ثورة 23 يوليو 1952.. يوم أُطيح بالحكم الملكي في مصر

يوليو 23, 2026
61

23 يوليو 1952 نقطة فاصلة غيرت شكل الحكم في مصر وأثرت في السياسات الإقليمية لعقود ( الصحافة المصرية- أرشيف)

في الثالث والعشرين من يوليو/تموز من كل عام، تحيي مصر ذكرى التحرك العسكري الذي قاده تنظيم «الضباط الأحرار» عام 1952، وأطاح بالملك فاروق، قبل أن ينهي النظام الملكي ويؤسس الجمهورية.

وبينما ترسخت المناسبة رسميًا في الذاكرة المصرية باسم «ثورة يوليو»، تصفها بعض المراجع الأكاديمية بأنها انقلاب عسكري تطور لاحقًا إلى مشروع سياسي واجتماعي واسع، غيّر بنية الدولة المصرية وترك تأثيرًا عميقًا في العالم العربي.

من هزيمة 1948 إلى تنظيم الضباط الأحرار
تعود جذور تحرك يوليو إلى حالة الاستياء التي سادت مصر عقب حرب فلسطين عام 1948، وما رافقها من انتقادات حادة لأداء حكومة الملك فاروق، ولا سيما بعد فضيحة الأسلحة غير الصالحة التي زُوّد بها بعض الجنود المصريين.

وفي ظل الاضطراب السياسي والعنف في الشوارع وعمليات اغتيال شخصيات عامة، برز تنظيم سري داخل الجيش عُرف باسم «الضباط الأحرار».

وكان جمال عبد الناصر قد أسسه عام 1949 بهدف تغيير النظام الحاكم، قبل أن يختار اللواء محمد نجيب واجهةً قيادية للتنظيم لما كان يتمتع به من مكانة واحترام داخل المؤسسة العسكرية.

 

أزمة الاحتلال البريطاني وحريق القاهرة
تفاقمت الأزمة السياسية بعد عودة مصطفى النحاس باشا، زعيم حزب الوفد، إلى رئاسة الحكومة عام 1950. وسعى النحاس إلى تعديل المعاهدة المصرية–البريطانية لعام 1936، التي سمحت باستمرار الوجود العسكري البريطاني في منطقة قناة السويس، لكنه لم ينجح في إقناع لندن بإعادة التفاوض.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1951، ألغت الحكومة المصرية المعاهدة من جانب واحد، ما أدى إلى تصاعد المواجهات مع القوات البريطانية. وشنّت مجموعات مسلحة هجمات على منشآت بريطانية، قبل أن تشهد القاهرة في 26 يناير/كانون الثاني 1952 ما يعرف بأحداث “حريق القاهرة”، حين اندلعت حرائق وأعمال عنف طالت ممتلكات ومنشآت أجنبية.

وأدى انهيار الوضع الأمني إلى إقالة حكومة النحاس، ثم دخلت مصر مرحلة من عدم الاستقرار، تعاقبت خلالها خمس حكومات في نحو سبعة أشهر. وأقنعت هذه الفوضى الضباط الأحرار بأن النظام القائم لم يعد قادرًا على إدارة البلاد.

 التحرك العسكري ورحيل الملك فاروق

ازدادت مخاوف الضباط الأحرار بعدما تدخل الملك فاروق في شؤون الجيش والتعيينات العليا، ولا سيما منصب وزير الحربية. كما خشي التنظيم من اكتشاف خططه واعتقال أعضائه، فقرر تقديم موعد التحرك وتنفيذه في القاهرة ليلة 23 يوليو/تموز 1952.

نجح الضباط الأحرار في السيطرة على المواقع الحيوية، وجاء التحرك محدود الخسائر إلى حد كبير. وأُجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش ومغادرة البلاد، بينما نُصّب ابنه الرضيع أحمد فؤاد ملكًا باسم فؤاد الثاني تحت مجلس وصاية.

في البداية، أبقى الضباط على الملكية الدستورية بصورة مؤقتة، وكُلّف السياسي المخضرم علي ماهر بتشكيل حكومة انتقالية. لكن النظام الملكي أُلغي رسميًا في يونيو/حزيران 1953، وأُعلنت الجمهورية برئاسة محمد نجيب.

إصلاح زراعي وتغيير اجتماعي
سعى النظام الجديد إلى إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية، وكان الإصلاح الزراعي من أبرز خطواته الأولى.

فقد كانت مساحات واسعة من الأراضي متركزة في أيدي عدد محدود من العائلات الثرية، بينما عانى معظم الفلاحين الفقر وغياب الملكية. ووضع قانون الإصلاح الزراعي حدًا أقصى للملكية الفردية بلغ 200 فدان، مع توزيع الأراضي المصادَرة أو بيعها بشروط ميسّرة لصغار المزارعين.

كما عمل النظام على تسريع التصنيع، ومكافحة بعض مظاهر الفساد، وتوسيع فرص التعليم والرعاية الصحية، وتعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة، بما في ذلك منحهن حق التصويت لاحقًا.

