كواليس الساعات الأخيرة قبل هدنة إيران.. كيف تغيّر المسار؟
أي تهدئة مرهونة بقدرة طهران وواشنطن على تجاوز خلافاتهما العميقة (بيكسباي)
في لحظة بدت فيها المنطقة أقرب من أي وقت مضى إلى مواجهة واسعة، تحوّل مسار الأحداث بشكل مفاجئ نحو هدنة مؤقتة بين واشنطن وطهران. لكن هذا التحول لم يكن نتيجة مسار دبلوماسي مستقر، بل جاء بعد تداخل معقد بين خطط عسكرية جاهزة للتنفيذ، وضغوط سياسية، وقنوات تفاوض سرية نشطت في اللحظات الأخيرة. تكشف تقارير صحيفة نيويورك تايمز وموقع أكسيوس صورة أكثر عمقاً لمسار كاد يقود إلى الحرب… قبل أن يتوقف عند حافة الهدنة.
من تغيير النظام إلى حافة المواجهة
وفقاً لتقرير نيويورك تايمز، فإن جذور التصعيد تعود إلى نقاشات مبكرة داخل البيت الأبيض، حيث طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطة مشتركة مع الولايات المتحدة تهدف إلى تغيير النظام في إيران.
وتُظهر الرواية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى تجاوباً سريعاً مع هذا الطرح، ما عكس ميلاً واضحاً نحو خيار التصعيد، رغم التحذيرات اللاحقة من المؤسسات الاستخباراتية.
في المقابل، اعتبرت أجهزة الاستخبارات الأميركية—بما فيها تلك التي يقودها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) جون راتكليف—أن أهدافاً عسكرية محددة قد تكون قابلة للتحقيق، لكن سيناريو تغيير النظام يفتقر إلى الواقعية.
انقسام محدود… وقرار حاسم
تكشف التقارير عن غياب معارضة مؤسسية قوية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بترامب، مع بروز أصوات متحفظة مثل جيه دي فانس نائب الرئيس ، الذي حذّر من كلفة الحرب وتداعياتها.
ورغم ذلك، تشير المعطيات إلى أن القرار النهائي تأثر بشكل كبير بقناعات ترامب الشخصية، ما مهّد الطريق لاعتماد الخيار العسكري ضمن عملية وُصفت بـ”الغضب الملحمي”.
الساعات الأخيرة: عندما اقتربت الضربة
هنا تتقاطع رواية موقع أكسيوس مع ما ورد في نيويورك تايمز، لتكشف صورة أكثر توتراً في اللحظات الأخيرة.
فبينما كان ترامب يهدد علناً بتصعيد واسع، كانت القوات الأميركية في الشرق الأوسط تستعد فعلياً لشن حملة قصف كبيرة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.
وبحسب مسؤولين، لم يكن واضحاً حتى داخل وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أي اتجاه سيتخذه القرار في اللحظات الأخيرة.
في الوقت ذاته، كانت دول المنطقة تستعد لرد إيراني واسع، فيما بدأ مدنيون داخل إيران بمغادرة منازلهم تحسباً للضربات.
الاختراق الذي غيّر المسار
تشير مصادر متعددة إلى أن نقطة التحول جاءت عندما أعطى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي الضوء الأخضر لمفاوضيه للتحرك نحو اتفاق—في أول خطوة من هذا النوع منذ اندلاع الحرب.
هذا القرار، إلى جانب الوساطة الباكستانية وضغوط صينية غير معلنة، فتح الباب أمام اتفاق هدنة لمدة أسبوعين، تم التوصل إليه قبل أقل من ساعة على انتهاء مهلة ترامب.
أثر فوري… ومخاطر مستمرة
انعكست الهدنة فوراً على الأسواق، حيث سجلت أسعار النفط أكبر انخفاض يومي منذ جائحة كورونا، في مؤشر على حساسية الأسواق لأي تهدئة في مضيق هرمز.
لكن رغم هذا الانفراج، لا تزال التحديات قائمة:
- فجوة كبيرة بين مطالب واشنطن وطهران
- غموض حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز
- شروط إسرائيل المتعلقة بالبرنامج النووي والصاروخي الإيراني
ما بعد الهدنة: استراحة أم بداية مسار؟
من المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة جولة مفاوضات جديدة، قد يقودها جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي، في محاولة لتحويل الهدنة إلى اتفاق أوسع.
لكن التقديرات تشير إلى أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن الهدنة الحالية قد تكون مجرد توقف مؤقت في مسار تصعيدي لم يُحسم بعد.
يخلص تقريرا نيويرك تايمز وأكسيوس إلى أن ما جرى لم يكن مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، بل لحظة فاصلة تداخلت فيها حسابات السياسة مع احتمالات الحرب. وبينما أوقفت الدبلوماسية الانفجار في اللحظة الأخيرة، فإن جذور الأزمة—كما تعكسها خطط “تغيير النظام” والفجوات التفاوضية—لا تزال قائمة، ما يجعل أي تهدئة مرهونة بقدرة الطرفين على تجاوز خلافاتهما العميقة.