بعد نحو ثلاثة عقود على تلك الليلة التي صدمت بريطانيا والعالم، لا تزال وفاة الأميرة ديانا، أميرة ويلز في نفق بباريس واحدة من أكثر لحظات التاريخ الملكي الحديث رسوخاً في الذاكرة.
وفي الذكرى التاسعة والعشرين لرحيلها، تعود قصتها إلى الواجهة، لا باعتبارها مجرد مأساة شخصية، بل بوصفها قصة شهرة هائلة، وملاحقة إعلامية لا تنتهي، وعائلة ملكية ما زالت تعيش آثار رحيلها.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف ليل 31 أغسطس/آب 1997 عندما غادرت ديانا فندق «ريتز» في باريس برفقة صديقها رجل الأعمال المصري عماد الدين الفايد المعروف بـ “دودي الفايد” (ابن الملياردير المصري محمد الفايد)، متجهة إلى شقته قرب الشانزليزيه. وبعد دقائق قليلة فقط، فقد السائق هنري بول السيطرة على السيارة واصطدمت بأحد أعمدة نفق «بون دو لالما».
قُتل دودي والسائق في الحادث، فيما نُقلت ديانا إلى المستشفى، لكنها فارقت الحياة متأثرة بإصاباتها. وكانت في السادسة والثلاثين من عمرها. أما حارسها الشخصي تريفور ريس جونز فكان الناجي الوحيد من السيارة.

من زفاف القرن إلى حياة تحت المجهر
دخلت ديانا سبنسر العائلة الملكية عام 1981 بزواجها من الأمير تشارلز، الذي أصبح لاحقاً الملك تشارلز الثالث. وكان زفافهما من أكثر الأحداث التلفزيونية مشاهدة في عصره، وسرعان ما تحولت الشابة البالغة من العمر 20 عاماً إلى واحدة من أشهر النساء في العالم.
لكن خلف صورة «الحكاية الخيالية» كانت هناك حياة زوجية مضطربة. فقد أقر تشارلز لاحقاً بعلاقته بكاميلا باركر بولز، بينما تحدثت ديانا علناً عن أزماتها الزوجية في مقابلة شهيرة مع «بي بي سي» عام 1995. وانتهى الزواج بالطلاق عام 1996.
ورغم خروجها من الإطار الرسمي للعائلة المالكة، لم تخرج ديانا من دائرة الاهتمام العام. فقد استمرت الصحف الشعبية والمصورون في ملاحقة كل تفاصيل حياتها الخاصة، حتى أصبحت صورها من أكثر المواد الإعلامية قيمة.

هل قتلها المصورون؟
عقب الحادث مباشرة، اتجهت أصابع الاتهام إلى المصورين الذين كانوا يلاحقون السيارة بالدراجات النارية.
لكن التحقيقات الرسمية خلصت لاحقاً إلى أن المصورين لم يكونوا السبب المباشر في الاصطدام، بينما أظهرت التحقيقات أن السائق هنري بول كان يقود بسرعة كبيرة وتحت تأثير الكحول، إلى جانب أدوية موصوفة طبياً.
ومع ذلك، لم ينه ذلك الجدل. فقد أحاطت وفاة ديانا على مدى سنوات بنظريات مؤامرة واسعة، وهو ما جعل الحادث يبقى موضوعاً يتجاوز مجرد حادث سير مأساوي.
جنازة شاهدها العالم
أثار موت ديانا موجة حزن غير مسبوقة. وتحولت بوابات قصري كينسينغتون وباكنغهام إلى بحار من الزهور والبطاقات والشموع.
وفي 6 سبتمبر/أيلول 1997، تابع أكثر من ملياري شخص جنازتها عبر التلفزيون، في واحد من أكثر الأحداث مشاهدة في التاريخ.
وكان المشهد الأكثر تأثيراً لطفليها الأمير وليام والأمير هاري، وكانا في الخامسة عشرة والثانية عشرة، وهما يسيران خلف نعش والدتهما.
ودُفنت ديانا في جزيرة صغيرة وسط بحيرة في ضيعة أسرتها في ألثورب بمقاطعة نورثهامبتونشير، بعيداً عن أعين الجمهور.

إرث يتجاوز العائلة الملكية
لم تأت شهرة ديانا فقط من لقبها الملكي. فقد رسخت حضورها من خلال نشاطها الإنساني، خصوصاً حملاتها المرتبطة بمرض الإيدز والألغام الأرضية.
وفي عام 1987 أثارت اهتماماً عالمياً عندما صافحت علناً مريضاً بالإيدز في وقت كانت تنتشر فيه مخاوف ومعلومات خاطئة بشأن انتقال المرض.
هذا الأسلوب المباشر في التعامل مع الناس عزز صورتها بوصفها «أميرة الشعب» أو «أميرة القلوب»، وجعلها مختلفة عن الصورة التقليدية للعائلة الملكية البريطانية.
ذكراها تعود بقوة في 2026
تحل الذكرى التاسعة والعشرون لوفاة ديانا هذا العام في وقت عادت فيه العائلة نفسها إلى دائرة الاهتمام.
فابنها الأمير هاري عاد مع زوجته ميغان وطفليهما إلى بريطانيا، بعدما عاشوا سنوات في الولايات المتحدة. وذكرت تقارير بريطانية أنه اصطحب طفليه خلال الصيف لزيارة قبر جدتهما ديانا للمرة الأولى.
وكشف هاري أيضاً أنه يعد كعكة بالليمون في ذكرى وفاة والدته كل عام، باعتبارها طريقة شخصية لاستحضار ذكراها.
في المقابل، يبدو أن الخلاف المستمر بين هاري وشقيقه وليام سيجعل إحياء الذكرى يتم بصورة منفصلة.
شقيقها يفتح ملفات الماضي
وتكتسب الذكرى هذا العام بعداً آخر مع استعداد شقيقها تشارلز سبنسر لنشر مذكرات جديدة بعنوان“أغنية الوداع: ديانا، شقيقتي” في سبتمبر/أيلول.
ويقول سبنسر إن الكتاب يهدف إلى تصحيح ما يعتبره «أكاذيب» ومعلومات غير دقيقة أصبحت مع مرور السنوات جزءاً من الرواية العامة عن شقيقته.
وفي ذكرى رحيلها هذا العام، نشر صورة لمنزل الأسرة في ألثورب مع العلم منكّساً، وكتب عبارة مقتضبة ومؤثرة: «31 أغسطس.. أقل أيامي المفضلة».
من المصور المحترف إلى مصور في كل هاتف
وتطرح الذكرى أيضاً سؤالاً يتجاوز قصة ديانا نفسها.
فحين توفيت عام 1997، كان المصورون المحترفون يمثلون الخطر الأكبر على خصوصية المشاهير. أما اليوم، فقد جعلت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي كل شخص تقريباً قادراً على تصوير الآخرين ونشر حياتهم الخاصة في ثوانٍ.
ولهذا تبدو قصة ديانا أكثر إثارة مما قد توحي به السنوات الماضية: امرأة بلغت قمة الشهرة العالمية، لكنها لم تتمكن من الإفلات من المراقبة المستمرة.
وبعد 29 عاماً، لم تختف قصتها. بل ربما تغير فقط شكل الكاميرا التي تلاحق المشاهير.









