أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
فيديو

حكاية فتى حمل قريته إلى كلية الآداب

مكان | ذاكرة محمد التركي – الحلقة الأولى

في عام 1981، وصل فتى من قرية عراقية إلى بغداد حاملاً دفاتر قليلة، وقميصاً بسيطاً، وآثار الطين في حقيبته. دخل كلية الآداب في الجامعة المستنصرية باحثاً عن مستقبله، لكنه وجد شيئاً آخر سيلازمه طويلاً: الشعر. بين أروقة الجامعة ووجوه المدينة الجديدة، بدأت حكاية محمد التركي مع بغداد، وولدت قصيدة ظل صداها ممتداً منذ ذلك الحين.

انفتحت أمامي أبواب كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، ودخلتها وقلب الفتى في صدري يضج بدهشة البدايات.

لم أحمل معي الكثير؛ دفاتر نحيلة تشبه أحلامي، وأقلاماً كنت أظنها مفاتيح العمر، وقميص «البازة» الذي كان يومها راية لفقر شريف لا يخجل من ضوئه الخافت.

وكانت “دعابل الطين” لا تزال عالقة بحقيبتي، شاهدة على قرية لم أستطع أن أخلعها عن روحي. تركت خلفي بيتنا الطيني، وعلى أحد جدرانه صورة ملهمتي الشعرية؛ نقشاً صغيراً من حنين كبير.

من طين القرية إلى بغداد دخلت بغداد كمن يعبر من طفولة موحلة إلى مدينة تفيض بالأسئلة. كانت شوارعها أوسع من خطواتي، ووجوهها أكثر من قدرتي على الحفظ، لكن القلب كان يقودني كما يقود الضوء فراشة تائهة.

ومضيت نحو كلية الآداب حتى بلغت سوق النخاسين؛ ذلك المكان الذي تتنافس فيه الألوان والهيئات، وتختلط فيه الحكايات وقصص الغرام كما تختلط أصوات المحبين. وقفت مأخوذاً بدهشة القروي الذي يرى للمرة الأولى مرآة تعكس وجوهاً لا تشبه قريته.

كنت أبحث، ربما من دون أن أدري، لا عن امرأة فحسب، بل عن شرارة توقظ القصيدة في صدري. كانت عيناي تلاحقان الراحلات والقادمات، تتأملان الملامح كما يتلصص طفل على سر جميل، حتى وقعتا على من خُيّل إليّ أن قلبي كان يهواها قبل أن تُكتب الحكايات، وقبل أن يُسوّى آدم من طين. عندها شعرت بأن اللغة استيقظت في داخلي، وأن الكلمات لم تعد حروفاً صامتة، بل نبضاً يريد الخروج.

السنارة الأولى هناك، وسط دهشة البداية في أروقة كلية الآداب، ألقيت أولى محاولاتي في بحر الشعر. لم أتعامل معها بوصفها تجربة عابرة، بل كأنها قدر بدأ يعلن عن نفسه. وفي خضم ذلك اليم، رميت سنارتي.. لكنها عادت خائبة؛ الشص غير مدبب، والطعم غير محبب!

لم تكن الخيبة نهاية الحكاية، بل ربما كانت بدايتها الحقيقية. منذ ذلك الوقت صار الشعر بيتي الآخر، وصارت كلية الآداب صفحة واسعة أكتب فوقها خطواتي المرتبكة.

بين قاعات الدراسة وضجيج الكلية والدفاتر التي لا تنتهي، كنت أتعلم كيف أصالح بين طين القرية وضوء المدينة، وكيف أحوّل الحنين من هاوية إلى جسر. شيئاً فشيئاً أصبحت بغداد ملهمتي، وصارت تلك الفتاة جزءاً من صورة مدينة أكبر بدأت تسكن القصيدة.

كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، المكان الذي بدأت فيه ذكريات الشاعر محمد التركي مطلع ثمانينيات القرن الماضي.
كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، المكان الذي بدأت فيه ذكريات الشاعر محمد التركي مطلع ثمانينيات القرن الماضي

وفي عام 1983 كتبت:

يـا بِنـتَ بَغـدَادَ لَـو تَدرِيـنَ مَـا فِيـنَـا

فَالشَّوقُ كَالجَمرِ لا يُطفَا وَيُطفِينَا

فَيَا حَبِيبِي الَّذِي مَا زِلتُ أَذكُرُهُ

وَمَا لَقِيتُ حَبِيباً عَنكَ يُغنِينَا

أَنَا المُتَيَّمُ سِرِّي لا أَبُوحُ بِهِ

وَالدَّمعُ يَكشِفُ مَا تُخفِي خَوَافِينَا

يَبكِيكِ شِعرٌ فَمَا جَفَّت مَحَابِرُهُ

لَكِ القَصَائِدُ قَد صَارَت دَوَاوِينَا

ثم تعود القرية إلى القصيدة، كما لو أن المسافة بين بغداد والطين لم تكن سوى بضعة أبيات:

فَجِئتُ مِن قَريَتِي والـشَّــوقُ يَحمِلُــنِي

حَتَّى تُحِيلَ بِصَحرَائِي بَسَاتِينَا

ويعود الطين نفسه الذي حملته معي في بداية الرحلة:

وَأُفرِغُ الطِّينَ مِن ثَوبِي وَأَضمُمُهُ

قَلاَئِدَاً لأَعَزِّ النَّاسِ غَالِينَا

إلى أن أصل إلى الصورة التي ظلت الأقرب إلى تلك السنوات:

مُسَافِرُونَ وَلاَ تَدرِي حَقَائِبُنَا

دَعَابِلُ الطِّينِ مَا زَالَت بِأَيدِينَا

ثم أخاطب بغداد:

يَا بِنْتَ بَغْدَادَ يَا مَنْ جِئْتُ أَنْشُدُهَا

يَبْكِيكِ قَلْبٌ مُعَنًّى مِنْ رَمَادِينَا

أَنَا هُنَا.. اِمْلَأِ الفَانُوسَ زَيْتَ دَمِي

لأُشْعِلَ الدَّرْبَ ضَوْءاً كَيْ يُضِيئَنَا

وَحَقِّ عَيْنَيْكِ مَا الدُّنْيَا بِمُشْرِقَةٍ

إِلا وَأَنْتِ ضِيَائِي فِي بَوَادِينَا

أَذُودُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ العِدَا وَجِلاً

وَأَسْتَحِي خَجَلاً مِنْ رُؤْيَةِ العِينَا

يَا سَاحِلَ العَيْنِ قَدْ ضَاعَتْ زَوَارِقُنَا

كَبَا الشِّرَاعُ وَضِعْنَا عَنْ مَوَانِينَا

هكذا بدأت حكايتي مع كلية الآداب.. جئت إليها فتى يحمل قريته في حقيبته، ولم أكن أعرف أنني سأخرج منها وأنا أحمل بغداد في قصيدتي.

محمد التركي

كلية الآداب – الجامعة المستنصرية (1983)

(يتبع في الحلقة الثانية من «مكان | ذاكرة محمد التركي»)

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 2 days أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.