بعد ثلاثة أشهر من الحرب والتصعيد العسكري الذي هز أسواق الطاقة العالمية، تبدو الولايات المتحدة وإيران أقرب من أي وقت مضى إلى اختراق دبلوماسي قد يغيّر مسار الأزمة.
فبحسب مسؤولين أميركيين، توصل المفاوضون من الجانبين إلى مسودة اتفاق أولي لتمديد وقف إطلاق النار 60 يوماً، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وإطلاق مفاوضات جديدة بشأن البرنامج النووي الإيراني. لكن العقبة الأخيرة ما تزال تتمثل في موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يدرس تداعيات الاتفاق داخلياً وخارجياً قبل اتخاذ قراره النهائي.
ماذا يتضمن الاتفاق المقترح؟
بحسب تقارير أكسيوس ووكالة أسوشيتد برس وشبكة سي إن إن، فإن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين توصلوا إلى مذكرة تفاهم مؤقتة لمدة 60 يوماً تهدف إلى:
- تمديد وقف إطلاق النار القائم بين الجانبين.
- إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة الملاحة الدولية.
- بدء جولة جديدة من المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.
- إزالة الألغام البحرية التي زرعتها إيران في المضيق خلال 30 يوماً.
- ضمان مرور السفن التجارية دون قيود أو رسوم.
- رفع الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.
- التزام إيران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي خلال فترة التفاوض.
ويصف مسؤولون أميركيون الاتفاق بأنه أكبر اختراق دبلوماسي منذ اندلاع الحرب.
فانس: نحن قريبون جداً
أكد جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، الذي قاد جانباً من المفاوضات في إسلام آباد خلال أبريل/ نيسان الماضي، أن الجانبين “قريبان جداً” من التوصل إلى اتفاق.
وقال إن الخلافات المتبقية تقتصر على “بعض الصياغات اللغوية”، مضيفاً:
“حققنا تقدماً كبيراً، وآمل أن يتمكن الرئيس دونالد ترامب من تأييد الاتفاق، لكن القرار النهائي لم يُحسم بعد.”
وأشار إلى أنه لا يستطيع ضمان الوصول إلى اتفاق نهائي، لكنه يشعر “بتفاؤل كبير” حيال المسار الحالي.
لماذا لم يوقع ترامب بعد؟
رغم إبلاغ فريق التفاوض الأميركي للرئيس بتفاصيل الاتفاق، فإن ترامب لم يمنح موافقته النهائية حتى الآن.
ووفق مسؤولين أميركيين، فإن الرئيس طلب مهلة إضافية لعدة أسباب:
أولاً: اختبار جدية إيران
يريد التأكد من أن طهران ستوقع فعلاً على الاتفاق ولن تتراجع في اللحظة الأخيرة كما حدث في محطات سابقة من الحرب.
ثانياً: مراقبة ردود الفعل الداخلية
يواجه ترامب ضغوطاً متعارضة داخل الولايات المتحدة:
- تيار يريد إنهاء الحرب سريعاً وإعادة فتح هرمز لخفض أسعار الوقود.
- تيار جمهوري متشدد يطالب بمواصلة الضغط العسكري وعدم منح إيران أي تنازلات.
انقسام داخل معسكر ترامب
أبرز المنتقدين المحتملين للاتفاق هو الإعلامي المحافظ مارك ليفن، الذي قال إن غالبية مستمعيه يعارضون أي اتفاق مع إيران ويفضلون “القضاء على النظام الإيراني” بدلاً من التفاوض معه.
ويعكس ذلك مخاوف داخل القاعدة الجمهورية من أن يمنح الاتفاق طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والنووية.

هرمز.. جوهر الصفقة
يظل مضيق هرمز القضية الأكثر إلحاحاً في المفاوضات.
فخلال الحرب تمكنت إيران عملياً من تعطيل الملاحة في المضيق الذي تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة.
وبموجب الاتفاق:
- لن تتمكن إيران من فرض رسوم أو إتاوات على السفن.
- ستزيل جميع الألغام البحرية خلال شهر.
- ستعود الملاحة التجارية إلى طبيعتها.
ويتوقع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت أن تنخفض أسعار النفط بسرعة إذا دخل الاتفاق حيز التنفيذ.
التصعيد لم يتوقف بالكامل
ورغم التقدم الدبلوماسي، ما تزال مؤشرات التوتر العسكري قائمة.
فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه أطلق طلقات تحذيرية باتجاه أربع سفن قرب مضيق هرمز بدعوى عبورها دون تنسيق مسبق.
كما أعلنت القوات الأميركية إسقاط أربع طائرات مسيرة قرب المضيق، بينما نفت واشنطن تقارير إيرانية تحدثت عن إسقاط طائرة أميركية.
ماذا عن البرنامج النووي؟
الملف النووي يبقى العقدة الأصعب.
فالولايات المتحدة تصر على:
- منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
- فرض قيود صارمة على التخصيب.
- مراقبة البرنامج النووي مستقبلاً.
أما إيران فتعتبر استمرار تخصيب اليورانيوم “خطاً أحمر” لا يمكن التنازل عنه.
ولهذا السبب ينظر إلى مذكرة التفاهم الحالية باعتبارها اتفاقاً انتقالياً لشراء الوقت وتهيئة الظروف لمفاوضات أكثر تعقيداً حول الملف النووي.
هل أصبحت الحرب عبئاً على ترامب؟
يرى مراقبون أن الرئيس الأميركي بات عالقاً بين هدفين متناقضين:
- إعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الوقود قبل الانتخابات.
- إرضاء الجمهوريين المتشددين الذين يريدون مواصلة الضغط على إيران.
ولهذا فإن أي قرار بالموافقة على الاتفاق قد يحقق مكاسب اقتصادية سريعة، لكنه قد يفتح أيضاً جبهة سياسية داخلية جديدة ضد ترامب.
الاتفاق المقترح لا ينهي الحرب ولا يحسم الملف النووي، لكنه قد يشكل أول خطوة جدية نحو تهدئة الصراع الأميركي الإيراني منذ اندلاعه. ويبقى السؤال الأهم: هل يختار ترامب توقيع الاتفاق وفتح باب الدبلوماسية، أم يرضخ لضغوط المتشددين ويعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.







