من حافة الانفجار إلى طاولة التفاوض… من أعاد رسم قواعد اللعبة؟
الكاتب يرى أن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين ليس نهاية الحرب، بل اختبار نوايا وإعادة تموضع (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
ناجي الغزي / كاتب وسياسي عراقي
في هذا النوع من الحروب، لا يُقاس الانتصار بعدد الضربات، بل بمن نجح في إعادة تشكيل قواعد الاشتباك. حققت إيران انتصارًا استراتيجيًا واضحًا، إذ استطاعت نقل الصراع من “حافة التدمير” إلى إطار تفاوضي تتحكم بإطاره العام ويتحرك ضمن شروطها المطروحة، فارضةً نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية.
في المقابل، لم تُهزم الولايات المتحدة عسكريًا، لكنها وجدت نفسها أمام واقع معقد فرض عليها التراجع التكتيكي، واضطرت إلى إعادة ضبط حساباتها الاستراتيجية تحت ضغط الكلفة وتعقيد المشهد وتداخل الجبهات.
أما إسرائيل، فتعيش حالة من الارتباك والخيبة السياسية، بعد أن فقدت القدرة على التحكم بإيقاع الأحداث كما في السابق. لذلك تبدو تحركاتها العسكرية، خصوصًا في لبنان، أقرب إلى محاولات استعادة الردع المفقود، وسد الفجوة بين الأهداف التي رفعتها في بداية المواجهة والنتائج التي جاءت دون التوقعات أمام جمهورها الداخلي، أكثر من كونها تحولًا حقيقيًا في مسار الصراع.
أولًا: هندسة الردع… حين تتحول الحرب إلى معادلة كلفة
1- منطق الردع المركب:
لم تعتمد إيران على التفوق العسكري التقليدي، بل بنت نموذج ردع مركب يجمع بين الجغرافيا والاقتصاد وتعدد الجبهات. من تهديد الملاحة في مضيق هرمز وضرب القواعد الأميركية في منطقة الخليج، إلى ربط الساحات (لبنان – العراق – اليمن)، حيث تحوّل الصراع إلى شبكة ضغط متداخلة. فالهدف لم يكن الحسم العسكري، بل رفع كلفة الحرب إلى مستوى يجعلها غير قابلة للتحمّل.
2- الاقتصاد كساحة صراع خفية:
مع دخول مضيق هرمز في قلب المعادلة، لم تعد المواجهة عسكرية فقط، بل أصبحت اقتصادية بامتياز. تهديد تدفقات الطاقة وارتفاع كلفة التأمين والشحن أدخلا الاقتصاد العالمي في صلب الصراع. وهنا تغيّر التفكير الاستراتيجي؛ فلم يعد السؤال: كيف ننتصر؟ بل أصبح: هل يمكن تحمّل ثمن هذا الانتصار؟
3- حافة الهاوية المنضبطة:
ما شهدناه لم يكن مجرد تبادل ضربات، بل مواجهة ساخنة أصابت مراكز حساسة تمسّ عصب القواعد والمقرات العسكرية في إيران وإسرائيل، وامتدت إلى مواقع أميركية. ومع ذلك، لم تنزلق المواجهة نحو حرب إقليمية أو عالمية شاملة. فعلى الرغم من تجاوز بعض الضربات لخطوط كانت تُعد سابقًا حمراء، بقيت هناك حدود غير مرئية تضبط الإيقاع، وقنوات خلفية مفتوحة تمنع الانفجار الكامل.
هذا النمط، المعروف بـ”حافة الهاوية المنضبطة”، يقوم على تصعيد محسوب يُستخدم لرفع الضغط وإيصال الرسائل دون فقدان السيطرة. وهكذا تحوّل التصعيد من مقدمة لحرب شاملة إلى “وسيلة تفاوض غير مباشرة”، تُدار فيها القوة كأداة سياسية، لا كمسار انتحاري مفتوح.
4- الوساطة كرافعة… لكن بلا ضمانات صلبة:
لم يكن دخول باكستان إلى مسرح الأزمة خطوة بروتوكولية، بل شكّل نقطة تحوّل في مسارها. فقد أدّت الوساطة دورًا مزدوجًا: منحت واشنطن مخرجًا سياسيًا يحفظ توازنها، ووفّرت لطهران غطاءً تفاوضيًا يتيح لها التحرك دون كلفة مباشرة، وفتحت في الوقت نفسه قناة اتصال هادئة خارج ضجيج التصعيد.
