في تحول لافت بالمشهد السياسي الهندي، تواجه حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي واحدة من أكثر موجات الاحتجاج حساسية منذ وصوله إلى السلطة قبل أكثر من عقد.
فالاحتجاجات التي يقودها شباب من جيل “زد” لم تعد مجرد اعتراض على امتحانات أو سياسات تعليمية، بل تحولت إلى تعبير واسع عن الإحباط من تراجع فرص العمل، وأزمة التعليم، وضيق مساحة التعبير السياسي، ما أجبر الحكومة على تقديم تنازل نادر تمثل باستقالة وزير التعليم.
وفي حوار نشرته مجلة ذا نيويوركر مع الصحفية الهندية مانيشا باندي، رئيسة تحرير موقع ” نيوز لوندري”، يتضح أن ما يجري يتجاوز أزمة تعليمية، ليعكس أزمة ثقة بين جيل كامل والنظام السياسي والاقتصادي في البلاد.
BREAKING 🚨
NSUI & Congress workers protest at the Income Tax intersection in Patna.
Bihar Police use water canoons to stop the protesters from breaking barricades & stop them from going towards the Chief Minister’s residence. pic.twitter.com/sXEr0t0AVt
— Indians (@voicesindians) August 4, 2026
كيف بدأت الاحتجاجات؟
اندلعت الشرارة في مايو/أيار الماضي بعد أن وصف رئيس المحكمة العليا الهندية جزءاً من الشباب بأنهم “صراصير” و”طفيليات”، وهو تصريح أثار غضباً واسعاً بين الطلاب والشباب الذين يعانون أصلاً من البطالة وضعف فرص المستقبل.
وسرعان ما تأسست مجموعة تحمل اسماً ساخراً هو “حزب الشعب الصرصار”، في محاكاة ساخرة لاسم حزب مودي الحاكم “بهاراتيا جاناتا”.
ورغم البداية الساخرة، تحولت المجموعة خلال أسابيع إلى حركة احتجاج وطنية نظمت مظاهرات ضخمة في نيودلهي ومدن أخرى، واجهتها السلطات بالقوة، بينما اضطرت الحكومة في النهاية إلى قبول استقالة وزير التعليم، وهو ما اعتبره مراقبون أول تنازل سياسي مهم من حكومة مودي أمام احتجاجات شعبية.
لماذا خرج الشباب إلى الشوارع؟
بحسب مانيشا باندي، فإن المشكلة الحقيقية ليست في الامتحانات بحد ذاتها، وإنما في انهيار الحلم الذي عاش عليه ملايين الهنود لعقود.
ففي السابق، كان الاعتقاد السائد أن الاجتهاد والدراسة يضمنان مستقبلاً أفضل، لكن كثيراً من شباب الهند باتوا يشعرون اليوم بأن العمل الشاق لم يعد كافياً لتغيير أوضاعهم.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل متداخلة:
- نقص شديد في الوظائف، خصوصاً الوظائف الحكومية التي توفر الاستقرار.
- اعتماد النظام التعليمي على ثقافة الامتحانات بدلاً من تنمية المهارات.
- انتشار مراكز التدريب الخاصة التي أصبحت صناعة ضخمة تستنزف الأسر مالياً.
- ارتفاع الضغوط النفسية والاجتماعية على الطلاب بسبب المنافسة الشرسة.
- غياب فرص عمل جيدة بعد التخرج، ما يدفع كثيرين للعمل في تطبيقات توصيل الطعام والبضائع، دون ضمانات وظيفية.
وتصف باندي هذا الواقع بأنه خلق “عاصفة كاملة من الغضب” ضد النظام بأكمله.
أزمة أعمق من التعليم
ترى باندي أن الاحتجاجات كشفت مشكلة هيكلية في الاقتصاد الهندي، فالهند لم تنجح في خلق وظائف تتناسب مع عدد الشباب الداخلين إلى سوق العمل سنوياً.
كما يشكو القطاع الخاص من نقص المهارات، بينما يشتكي الشباب من أن النظام التعليمي نفسه لا يمنحهم تلك المهارات، بل يحول حياتهم إلى سباق لاجتياز الاختبارات فقط.
وبذلك أصبحت الامتحانات تمثل بالنسبة لكثير من الشباب “الفرصة الوحيدة” للخروج من الفقر أو تحسين أوضاعهم الاجتماعية.
البعد السياسي والثقافي
لا تقتصر الأزمة على الاقتصاد.
فالصحفية الهندية تشير إلى أن حزب مودي ومنظمة راشتريا سوايامسيفاك سانغ (RSS)، التي تعد المرجعية الفكرية للقومية الهندوسية، عملا خلال السنوات الأخيرة على إعادة تشكيل المناهج التعليمية، وتوسيع نفوذ التيار القومي داخل الجامعات.
كما تتهم الحكومة بتقييد حرية التعبير داخل الحرم الجامعي، وقمع الأصوات المعارضة، وهو ما جعل الاحتجاجات تمثل أيضاً رفضاً للتضييق على الطلاب.
