على مقربة من شارع الرشيد، وبين الأزقة التي تقود إلى قلب بغداد القديمة، يأتي الصوت واضحاً من عمق الممر: طنين معدني حاد، مطرقة تضرب النحاس، تتوقف لثوانٍ، ثم تعود من جديد.
اتبع الصوت، وستجد نفسك في سوق الصفافير.
هنا، قرب المدرسة المستنصرية ونهر دجلة، تضيق الطريق وتقترب الدكاكين بعضها من بعض. تتدلى الدلال والأباريق عند المداخل، وتصطف الصواني النحاسية على الجدران، وحين تتسلل أشعة الشمس إلى الممر المسقوف، ترتد عن المعدن المصقول ومضات ذهبية صغيرة.
لكن شيئاً ما ينقص المشهد.
إنه الضجيج.

كان سوق الصفافير يوماً واحداً من أكثر أسواق بغداد صخباً. عشرات المطارق كانت تضرب النحاس في وقت واحد، حتى أصبح رنينها جزءاً من موسيقى المكان. أما اليوم، فعليك أحياناً أن تمشي قليلاً قبل أن تعثر على مصدر الصوت.
كثير من ورش الصفارين اختفى. وفي الأماكن التي كانت تُطرق فيها الدلال والصواني، ظهرت متاجر للأقمشة والهدايا والسلع المختلفة.
ومع ذلك، لا يزال بعض الرجال هنا يفعلون ما فعله آباؤهم وأجدادهم.
في إحدى الورش، تبدأ دلة القهوة مجرد صفيحة من النحاس. يمسكها الحرفي بيد، ويرفع المطرقة بالأخرى. ضربة بعد أخرى، ينحني المعدن ببطء. لا قوالب سريعة ولا خط إنتاج؛ العين واليد والخبرة هي التي تقرر متى أصبحت القطعة كما ينبغي.
هذه المعرفة لم تُكتسب في مدارس الحرف، بل انتقلت غالباً داخل العائلات.
محمد مهدي ورث محله، الذي يعود عمره إلى نحو ثمانين عاماً، عن جده. وأمير عبد المحسن دخل السوق طفلاً في السابعة ليساعد والده، ممثلاً الجيل الخامس من عائلته في المكان. أما إحسان الصفار، فيواصل منذ تسعينيات القرن الماضي العمل في متجر آل إليه عن أبيه.
وبين الوجوه الأكبر سناً يظهر حيدر أمير، شاب جامعي اختار العودة إلى حرفة تقول عائلته إنها تمارسها منذ أكثر من مئتي عام.
وجود شاب مثله هنا يبدو استثناءً أكثر منه قاعدة.
فالسوق الذي كان يضم، وفق روايات حرفيين، عشرات الصفارين، لم يبق فيه سوى عدد محدود ممن يطرقون النحاس فعلياً. ومع كل ورشة تغلق أبوابها، لا يختفي متجر فقط؛ بل تختفي معها مهارة يصعب استعادتها.

معلم بغدادي بارز
ليس من السهل فصل سوق الصفافير عن المكان المحيط به.

فهو يقع في قلب الرصافة القديمة، بالقرب من المدرسة المستنصرية العباسية، وفي منطقة حملت عبر قرون طبقات متراكمة من تاريخ بغداد. وتربط بعض الروايات مباني السوق القديمة بمنشآت خدمت المستنصرية قبل أن تتحول لاحقاً إلى فضاء للحرفيين والتجار.
وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي، شهدت المنطقة أعمال ترميم ساعدت على إعادة إبراز السوق بوصفه أحد معالم بغداد التراثية.
لكن الشهرة وحدها لم تكن كافية لحماية المهنة.

تغيرت المدينة، وتغيرت الأسواق، ودخلت المنتجات المصنعة آلياً، بينما أصبحت الحرفة اليدوية التي تحتاج إلى ساعات من الطرق والنقش أقل قدرة على منافسة السلع الأرخص والأسرع إنتاجاً.
ولهذا فإن أجمل ما في سوق الصفافير اليوم هو أيضاً أكثر ما يثير القلق: أنك تستطيع رؤية حرفة عمرها أجيال تُمارس أمامك، لكنك لا تعرف كم جيلاً آخر سيواصلها.
في تقرير مصور أعدته بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» عام 2022، بدا السوق مختلفاً عن صورته القديمة: عدد أقل من الحرفيين، ورنين مطارق أخف، ومهن أخرى تزحف إلى الممر الذي حمل اسم الصفارين.
ومع ذلك، لم يكن المشهد خالياً من الأمل.
في آخر السوق، ما زال هناك دكان مفتوح.
يجلس حرفي أمام قطعة نحاس لم تكتمل بعد. يثبتها بيده، يديرها قليلاً، ثم يرفع المطرقة.
يتردد الرنين تحت سقف السوق. ينظر إلى القطعة، يديرها مرة أخرى، ثم تأتي ضربة ثانية.
وخلفه تمر بغداد مسرعة: باعة، متسوقون، هواتف محمولة، سيارات وضجيج مدينة تغيرت مرات لا تحصى.
أما داخل الدكان، فالإيقاع أقدم بكثير.
ترتفع المطرقة مرة أخيرة وتهبط على النحاس. ثم يصمت السوق للحظة.
وكأن بغداد القديمة أخذت نفساً، قبل أن تبدأ المطرقة من جديد.
المصادر/ وكالة شنخوا الصينية – بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي”