ورغم الأبعاد الاجتماعية لهذه الإجراءات، لم ينجح النظام في إقامة حياة حزبية تعددية مستقرة. فقد استعان الضباط بخبراء قانونيين لاقتراح نظام دستوري جديد وإعادة الأحزاب المدنية، لكن تلك المساعي لم تصل إلى صيغة مقبولة، وبقي مستقبل النظام السياسي غامضًا خلال السنوات الأولى.

صراع محمد نجيب وجمال عبد الناصر
سرعان ما ظهر خلاف داخل القيادة الجديدة بين محمد نجيب، الذي جمع منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وجمال عبد الناصر الذي كان يملك نفوذًا متزايدًا داخل مجلس قيادة الثورة.

أراد نجيب إعادة الجيش إلى ثكناته واستئناف الحياة البرلمانية، بينما اتجه عبد الناصر وأنصاره إلى استمرار حكم مجلس الثورة وإعادة بناء النظام السياسي وفق رؤيتهم.

وفي ربيع عام 1954، حسم عبد الناصر الصراع لمصلحته، وأُبعد نجيب عن السلطة، كما أُقصي عدد من الضباط المؤيدين له.

وبعد محاولة اغتيال عبد الناصر المنسوبة إلى أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في أكتوبر/تشرين الأول 1954، اتخذ النظام إجراءات واسعة ضد الجماعة، وازدادت مركزية السلطة.

وفي السنوات التالية، أصبح عبد الناصر الشخصية المهيمنة على السياسات الداخلية والخارجية، وانتُخب رئيسًا للجمهورية عام 1956.

الابتعاد عن الغرب والاتجاه إلى المعسكر السوفيتي
تزامن صعود عبد الناصر مع تدهور العلاقات بين مصر والقوى الغربية. وبعد هجوم إسرائيلي على قطاع غزة الخاضع آنذاك للإدارة المصرية عام 1955، سعت القاهرة إلى شراء أسلحة غربية، لكن المفاوضات لم تحقق نتائج.

ردت مصر بعقد صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا بدعم من الاتحاد السوفيتي، في خطوة عكست اتجاه القاهرة إلى تنويع تحالفاتها والابتعاد تدريجيًا عن الاعتماد على الغرب.

وازدادت الأزمة عندما سحبت الولايات المتحدة وبريطانيا تمويلهما المقترح لمشروع السد العالي. وفي يوليو/تموز 1956، أعلن عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، لترد إسرائيل وبريطانيا وفرنسا بشن العدوان الثلاثي على مصر في خريف العام نفسه.

ورغم الخسائر العسكرية، خرج عبد الناصر من الأزمة بمكانة سياسية وشعبية كبيرة، خصوصًا بعد انسحاب القوات المعتدية تحت ضغوط دولية أميركية وسوفيتية.

تأثير واسع في العالم العربي
مثّل نظام عبد الناصر، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من القوميين العرب، محاولة لتحرير القرار الوطني من النفوذ الاستعماري وتقليص سيطرة كبار ملاك الأراضي، إلى جانب تقديم الدولة باعتبارها أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

وفي المقابل، اتسم النظام بتقييد النشاط السياسي، وحل الأحزاب، وتركيز السلطات، وإقامة نظام الحزب الواحد عبر تنظيمات متعاقبة مثل «هيئة التحرير» و«الاتحاد القومي» ثم «الاتحاد الاشتراكي العربي».

كما أدى اتجاه مصر نحو دعم الحركات القومية والجمهورية إلى انقسامات إقليمية حادة. فقد نشأ تنافس بين الجمهوريات المتأثرة بالمشروع القومي الناصري وبعض الأنظمة الملكية المحافظة، ولا سيما في السعودية والأردن والعراق قبل عام 1958.

إرث يوليو بين الإنجازات والجدل
أحدث تحرك 23 يوليو تحولًا جذريًا في تاريخ مصر الحديث؛ إذ أنهى حكم أسرة محمد علي، ووسع دور الجيش في السياسة، وأطلق إصلاحات اجتماعية واقتصادية استفادت منها قطاعات من الفلاحين والفقراء، كما أسهم في توسيع التعليم والخدمات الصحية ودفع عملية التصنيع. لكن التجربة أفضت أيضًا إلى نظام سلطوي مركزي، وضعف التعددية السياسية، والانتقال من الاعتماد على الغرب إلى علاقة وثيقة ومتزايدة مع الاتحاد السوفيتي.

لذلك ظل تقييم 23 يوليو موضع خلاف: فهي في الرواية الرسمية المصرية «ثورة» أنهت الملكية والهيمنة الأجنبية، بينما يراها منتقدون انقلابًا عسكريًا مهّد لحكم غير ديمقراطي.

ومع ذلك، لا خلاف على أن 23 يوليو 1952 كان نقطة فاصلة لم تغيّر شكل الحكم في مصر فحسب، بل أثرت أيضًا في مسارات القومية العربية والسياسات الإقليمية لعقود. وتُحيي مصر المناسبة بوصفها عطلة رسمية، يصدر خلالها الرئيس بيانًا، فيما تنظم القوات المسلحة فعاليات لإحياء ذكراها.

المصادر/ الموسوعة البريطانية – موقع إبسكو

اترك تعليقاً