بعد أكثر من أربع سنوات على الهدنة التي جمّدت الجبهات في اليمن، بدأت قواعد اللعبة تتغير بسرعة. هجمات بالصواريخ والمسيّرات، واشتباكات متزايدة مع والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وضربات تطال موانئ ومنشآت نفطية سعودية، بالتزامن مع محاولات حوثية لتعزيز النفوذ قرب باب المندب.
المشكلة لم تعد يمنية فقط. فمع استمرار اضطراب مضيق هرمز، أصبح البحر الأحمر وقناة السويس أكثر أهمية لتجارة النفط العالمية. وإذا تمكن الحوثيون من زيادة قدرتهم على تهديد باب المندب، فقد يجد العالم نفسه أمام ضغوط متزامنة على اثنين من أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة.
أكبر تصعيد منذ هدنة 2022
وفي أحدث التطورات، تبادل الحوثيون والقوات الحكومية عشرات الهجمات، فيما يوصف بأنه أوسع قتال منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.
وقالت القوات الحكومية إنها رصدت 81 هجوماً خلال 24 ساعة، فيما أعلن الحوثيون أنهم نجحوا في استخدام طائرات مسيّرة لضرب مطار ومنشأة نفطية في السعودية.
هذه التطورات أثارت مخاوف من أن تنزلق البلاد مجدداً إلى حرب واسعة، بعدما عاش اليمن منذ 2022 حالة يمكن وصفها بـ«لا حرب ولا سلام»: الجبهات ثابتة إلى حد بعيد، لكن التسوية السياسية لم تتحقق.

المخا.. الحرب تضرب الاقتصاد من بعيد
إحدى أكثر الجبهات حساسية هي ميناء المخا على البحر الأحمر.
وبحسب تقرير لموقع «ريسبونسبل ستيتكرافت»، تعرض الميناء لأكثر من 35 ضربة حوثية بالصواريخ والمسيّرات، طالت المنطقة الاقتصادية والأرصفة والمنشآت اللوجستية والورش ومساكن العاملين.
وقال مدير الميناء إن الهجمات أدت إلى مقتل 16 شخصاً وإصابة 22 آخرين، وأجبرت الميناء على وقف حركة السفن.
وتشير تقديرات عسكرية من الساحل الغربي إلى أن عدد الصواريخ والمسيّرات التي أطلقت باتجاه المخا خلال التصعيد الأخير اقترب من 90.
الدلالة هنا مهمة: الحوثيون لا يحتاجون إلى احتلال الميناء براً حتى يعطلوه. يكفي استهداف الأرصفة والمعدات والمنشآت اللوجستية لإحداث خسائر اقتصادية وتعطيل التجارة من مسافة بعيدة.

هل يغيّر الحوثيون قواعد الحرب؟
في المقابل، تبدو القوات الحكومية أكثر استعداداً للرد مما كانت عليه خلال السنوات الماضية.
في تعز، تراجع القادة العسكريون انتشار القوات واستعداداتها، فيما تحدثت مصادر حكومية عن إحباط محاولات تسلل وضرب تجمعات حوثية قبل وصولها إلى خطوط الهجوم.
رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لخّص التحول بعبارة لافتة: «انتهى زمن العدوان بلا كلفة».
إذا تحولت هذه العبارة إلى سياسة عسكرية فعلية، فقد يعني ذلك انتهاء المعادلة التي سادت منذ الهدنة، عندما كانت الهجمات المحدودة تقابل غالباً بردود محسوبة للحيلولة دون انفجار الحرب الشاملة.
لكن الخطر أن يسعى الطرفان إلى الردع في الوقت نفسه؛ الحكومة المعترف بها دوليا تعتقد أن الرد الأقوى سيدفع الحوثيين إلى التراجع، بينما قد يرى الحوثيون أن زيادة الصواريخ والمسيّرات ستجبر خصومهم على ضبط النفس. وهكذا يمكن أن يتصاعد القتال حتى من دون قرار مسبق من أي طرف ببدء حرب شاملة.
الحوثيون لم يعودوا مجرد «ذراع لإيران»
في مقال رأي بصحيفة «نيويورك تايمز»، تحذر ألكسندرا ستارك الباحثة في مؤسسة راند من خطأ التعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد تابع لإيران.
فالحرَكة تستفيد بالفعل من السلاح والخبرة والتدريب الإيراني، لكنها، وفق ستارك، تملك مصالحها الخاصة وتختار توقيت التصعيد بما يخدم أهدافها اليمنية والإقليمية.
قبل سنوات كان الحوثيون يُنظر إليهم بوصفهم طرفاً أقل أهمية داخل ما يعرف بـ «محور المقاومة»، لكنهم تحولوا تدريجياً إلى لاعب قادر على التأثير في حركة التجارة العالمية.
وساعدتهم الجغرافيا على ذلك. فسيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال وغرب اليمن تمنحهم القدرة على تهديد باب المندب، الممر الذي تعبر عبره نسبة تقدر بنحو 12 إلى 15% من التجارة البحرية العالمية.
لماذا يصبح باب المندب أخطر الآن؟
خلال هجمات 2023-2025، أدى استهداف السفن في البحر الأحمر إلى ارتفاع تكاليف التأمين، واضطرت شركات شحن كثيرة إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أضاف أكثر من 4 آلاف ميل بحري لبعض الرحلات.
