أحزاب العراق المدنية.. لماذا تتبخر الوعود؟
رغم الكثرة المدنية التي تزداد يوماً بعد آخر، لكن حجم تأثيرها لا يزال محدوداً في رفض السلطة ورفض الأحزاب وإيقاف الهدر
علاء كولي/ كاتب وإعلامي عراقي
مثل قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش الباذخة بالجمال والمعنى، تظهر لنا الأحزاب المدنية في العراق، وبلا مقدمات تُسطّر لنا الأهداف والطموح والمستقبل للناس. وكما يغرق السامع بشعر درويش، يغرق المواطن هنا على هذه الأرض بوعود وعهود تلك الأحزاب الناشئة التي تنبثق من الوجع والألم، كما يقول دعاتها.
وما إن يصلوا إلى السلطة، حتى تأخذ الحياة والوعود شكلاً آخر. فمن كان يسمع درويش وهو يسرح بالخيال، يصحو على صوت “شاعر مهوال” بلا صوت ولا ملامح، وهو يمتدح أحد المشايخ، ثم ينسى كيف يقفل البيت الشعري الرديء، فيعجّ الواقفون بالضحك والإحراج.
هكذا تبدو علاقتنا مع الأحزاب المدنية والسادة الذين يدافعون عن مشاريعهم السياسية الجديدة التي يطمحون من خلالها إلى التأثير في مشهد الحياة اليومية ومنافسة أحزاب السلطة الراسخة في النفوذ. هذه العلاقة تبدأ بشكل جيد، لكنها لم تصنع جذوراً توغل في العمق، بل اكتفت بأن تكون هكذا: بلا جذور ولا عمق ولا تجربة تقف على قدميها لمواجهة أي تأثيرات جانبية أو مباشرة.
لكن هذه العلاقة سرعان ما تتراجع، وتظهر هذه الأحزاب بمظهر آخر، ويظهر أعضاؤها بشكل لا يختلف عن ظهور الأحزاب الإسلامية حينما يصلون إلى السلطة. ولدينا أمثلة على ذلك. وربما منذ عام 2003 ولحد الآن لم نشاهد حزباً مدنياً كان يؤمن بالمبادئ الوطنية، استطاع أن يقدم خطاباً يدعم المواطنة. بل انغمس ممثلو التيارات المدنية مع الأحزاب الأخرى، وانضم بعضهم إلى كيانات سياسية راديكالية أخرى، وهذا ما يتنافى مع الشعار الذي أطلقته الأحزاب المدنية.
ومع تنامي الخطاب الطائفي والمذهبي بين الأحزاب لتعزيز مكانتها لدى جمهورها، تراجع الخطاب الوطني الذي كنا ننتظره طويلاً، والذي من شأنه أن يقلل من حدة التصادم في المجتمع؛ حيث صار لدى ممثلي تلك التيارات حالة تماهٍ مع تلك الخطابات المذهبية التي لا تستطيع أن تعبر عن أي خطاب وطني جامع بين المتنافسين والمتخاصمين، حتى تحول الأمر إلى موضة واستعراض.
وهناك من يروّج لهذا الخطاب من كل الأطياف التي تمسك بزمام الأمور. واليوم، ورغم التأكيد على حضور الأحزاب المدنية المناهضة لأداء الأحزاب الإسلامية، سيما بعد كوارث الفساد وتكديس الأموال، إلا أنه لم يتجدد الأمل في ظهور خطاب وطني يقاطع الأحزاب الإسلامية أو يتصادم معها على حساب مبادئ المجتمع، ويؤكد على الهوية الأساسية للناس في نبذ كل فعالية أو نشاط فيه روح ترويجية لحزب ما متورط في الخراب.
الأمر له علاقة بالبنية الاجتماعية وطريقة حياة الناس وحجم التأثير الذي يُمارس عليها. وبالتالي، فإننا أمام طريق طويل للتأسيس من أجل مناهضة الأفكار أو الظواهر الخطيرة في المجتمع، مثل الفساد والعلاقات والمحسوبيات والفساد الإداري.
ورغم الكثرة المدنية التي تزداد يوماً بعد آخر، لكن حجم تأثيرها لا يزال محدوداً في رفض السلطة ورفض الأحزاب وإيقاف الهدر. ورغم ازدياد عدد الأحزاب المدنية، هناك قطيعة بنيوية بين تلك الأحزاب تؤدي عادة إلى خلافات عميقة وجوهرية تنتهي بمشاكل لا تختلف عن مشاكل الأحزاب الإسلامية حينما تتصارع على المناصب بعد كل تشكيل للحكومة.
ويبدو أننا في الحالة العراقية ممن يؤمن تماماً، بأن في نهاية النفق -بلا شك- ثمة نفق آخر، لا يقودنا سوى إلى الظلام الدامس، وهذه دلالة واضحة على حجم المعاناة والمشاكل التي نواجهها، ظلام بلا أمل، وانقطاع تام لأي أمل يمكن أن يحل هذه المشاكل والأزمات التي تمر بنا كل يوم.
* الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع «أوج 24»
حول هذه القصة
دلالة هذه الإجراءات تتزايد مع تزامنها مع حملة حكومة علي الزيدي لمكافحة الفساد
الزيدي برز بوصفه نتاج أزمة لا حلّها (وكالة الأنباء العراقية)
الكاتب يرى أن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين ليس نهاية الحرب، بل اختبار نوايا وإعادة تموضع (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)