بعد أزمة هرمز.. هل يصبح العراق عقدة الشرق الأوسط الاقتصادية؟
العراق بدأ خطوات لإحياء مسار تجاري بري جديد نحو تركيا عبر معبر ربيعة ( اليعربية) الحدودي مع سوريا (وكالة الأنباء العراقية)
في ظل استمرار أزمة مضيق هرمز واضطراب حركة الطاقة والتجارة في الخليج، بدأت دول المنطقة البحث عن طرق بديلة تعيد رسم خريطة التجارة والنقل في الشرق الأوسط. وفي قلب هذه التحولات، يبرز مشروع عراقي ضخم يمتد لنحو 1200 كيلومتر، يربط ميناء الفاو في جنوب العراق بالحدود التركية مروراً بالأراضي السورية، كمحاولة لتحويل العراق إلى مركز تجاري ولوجستي إقليمي.
ويرى محللون أن مشروع ” طريق التنمية” لا يتعلق بالنقل فقط، بل قد يشكل تحولاً جيوسياسياً واقتصادياً واسعاً في المنطقة، خصوصاً مع تراجع الاعتماد المطلق على الممرات البحرية التقليدية عبر الخليج ومضيق هرمز.
ماذا يحدث؟
العراق بدأ فعلياً خطوات لإحياء مسار تجاري بري جديد نحو تركيا عبر معبر ربيعة ( اليعربية) الحدودي مع سوريا، مستفيداً من المتغيرات السياسية والأمنية الأخيرة في المنطقة.
وكالة رويترز وشبكة فوكس نيوز ووسائل عراقية وكردية أشارت إلى أن تركيا طلبت تفعيل هذا المسار،والقوافل التجارية بدأت فعلياً بالمرور عبر سوريا.
وقال رئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية عمر الوائلي لوكاالة رويترز إن إعادة فتح معبر ربيعة ستخفف الضغط على شحنات الوقود المتجهة إلى سوريا، عبر السماح بمرور مزيد من شاحنات زيت الوقود، مشيراً إلى أن معظم القوافل كانت تتكدس سابقاً عند معبر الوليد في غرب العراق، الذي كان المنفذ الحدودي العامل الوحيد.
ووصف مسؤولون عراقيون الطريق بأنه سيكون جزءاً مهماً من البنية اللوجستية المرتبطة بـ“طريق التنمية”.
ويتضمن المشروع:
- شبكة سكك حديد وطرق سريعة.
- ربط ميناء الفاو الكبير في البصرة بالحدود التركية.
- تسهيل نقل البضائع والمسافرين.
- تحويل العراق إلى مركز عبور تجاري بين الخليج وأوروبا.
وتُقدَّر كلفة المشروع بنحو 17- 24 مليار مليار دولار، فيما تشير تقديرات عراقية إلى إمكانية تحقيق عائدات سنوية تصل إلى 4 مليارات دولار.
وقال الباحث في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية مهند سلوم لشبكة فوكس نيوز إن الطريق الذي يمتد من ميناء الفاو العراقي إلى تركيا ثم أوروبا “يتقدم بوتيرة منظمة ومنضبطة”، واصفاً إياه بأنه تحول “دائم” و”جوهري” فرضته ظروف الحرب.
لماذا عاد هذا المشروع الآن؟
لسنوات طويلة، بقيت التجارة تمر بشكل أساسي عبر الخليج العربي، ما جعل الاستثمار في طرق برية عبر سوريا أقل أهمية. لكن عدة عوامل غيّرت المشهد:
- الحرب الطويلة في سوريا عطّلت طرق التجارة القديمة.
- صعود تنظيم داعش جعل النقل البري عبر سوريا شبه مستحيل.
- أزمة مضيق هرمز الأخيرة كشفت هشاشة الاعتماد على الممرات البحرية.
- تخفيف العقوبات على دمشق أعاد طرح سوريا كممر تجاري محتمل.
- تركيا تدفع بقوة نحو إعادة دمج سوريا اقتصادياً في المنطقة.وفضلا عن هذا االمشروع، يتجه العراق إلى إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك-جيهان، الذي ظل معطلاً لفترة طويلة، والمتجه إلى ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط، بقدرة إنتاجية تبلغ في البداية 170 ألف برميل يومياً، مع خطط لزيادة هذه الكمية إلى 250 ألف برميل. كما تعيد بغداد النظر في المقترحات التي تم تأجيلها لإنشاء خطوط أنابيب إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر في الأردن، ومن ثم إلى مصر – وهي مشاريع تم التخلي عنها سابقًا بسبب التكلفة والصراع والتعقيدات السياسية.
ودفع استمرار إغلاق أو اضطراب هرمز دفع العديد من الدول إلى التفكير في “جغرافيا اقتصادية جديدة” تقلل من المخاطر المرتبطة بالمضائق البحرية.
العراق بين الاقتصاد والسياسة
ورغم الحماس الاقتصادي للمشروع، لا تزال بغداد تتعامل بحذر مع الانفتاح الكامل على دمشق الجديدة، خصوصاً بسبب اعتراض بعض الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، التي لا تنظر بإيجابية إلى الحكومة السورية الحالية.
لكن التحليل يشير إلى أن المصالح الاقتصادية قد تصبح أقوى من الانقسامات السياسية والطائفية، خاصة مع حاجة العراق إلى تنويع منافذه التجارية وتخفيف اعتماده على الخليج.