هل تراجعت شعبية مودي؟
رغم الزخم الكبير للاحتجاجات، تحذر باندي من المبالغة في تفسيرها على أنها بداية سقوط سياسي لمودي.
فبحسبها، لا يزال رئيس الوزراء يتمتع بشعبية واسعة، كما أن حزبه ما زال يحقق نتائج قوية انتخابياً.
لكن ما تغير هو أن ملايين الهنود الذين لا يؤيدون الحزب الحاكم لم يعودوا يجدون مساحة للتعبير عن آرائهم داخل الإعلام التقليدي أو حتى البرلمان.
وترى أن الشارع تحول إلى “مساحة علاج جماعي” لكل من يشعر بأن صوته غائب عن المشهد السياسي.
الإعلام… جزء من الأزمة
واحدة من أكثر النقاط التي ركز عليها الحوار هي دور الإعلام.
فباندي تتهم معظم القنوات التلفزيونية الهندية بالتركيز على:
- إبراز إنجازات مودي بصورة دائمة.
- مهاجمة المعارضة.
- تجاهل مشكلات البطالة والتعليم وارتفاع تكاليف المعيشة.
- تصوير المحتجين كعملاء للخارج أو مثيري شغب.
وتكشف دراسة أجراها موقعها أن تغطية قضايا الوظائف والتعليم في نشرات الأخبار الرئيسية لم تتجاوز 1% من إجمالي المحتوى، بينما استحوذت القضايا الدينية والصراعات بين الهندوس والمسلمين والدعاية السياسية على معظم وقت البث.
وبحسبها، أصبح كثير من الهنود ينظرون إلى الإعلام باعتباره امتداداً للحكومة، لا سلطة رقابية مستقلة.
لماذا تنازلت الحكومة هذه المرة؟
تقول باندي إن أكثر ما فاجأ المراقبين هو قبول استقالة وزير التعليم.
فالاحتجاجات الزراعية بين عامي 2020 و2021 استمرت أكثر من عام قبل أن تتراجع الحكومة عن قوانينها، أما هذه المرة فقد جاء التنازل سريعاً نسبياً.
وتفسر ذلك بأن الاحتجاجات لم تعد تستهدف الوزير فقط، بل بدأت تركز مباشرة على شخص ناريندرا مودي، وهو أمر نادر في الهند خلال السنوات الأخيرة.
كما ساهمت مشاهد العنف ضد المتظاهرين وإضرابات عن الطعام في توسيع التعاطف الشعبي مع الحركة.
هل هي حركة سياسية؟
رغم مشاركة اتحادات طلابية يسارية في تنظيم الاحتجاجات، فإن الحركة لا تمتلك حتى الآن بنية سياسية واضحة.
فالمبادرة انطلقت أساساً من صفحة ساخرة على إنستغرام حصدت أكثر من 22 مليون متابع، قبل أن تتحول إلى حركة ميدانية.
وضمت الاحتجاجات طيفاً واسعاً من المشاركين:
- طلاباً غاضبين من نظام التعليم.
- مؤيدين سابقين لحزب مودي.
- عمالاً وحرفيين يعانون تراجع الدخل.
- شباباً حضروا باعتبار الاحتجاج مساحة للتعبير الحر أكثر من كونه نشاطاً سياسياً منظماً.
إلى أين تتجه الاحتجاجات؟
ترى باندي أن مستقبل الحركة ما زال غير واضح.
فالحركة لا تمتلك قيادة سياسية أو برنامجاً انتخابياً، لكنها كشفت عن حجم السخط داخل المجتمع.
وتتوقع أن تشدد الحكومة الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما لعبت المنصات الرقمية الدور الأساسي في تنظيم الاحتجاجات ونقل صورها، خاصة مع حذف عدد من المنشورات المتعلقة بها بالفعل من منصات مثل إنستغرام و”إكس”.
وفي المقابل، تعتقد أن المعارضة الهندية قد تستفيد من هذا الغضب إذا استطاعت تقديم رؤية سياسية مقنعة، خصوصاً مع تزايد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وضعف الموسم الزراعي، وهو ما قد يؤدي إلى موجات احتجاج جديدة خلال الفترة المقبلة.
أول تحدٍ شعبي واسع
تكشف احتجاجات جيل “زد” في الهند عن أزمة تتجاوز التعليم والوظائف، لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الاقتصاد، وحرية التعبير، ودور الإعلام، وطبيعة النظام السياسي في أكبر ديمقراطية من حيث عدد السكان. وبينما لا تبدو هذه الاحتجاجات كافية وحدها لإضعاف قبضة ناريندرا مودي على السلطة، فإنها تمثل أول تحدٍ شعبي واسع يجمع فئات مختلفة حول قضية مشتركة، وقد تكون مؤشراً على تغيرات سياسية واجتماعية أوسع إذا استمرت الضغوط الاقتصادية وتراجعت ثقة الشباب بقدرة النظام على تحقيق طموحاتهم.








