الحرب الباردة الثانية.. كيف باتت الصين المنافس الأول لأميركا؟
التنافس بين واشنطن وبكين سيظل أحد العوامل الرئيسية التي ستشكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة (الصحافة الصينية)
لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تُقاس بعدد حاملات الطائرات أو الرؤوس النووية، بل بمصانع أشباه الموصلات، ومناجم المعادن النادرة، والموانئ التجارية، وسلاسل التوريد العالمية.
ويرى تقرير تحليلي مطول نشره موقع “ريل كلير ديفينس” الأميركي أن العالم دخل بالفعل مرحلة “الحرب الباردة الثانية”، لكن بصيغة تختلف جذرياً عن المواجهة الأميركية السوفياتية في القرن الماضي، إذ تقوم على التشابك الاقتصادي والتكنولوجي بدلاً من الانفصال الأيديولوجي والعسكري.
ويقدم الكاتب، المسؤول الجورجي السابق إيمزاري غيلاشفيلي، رؤية تعكس تياراً متزايداً في دوائر الأمن القومي الغربية، معتبراً أن الصين استثمرت العولمة والأسواق الغربية لبناء نفوذ اقتصادي وتقني يجعلها المنافس الاستراتيجي الأبرز لواشنطن. ومع ذلك، تبقى هذه القراءة تحليلاً سياسياً يعبر عن وجهة نظر الكاتب، وليست تقييماً إجماعياً بين الخبراء.
أولاً: “الحرب الباردة الثانية” مختلفة عن الأولى
يرى الكاتب أن انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 لم ينه المنافسة الكبرى على النفوذ العالمي، بل أفسح المجال أمام منافس جديد هو الصين.
ويعتبر أن:
- الحرب الباردة الأولى قامت على الانفصال بين نظامين اقتصاديين وسياسيين.
- أما الحرب الباردة الثانية فتجري داخل الاقتصاد العالمي نفسه.
- الولايات المتحدة والصين شريكتان اقتصادياً ومتنافستان استراتيجياً في الوقت ذاته.
ويخلص إلى أن هذه الطبيعة المتشابكة تجعل الصراع أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً.
ثانياً: كيف استفادت الصين من العولمة؟
بحسب التقرير، استخلصت بكين درساً رئيسياً من انهيار الاتحاد السوفياتي:
القوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا كان الاقتصاد ضعيفاً.
لذلك اعتمدت استراتيجية تقوم على:
- الحفاظ على قيادة الحزب الشيوعي.
- جذب الاستثمارات الغربية.
- الاستفادة من التكنولوجيا والأسواق العالمية.
- بناء قاعدة صناعية ضخمة.
ويرى الكاتب أن الصين استخدمت العولمة كوسيلة لتعزيز قوتها الوطنية وليس مجرد الاندماج في الاقتصاد العالمي.
ثالثاً: المعركة الحقيقية تدور حول التكنولوجيا
يعتبر التقرير أن المنافسة الحالية لا تدور حول الدبابات والصواريخ بقدر ما تدور حول الصناعات الاستراتيجية.
ومن أبرزها:
المعادن النادرة
يشير التقرير إلى أن الصين:
- تنتج نحو 69% من المعادن النادرة عالمياً.
- تهيمن على نحو 90% من عمليات معالجتها.
ويرى الكاتب أن المعالجة الصناعية لهذه المعادن تمنح بكين نفوذاً كبيراً في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
كما يلفت إلى أن الصين فرضت قيوداً على تصدير بعض المعادن المهمة إلى الولايات المتحدة أواخر 2024، في خطوة وصفها بأنها رسالة استراتيجية أكثر من كونها عقوبة اقتصادية.
أشباه الموصلات
يرصد التقرير تراجع حصة الولايات المتحدة من إنتاج الرقائق الإلكترونية من:
- 37% عالمياً عام 1990.
- إلى نحو 10-12% حالياً.
ويعتبر أن إعادة بناء هذه الصناعة تحتاج سنوات طويلة واستثمارات ضخمة.
المغناطيسات والمحامل الدقيقة
يشير التقرير إلى أن الصين تنتج:
- نحو 90% من المغناطيسات الأرضية النادرة عالية الأداء.
- نحو 30% من المحامل الدقيقة المستخدمة في الصناعات المتقدمة.
ويعتبر أن هذه المكونات الصغيرة أصبحت عنصراً حاسماً في الصناعات العسكرية والطبية والتكنولوجية.
رابعاً: الموانئ وسلاسل الإمداد
يولي التقرير أهمية كبيرة لاستثمارات الشركات الصينية في تشغيل وإدارة الموانئ حول العالم.
ويرى أن:
- الموانئ تتحكم في طرق التجارة.
- التجارة تخلق الاعتماد الاقتصادي.
- الاعتماد الاقتصادي يتحول إلى نفوذ سياسي.
ويعتبر أن بكين بدأت هذه الاستراتيجية مبكراً، بينما تأخرت واشنطن في إدراك أبعادها.
خامساً: ما دور إدارة ترامب؟
يقدم الكاتب تفسيراً خاصاً لتحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض.
ويرى أن:
- ترامب كان يخطط لاستراتيجية تمتد لثماني سنوات.
- جائحة كورونا والصراعات السياسية عطلت جزءاً منها.
- لذلك تسعى الإدارة الحالية إلى تنفيذ أهدافها بوتيرة أسرع.
ويعتبر أن ملفات مثل:
- الصين،
- إيران،
- بنما،
- غرينلاند،
- فنزويلا،
- كندا،
تندرج ضمن رؤية استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب موقع الولايات المتحدة عالمياً.
سادساً: ملف الطلاب الصينيين
يتناول التقرير قضية التعاون الأكاديمي بين البلدين.
ويشير إلى أن:
- مئات الآلاف من الطلاب الصينيين درسوا في الجامعات الأميركية خلال العقود الماضية.
- كثير منهم تخصصوا في العلوم والهندسة والذكاء الاصطناعي.
كما يربط الكاتب ذلك بقانون الاستخبارات الصيني لعام 2017، الذي يفرض على المواطنين والمؤسسات التعاون مع أجهزة الدولة عند الطلب.
إلا أن هذه القضية تبقى محل نقاش واسع، إذ يؤكد كثير من الباحثين أن الغالبية العظمى من الطلاب الأجانب يدرسون لأغراض أكاديمية ومهنية مشروعة، مع استمرار الجدل في الغرب حول مخاطر نقل التكنولوجيا الحساسة.
سابعاً: كيف ترد واشنطن؟
يعترف التقرير بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل خطوات لمواجهة هذا التحدي، منها:
- قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم الأميركي.
- استثمارات في المعادن النادرة.
- إعادة بناء سلاسل الإمداد.
-
تعزيز التعاون مع حلفاء مثل:
- أستراليا،
- كندا،
- اليابان،
- كوريا الجنوبية،
- ألمانيا.
لكن الكاتب يرى أن تعويض ثلاثة عقود من الاعتماد على الخارج لن يتحقق خلال ولاية رئاسية واحدة.
ثامناً: هل العالم يتجه إلى انقسام جديد؟
يتوقع التقرير أن تشكل اجتماعات:
- مجموعة السبع،
- حلف شمال الأطلسي ( الناتو)،
- اللقاءات الأميركية الصينية المقبلة،
محطات مهمة في إدارة المنافسة بين القوتين.
كما يرى أن المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية قد تواجه ضغوطاً لإعادة هيكلتها بما يتناسب مع التحولات الجيوسياسية الجديدة.
ويخلص التقرير إلى أن فكرة أن المنافسة الأميركية الصينية لم تعد مجرد نزاع تجاري أو خلاف دبلوماسي، بل صراع طويل الأمد على التكنولوجيا والصناعة وسلاسل التوريد والنفوذ الاقتصادي العالمي.
وفي المقابل، فإن كثيراً من استنتاجاته – مثل وصف العلاقة بأنها “حرب باردة ثانية” أو اعتبار الحياد بين القوتين أمراً مستحيلاً – تمثل رؤية تحليلية للكاتب وليست حقيقة متفقاً عليها بين جميع الخبراء. لكن ثمة توافقاً واسعاً بين مراكز الأبحاث وصناع القرار على أن التنافس بين واشنطن وبكين سيظل أحد العوامل الرئيسية التي ستشكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة.
حول هذه القصة
الجزيرة معزولة جغرافياً ودفاعاتها محدودة نسبياً (كالة الأنباء المركزية التايوانية)
هذه الإجراءات تعد غير مسبوقة في بلد أسهم أساسًا في بناء السوق العالمية للطائرات المسيّرة (الصورة: Billy Kyle)
التقرير يرى أن تجاهل بعض الحروب والصراعات يخلق "نقاط عمياء" في فهم السياسة الدولية الحالية