لكن السؤال الجوهري: هل تستطيع إسلام آباد أن تكون ضامنًا فعليًا؟
واقعيًا، قدرة باكستان على الضمان محدودة، لأنها لا تمتلك أدوات الإكراه الكافية لفرض الالتزام على الطرفين. دورها أقرب إلى “مُيسّر موثوق” لا “ضامن ملزم”. أما الانخراط العسكري في حال خرق الهدنة، فاحتماله ضعيف، نظرًا لتعقيدات الداخل الباكستاني وحساباتها الإقليمية.
ثانيًا: لماذا وافق ترامب على هدنة الأسبوعين؟
لم يكن قبول ترامب لهدنة الأسبوعين مجرد خطوة تكتيكية عابرة، بل تراجعًا محسوبًا عن مسار الحرب بعد سقف عالٍ من التهديد، حين اصطدم منطق التصعيد بحدود الكلفة.
كانت الصورة أمامه واضحة: أصبح التصعيد الإضافي بلا مكاسب جديدة وعالي المخاطر، وأي انزلاق نحو مواجهة شاملة لن يبقى محصورًا في نطاق الضربات المحدودة. فالقواعد الأميركية وحلفاؤها في المنطقة قد تصبح أهدافًا مباشرة للنيران الإيرانية، وأسواق الطاقة قد تدخل في فوضى الأسعار الملتهبة، وقد تجد قوى دولية أخرى نفسها منجذبة إلى قلب الصراع. عند تلك النقطة، لا تعود الحرب قرارًا يمكن التحكم به، بل مسارًا مفتوحًا على احتمالات لا يمكن ضبطها.
في هذا السياق، لم يفكر ترامب بمنطق استعراض القوة، بل بمنطق الكلفة. فهو يدرك أن الانتصار الحقيقي في السياسة لا يُقاس بحجم النار، بل بقدرته على تسويق النتيجة بأقل خسائر ممكنة. ولهذا، بدا التفاوض — حتى وإن جاء بشروط غير مثالية — خيارًا أكثر عقلانية من حرب طويلة قد تستنزف كل شيء دون ضمان حسم واضح.
إذًا، الهدنة لا تزال هشة، لأنها لم تحسم نهاية المعركة، بل أعادت ترتيبها. وهي عبارة عن مساحة زمنية لالتقاط الأنفاس، وإعادة توزيع الأوراق، والحفاظ على القدرة على العودة إذا تغيّرت المعادلات. فقبول التهدئة هنا لا يعني التخلي عن الردع، بل إدارته بحذر، ومنع تحوّله إلى انفجار لا يمكن السيطرة عليه.
ثالثًا: هل الهدنة بداية سلام أم إعادة تموضع؟
وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين ليس نهاية الحرب، بل اختبار نوايا وإعادة تموضع وقياس لتوازن الردع بعد 40 يومًا من الضغط. كما يُعد مرحلة انتقالية لإعادة رسم قواعد الاشتباك وتثبيت توازن ردع جديد.
تسعى إيران إلى تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية واقتصادية، وتثبيت دورها كفاعل مركزي في أمن الطاقة. في المقابل، تحاول واشنطن احتواء الصعود الإيراني دون حرب، والحفاظ على نفوذها بأدوات أقل كلفة.
لكن في أدبيات الصراع، خصوصًا ضمن الواقعية الهجومية، فإن وقف إطلاق النار في ذروة التصعيد لا يعني تهدئة، بل تجميدًا مؤقتًا عند نقطة توازن غير مستقر. فالمؤشرات تؤكد أن إسرائيل لم توافق بشكل كامل على الهدنة، ولا تزال تستأنف الضربات الصاروخية على جنوب لبنان بكثافة. كما أن القوات الأميركية ما زالت في مواقعها، والقدرات العسكرية لجميع الأطراف لم تُستنزف بالكامل.
إذًا، نحن أمام توقف تحت الضغط.
لذلك يبرز السؤال الحاسم: ماذا سيحسمه الأسبوعان القادمان؟
وفق قراءة المشهد، نحن أمام ثلاثة مسارات محتملة:
- الأول – المسار التفاوضي: تقدّم تدريجي نحو تخفيف العقوبات، وتثبيت قواعد اشتباك جديدة، ودمج إيران في معادلة الاستقرار الإقليمي كلاعب معترف به.
- الثاني – عودة التصعيد: انهيار الهدنة وعودة الضربات المتبادلة بوتيرة أوسع، مع احتمال انخراط أطراف إضافية، ما يعيد المنطقة إلى حافة الانفجار.
- الثالث – المسار المرجّح: لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل حالة وسطية: هدَن متكررة، توتر دائم، وصراع مُدار دون حسم نهائي.
وعليه، لا تكمن أهمية المرحلة في تحديد “من انتصر”، بل في الإجابة عن السؤال الأعمق:
هل نشهد إعادة تشكيل لقواعد النظام الإقليمي، أم مجرد إعادة إنتاج للصراع بأدوات مختلفة؟