لكن الوضع الحالي أخطر، لأن مضيق هرمز نفسه يعاني اضطراباً شديداً.
السعودية حاولت الالتفاف على هرمز عبر نقل النفط بخطوط أنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لكن الهجمات الحوثية الجديدة على السفن والمنشآت السعودية باتت تهدد هذا البديل أيضاً.
وبحسب تقارير قطاع الطاقة، اضطر بعض المصدرين السعوديين إلى تغيير مسارات شحنات النفط، فيما طلب مشترون آسيويون إمكان استلام الخام من ميناء سيدي كرير المصري على البحر المتوسط، بسبب تردد بعض ملاك السفن في المرور عبر باب المندب.
إذا أصبح كل من هرمز وباب المندب شديد الخطورة في الوقت نفسه، فإن التأثير المحتمل لن يقتصر على السعودية أو إيران، بل قد يمتد إلى أسعار النفط والشحن والتأمين والتضخم العالمي.
هل يسعى الحوثيون للسيطرة على المضيق؟
تقرير لموقع «أويل برايس» نقل عن وزير الإعلام في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا اتهامه الحوثيين بالسعي إلى توسيع وجودهم على الساحل الغربي والسيطرة على مواقع استراتيجية، بينها المخا وجزر حنيش وجزيرة ميون الواقعة داخل باب المندب.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية، بحسب التقرير، عن مصادر حوثية تأكيد وجود خطط للتحرك في تلك المناطق.
السيطرة أو توسيع النفوذ على هذه المواقع يمكن أن يعزز قدرة الحوثيين على مراقبة الممر البحري وتهديد السفن، لكن ذلك لا يعني حتى الآن أنهم يسيطرون على باب المندب بالكامل.
ورغم التصعيد، لا تزال حركة السفن في المضيق أكبر بكثير منها في هرمز. وتشير بيانات «مارين ترافيك» إلى تسجيل 254 عملية عبور خلال الأسبوع المنتهي في 16 آب/ أغسطس، مقارنة بـ238 في الأسبوع السابق.
ماذا يريد الحوثيون؟
ترى ستارك أن تفسير تحركات الحوثيين باعتبارها مجرد استجابة لأوامر إيرانية يتجاهل حساباتهم الداخلية.
ففي موجة هجمات البحر الأحمر السابقة، قدم الحوثيون عملياتهم باعتبارها دعماً لغزة، لكنها ساعدتهم أيضاً على تعزيز شرعيتهم الداخلية وصرف الانتباه عن مشكلات الحكم والأوضاع الاقتصادية في المناطق التي يسيطرون عليها.
أما الآن، فقد يرون فرصة لتحقيق واحد من هدفين: زيادة أوراق الضغط في المفاوضات مع السعودية للوصول إلى تسوية سياسية بشروط أفضل، أو استغلال الوضع الإقليمي لاستئناف الضغط العسكري على الحكومة اليمنية، والمدعومة من التحالف العربي بقيادة السعودية.
الحرب المقبلة قد تبدو مختلفة
إذا عادت الحرب اليمنية، فقد لا تكون شبيهة بسنواتها الأولى.
فبدلاً من الحملات البرية الواسعة وحدها، يمكن أن تصبح الصواريخ الباليستية والمسيّرات والمدفعية والهجمات على الموانئ والبنية الاقتصادية أكثر أهمية.
وسيصبح السؤال ليس فقط: من يسيطر على الأرض؟ بل أيضاً: من يستطيع إبقاء الموانئ مفتوحة، وحماية طرق الإمداد، وتعويض الخسائر، ونقل القوات بين جبهات متعددة؟
ولهذا ستكون جبهات تعز ومأرب وحضرموت والساحل الغربي حاسمة في معرفة ما إذا كانت القوات المناهضة للحوثيين قادرة على العمل كمنظومة متماسكة إذا اشتعلت جبهات عدة في وقت واحد.
الخلاصة
اليمن يتحرك ببطء خارج حالة الجمود التي سادت منذ 2022، والحوثيون باتوا يمتلكون أوراقاً أكبر من حدود اليمن نفسه.
المخا يكشف قدرتهم على تعطيل منشأة استراتيجية من دون احتلالها، وباب المندب يمنحهم نفوذاً على طريق تجارة عالمي، بينما يمنح اضطراب هرمز هذا النفوذ قيمة أكبر بكثير.
ولهذا فإن أي تسوية أميركية أو إقليمية مع إيران لا تضمن تلقائياً توقف الحوثيين. فالحركة، رغم علاقتها بطهران، تتصرف وفق مصالحها وحساباتها الخاصة.
والخطر الأكبر ليس بالضرورة أن يكون أحد الأطراف قد قرر العودة إلى الحرب الشاملة، بل أن يعتقد كل طرف أنه يستطيع التصعيد قليلاً من دون إشعالها.. حتى يجد الجميع أنفسهم داخل حرب جديدة.
المصادر/ ريسبونسبل ستيتكرافت – نيويورك تايمز- موقع «ديمقراطية الآن» الأميركي- موقع «أويل برايس» المتخصص بشؤون الطاقة