أولى المؤشرات العملية
شهد معبر ربيعة الحدودي بين العراق وسوريا مرور أول قافلة ترانزيت قادمة من تركيا عبر الأراضي السورية باتجاه العراق، في خطوة وصفها مسؤولون بأنها بداية تحول مهم في طرق التجارة الإقليمية.
ودخلت الشاحنات عبر منطقة تل أبيض السورية وصولاً إلى سهل نينوى شمال الموصل، ما يعكس تحسناً نسبياً في البيئة الأمنية على طول هذا المسار.
ويرى مراقبون أن هذا التطور قد يؤثر مستقبلاً على حجم التجارة التي تمر عبر إقليم كردستان العارق، مع انتقال جزء من الحركة التجارية إلى مسارات جديدة بين أنقرة وبغداد.
لماذا تهتم تركيا؟
تسعى تركيا إلى تعزيز دورها كمركز عبور رئيسي بين آسيا وأوروبا، كما ترى في استقرار شمال سوريا والعراق فرصة اقتصادية واستراتيجية مهمة.
وتشير تقارير إلى أن أنقرة طلبت إعادة فتح معبر ربيعة، بهدف تمرير جزء كبير من التجارة عبر هذا الطريق الجديد، وربطه مستقبلاً بمشروع “طريق التنمية” العراقي.
الشرق الأوسط يعيد رسم طرق التجارة
التحولات لا تقتصر على العراق فقط. فمع استمرار أزمة هرمز، بدأت دول الخليج أيضاً البحث عن بدائل استراتيجية:
- الإمارات توسّع استخدام ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز.
- السعودية تعتمد بشكل أكبر على خط أنابيب الشرق–الغرب نحو البحر الأحمر.
- العراق يدرس إعادة تشغيل خط كركوك–جيهان نحو تركيا.
ويرى خبراء أن المنطقة تشهد تحولاً هيكلياً بعيداً عن الاعتماد الكامل على الخليج كممر وحيد للطاقة والتجارة، باتجاه شبكة متعددة من الممرات البرية والبحرية تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط.
الممر الأوسط الصيني
ولا تقتصر إعادة رسم مسارات النقل على منطقة الخليج. فالصين، التي كانت تعتمد على مضيق هرمز في جزء كبير من وارداتها من الطاقة، تعمل على تسريع وتيرة الاستثمار في طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين، المعروف أيضًا باسم “الممر الأوسط”، والذي يربط الصين بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين. يمثل النقل البري الآن أكثر من 50% من تجارة الصين مع آسيا الوسطى، بعد أن كان أقل من 20% قبل بضع سنوات. بلغت التجارة الثنائية بين الصين وكازاخستان رقماً قياسياً قدره 48.7 مليار دولار في عام 2025، بزيادة 11% على أساس سنوي.
وشهدت سكة حديد باكو-تبليسي-كارس، وهي شريان رئيسي في الممر الأوسط، زيادة في طاقتها السنوية من مليون طن إلى 5 ملايين طن بعد الانتهاء من تحديثها في أوائل عام 2024، مع أهداف طويلة الأجل تصل إلى 50 مليون طن بحلول منتصف الثلاثينيات.
ويصف المحللون ما يجري حالياً بأنه تحول هيكلي في بنية اللوجستيات في الشرق الأوسط والصين، بعيداً عن الاعتماد على البنية التحتية الراسخة ولكن الهشة في الخليج، ونحو جغرافيا تجارية جديدة ذات عقد متعددة تربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط.
هل ينجح المشروع العراقي؟
نجاح المشروع العراقي يعتمد على عدة عوامل:
- الاستقرار الأمني في سوريا والعراق.
- حجم الاستثمارات المطلوبة.
- التفاهمات السياسية الإقليمية.
- قدرة بغداد على موازنة الضغوط الإقليمية المتنافسة.
- استمرار الحاجة العالمية إلى بدائل عن هرمز.
-
- الاستقرار الأمني.
- التمويل والاستثمارات.
- العلاقات الإقليمية.
- قدرة العراق على إدارة التوازنات السياسية المعقدة في المنطقة.وبحسب تحليل شبكة قوكس نيوز الأميركية،
هل يتغير دور العراق؟
وبحسب تحليل شبكة فوكس نيوز الأميركية، فإن العراق قد ينتقل تدريجياً من دولة تعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط إلى دولة تعتمد أيضاً على موقعها الجغرافي كمركز عبور لوجستي.
وتشير التقديرات إلى أن المشروع قد يحقق نحو 4 مليارات دولار سنوياً من إيرادات النقل والترانزيت.
لكن نجاح المشروع سيظل مرتبطاً بعوامل عديدة، أبرزها:
ويخلص التحليل إلى أن مضيق هرمز سيبقى مهماً للطاقة العالمية، لكنه لم يعد يُنظر إليه كممر مضمون وآمن كما كان في السابق.
لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، حيث لم تعد السيطرة على النفط وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت السيطرة على “طرق العبور” والممرات التجارية وسلاسل الإمداد عنصراً أساسياً في رسم النفوذ السياسي والاقتصادي. فالدول التي تنجح في التحول إلى عقد لوجستية تربط الخليج بتركيا وأوروبا والبحر المتوسط، قد تمتلك مستقبلاً ثقلاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن امتلاك حقول النفط نفسها.
المصادر/ فوكس نيوز- رويترز – جيروزيلم بوست – سبلاش 247