقاومة الفلسطينية على إسرائيل إلى اندلاع حرب مدمرة على قطاع غزة، توسعت لاحقاً لتشمل لبنان وإيران.

غير أن إعادة تسعير الأصول لا تكفي وحدها للحكم على متانة الاقتصاد؛ فالأسواق تتفاعل مع التوقعات قصيرة الأجل، بينما تقاس قوة الاقتصادات بقدرتها على النمو والإنتاج والاستثمار على المدى الطويل. ومن هنا يبرز السؤال: هل يخفي الأداء المالي للأسواق هشاشة أعمق في الاقتصاد الإسرائيلي؟

الاقتصاد الزومبي

طرح بعض الباحثين والكتاب الاقتصاديين مفهوم ما يعرف بـ”الاقتصاد الزومبي” لوصف الاقتصاد الإسرائيلي، باعتباره يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي والإنفاق العسكري. وهو اقتصاد يبدو في حركة مستمرة، لكنه في الحقيقة يعيش على أجهزة دعم خارجية تبقيه قائماً دون قدرة حقيقية على النمو المستدام.

إضافة إلى ذلك، يرى بعض المحللين أن تركيز الأسواق على المؤشرات المالية قصيرة الأجل قد يحجب التحديات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد، مما يمنح المستثمرين انطباعاً مضللاً بالثقة في السوق.

وقد ظهر المصطلح نفسه لأول مرة في اليابان خلال تسعينيات القرن الماضي بعد انفجار فقاعة الأصول، حين واصلت البنوك والشركات المتعثرة نشاطها بفضل دعم الدولة والقروض الرخيصة، رغم افتقارها لمقومات البقاء.

قد يستمر هذا الاقتصاد في الحركة لبعض الوقت، لكن أي أزمة كبيرة، داخلية أو خارجية، قد تكشف سريعاً عن هشاشته. وبذلك، فإن مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي سيظل مرتبطاً ليس فقط بقدرته على الحفاظ على تفوقه التكنولوجي، وإنما أيضاً بقدرته على خفض كلفة الحرب، واستعادة النمو المدني، وتقليص اعتماده على الإنفاق العسكري والدعم الخارجي.

المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً