أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
دراسات وبحوث

الشاشة العراقية وسرقة الأمانات.. دراسة ترصد تأثير البرامج الحوارية

الشاشة العراقية وسرقة الأمانات.. دراسة ترصد تأثير البرامج الحوارية
الدراسة تجد ارتباطًا بين متابعة البرامج الحوارية وتشكّل اتجاهات الجمهور نحو القضية

لم تكن قضية «سرقة الأمانات الضريبية» بالنسبة للعراقيين مجرد أرقام مالية صماء أو ملف قضائي معقد؛ فمع اتساع الاهتمام بها، انتقلت تفاصيلها إلى شاشات التلفزيون، وأصبحت مادة متكررة في البرامج الحوارية التي استضافت سياسيين وخبراء ومختصين لمناقشة المسؤوليات والأسباب والتداعيات.

لكن، هل اكتفت تلك البرامج بإخبار الجمهور بما حدث، أم أسهمت أيضًا في تشكيل نظرته إلى القضية والفساد والمحاسبة؟

هذا هو السؤال الذي حاولت دراسة ميدانية للباحث مؤيد شياع الإجابة عنه، تحت عنوان: «البرامج الحوارية في القنوات التلفزيونية العراقية ودورها في تشكيل الرأي العام إزاء سرقة الأمانات الضريبية»، والمقدمة إلى الأكاديمية العراقية لمكافحة الفساد ضمن متطلبات الدبلوم العالي المهني.

وخلصت الدراسة، التي أُنجزت بإشراف أ.د. عمر جياد علي، إلى وجود علاقة ارتباط ذات دلالة إحصائية بين التعرض للبرامج الحوارية التلفزيونية وتشكّل اتجاهات أفراد العينة إزاء القضية.

374 شخصًا من بغداد

اعتمد الباحث المنهج المسحي، واختار عينة عشوائية بلغت 374 مبحوثًا من جمهور مدينة بغداد، موزعين على جانبي الكرخ والرصافة، واستخدم الاستبانة أداة رئيسية لجمع البيانات وقياس اتجاهات الجمهور.

98.9% يتابعون البرامج الحوارية

تكشف النتائج أولًا عن الحضور الكبير لهذا النوع من البرامج داخل العينة؛ فقد أفاد 98.9% من أفرادها بأنهم يتابعون البرامج الحوارية في القنوات الفضائية العراقية، فيما خلصت الدراسة إلى أن مستوى التعرض لها كان مرتفعًا، بوزن نسبي بلغ 76.47%، بينما سجل تقييم أهمية الموضوعات التي تناقشها تلك البرامج وزنًا نسبيًا بلغ 76.11%.

هذه النتيجة تمنح البرامج الحوارية أهمية تتجاوز كونها مجرد مساحة للنقاش السياسي؛ فهي، بالنسبة إلى قطاع واسع من العينة، جزء أساسي من مصادر المعرفة بالقضايا العامة.

الشرقية أولًا.. ثم الاتجاه والرابعة

عندما سُئل أفراد العينة عن القنوات التي يتابعون عبرها البرامج الحوارية، جاءت الشرقية في المرتبة الأولى بنسبة 20.8% من مجموع الإجابات، تلتها الاتجاه بنسبة 16.4%، ثم الرابعة بنسبة 11.3%.

كما ظهرت في الإجابات قنوات أخرى بينها العراقية والعهد ودجلة وآسيا والأولى والسومرية، إضافة إلى إجابات محدودة لقنوات أخرى. ويشير الجدول إلى أن السؤال سمح بتعدد الإجابات، إذ بلغ مجموعها 941 إجابة، ولذلك لا يُستحسن قراءة هذه النسب باعتبارها حصة مشاهدة عامة للقنوات العراقية، بل مؤشرًا على تنوع خيارات المتابعة.

دور البرامج الحوارية في الوعي العام

مصدر للمعلومات.. ولكن ليس بصورة مطلقة

هل كان الجمهور يعتمد على تلك البرامج لمعرفة تفاصيل القضية؟ النتائج تقدم صورة مركبة:

  • 34% تقريبًا من أفراد العينة قالوا إنهم يعتمدون على البرامج الحوارية «بدرجة كبيرة» كمصدر للمعلومات.
  • 47.1% قالوا إنهم يعتمدون عليها «إلى حد ما».
  • 18.7% قالوا إنهم يعتمدون عليها بدرجة قليلة.

أي أن التلفزيون كان مصدرًا مهمًا للمعلومات، لكنه لم يكن المصدر الوحيد أو المطلق بالنسبة للجمهور.

ماذا عن الخبراء والضيوف؟

سألت الدراسة المشاركين عن تقييمهم للمعلومات التي يقدمها الضيوف وخبراء مكافحة الفساد:

  • 38.5% وجدوا المعلومات مناسبة.
  • 58.3% اعتبروها مناسبة «إلى حد ما».
  • 3.2% فقط لم يروها مناسبة سوى بدرجة منخفضة.

وتوحي هذه النتيجة بقبول واسع للمعلومات المقدمة عبر الضيوف، ولكن مع مساحة واضحة من التحفظ والحياد.

هل كانت البرامج موضوعية؟

هنا تصبح الصورة أكثر حذرًا؛ فعندما سُئل أفراد العينة عن موضوعية البرامج في تناول قضايا الفساد:

  • 64.7% وصفوا الطرح بأنه موضوعي «إلى حد ما».
  • 27.8% تقريبًا رأوه موضوعيًا بدرجة كبيرة.
  • 7.5% اعتبروه غير موضوعي، ووصل الوزن النسبي لتقييم الموضوعية إلى 72.11%.

وبالتالي، لا تفيد الدراسة بأن الجمهور منح البرامج «ثقة مطلقة»، بل تكشف عن ثقة مشروطة؛ فالجمهور يتابع ويستفيد، لكنه يحتفظ بمسافة نقدية تجاه طريقة المعالجة.

71.6%: البرامج شرحت أبعاد القضية بوضوح

من أبرز النتائج أن 71.6% من أفراد العينة وافقوا على أن البرامج الحوارية عرّفتهم بأبعاد القضية بوضوح، بينما كان 24.1% محايدين و5.3% غير موافقين. وجاءت هذه العبارة في المرتبة الأولى ضمن مقياس الاتجاهات بوزن نسبي بلغ 88.41%. كما قال 69.5% إن البرامج ساعدتهم على التمييز بين المعلومات الدقيقة والشائعات.

لم يتوقف التأثير عند حدود المعرفة؛ فقد وافق 74.3% من المشاركين على أن البرامج الحوارية أسهمت في زيادة اهتمام الرأي العام بالقضية، وقال 67.9% إنها جعلتهم أكثر حرصًا على متابعة مستجداتها. وهنا يكمن الفارق الجوهري: البرنامج الحواري لم يقدم المعلومة فحسب، بل أبقى القضية حية داخل دائرة الاهتمام العام.

هل بالغ الإعلام في التهويل؟

في المقابل، لم ترسم الدراسة صورة مثالية للإعلام؛ فعند طرح عبارة مفادها أن البرامج «تبالغ في تهويل قضية الأمانات الضريبية على حساب الدقة»، وافق عليها 22.5%، بينما اتخذ 48.6% موقفًا محايدًا، ولم يوافق عليها 28.9%. وتؤكد النسبة الكبيرة للمحايدين أن تقييم الجمهور للأداء الإعلامي يتسم بالتعقيد ورفض التصنيفات الحادة.

البرامج نقلت القضية إلى النقاش الاجتماعي

من النتائج اللافتة خروج النقاش من شاشة التلفزيون إلى الفضاء اليومي؛ إذ وافق 64.2% من المشاركين على أن البرامج شجعتهم على مناقشة القضية مع العائلة والأصدقاء أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، محولةً الشاشة إلى محفز حقيقي للحوار المجتمعي.

والمطالبة بالمحاسبة؟

ربما تكون هذه النتيجة الأهم؛ فقد خلص الباحث إلى أن البرامج الحوارية أسهمت بدرجة كبيرة في تحريك الرأي العام باتجاه المطالبة بمحاسبة المتورطين في الفساد، بوزن نسبي بلغ 81.82%، كما أسهمت في زيادة وعي الجمهور بخطورة قضايا الفساد بوزن نسبي بلغ 79.5%.

81.1%.. الحصيلة العامة

عند جمع عبارات مقياس اتجاهات الرأي العام، بلغ الوزن النسبي الإجمالي 81.1%، وهو مؤشر على اتجاه إيجابي قوي نحو الدور الذي أدته البرامج في تعريف الجمهور بالقضية وتشكيل اتجاهاته حيالها.

التلفزيون لم يفقد تأثيره

في زمن تتفوق فيه وسائل التواصل الاجتماعي، تقدم هذه الدراسة قراءة مختلفة: الشاشة التلفزيونية والبرنامج الحواري ما زالا قادرين على قيادة النقاش العام حول ملفات الفساد الكبرى.

لكن الجمهور اليوم ليس متلقيًا سلبيًا؛ فهو يتابع بكثافة، ويمنح الطرح ثقة مشروطة ومحاطة بمسافة نقدية. وهذا يضع مؤسسات الإعلام العراقي أمام تساؤل جوهري تتركه الدراسة مفتوحًا: كيف يمكن توظيف هذه القدرة التأثيرية الكبيرة لكشف الفساد، بعيدًا عن فخ التهويل أو المحاكمات التلفزيونية الاستعراضية؟

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 2 days أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.