أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

من هرمز إلى القوقاز.. من يربح ومن يدفع الثمن؟ 

من هرمز إلى القوقاز.. من يربح ومن يدفع الثمن؟ 

لم تعد تداعيات الحرب مع إيران تُقاس بعدد الصواريخ والضربات العسكرية وحدها. فخلف المواجهة الجارية، تتشكل خريطة اقتصادية وجيوسياسية جديدة قد تبقى آثارها لسنوات: دول تبحث عن طرق لنقل النفط والغاز بعيداً عن مضيق هرمز، وممرات جديدة تتقدم عبر القوقاز وتركيا، فيما تجد إيران نفسها أمام مفارقة لافتة؛ ما زالت قادرة على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، لكنها تخسر تدريجياً فرصة أن تكون هي نفسها ممراً رئيسياً للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب.

وفي المقابل، تواجه دول الخليج مشكلة مختلفة. فحتى إذا توقفت الحرب، لن تختفي فاتورتها سريعاً؛ إذ يتعين إصلاح البنية التحتية، وتوسيع خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، واستعادة السياح والمستثمرين، والتعامل مع ارتفاع تكاليف التأمين والتمويل.

هذه هي الصورة التي ترسمها مقالتان تحليليتان نشرهما «وور أون ذا روكس» و«المجلس الأطلسي» الأميركيان: الأولى تنظر إلى الجغرافيا الجديدة لأمن الطاقة، والثانية إلى الإرث الاقتصادي الطويل للحرب على دول الخليج.

هرمز لا يمكن استبداله

تنطلق مقالة الباحث أيدين بناهي في «وور أون ذا روكس» من حقيقة يصعب تجاوزها: مهما توسعت خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والممرات البرية، يبقى مضيق هرمز شرياناً لا يوجد بديل قادر على تعويضه.

ففي عام 2024، مر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ومعظمه من قطر.

لكن الحرب كشفت حجم الهشاشة. فبحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية التي يستشهد بها الكاتب، تراجعت تدفقات النفط عبر هرمز إلى نحو 4.9 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026، بعدما كانت 21.6 مليوناً قبل فصلين، فيما كادت شحنات الغاز المسال تتوقف.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية: 84% من النفط الخام و83% من الغاز المسال الذي عبر هرمز في 2024 كان متجهاً إلى آسيا، ولا سيما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. ولذلك فإن إنشاء خط أنابيب في القوقاز أو سكة حديد عبر أرمينيا قد يساعد أوروبا، لكنه لا يحل مشكلة الاعتماد الآسيوي على هرمز.

العالم الغربي يعمل على بناء «جغرافيا ثانية»
العالم الغربي يعمل على بناء «جغرافيا ثانية» في القوقاز ( سوفا نيوز)

القوقاز يدخل معادلة أمن الطاقة

مع ذلك، يرى الكاتب أن العالم الغربي يعمل على بناء «جغرافيا ثانية» لأمن الطاقة إلى جانب الخليج، تتكون من خطوط أنابيب وسكك حديد وشبكات كهرباء وممرات تجارية تمتد من بحر قزوين والقوقاز إلى تركيا وأوروبا.

ومن أبرز النماذج خط باكو–تبليسي–جيهان، الذي ينقل نفط بحر قزوين عبر جورجيا إلى الساحل التركي على البحر المتوسط، متجنباً الأراضي الروسية والإيرانية.

لكن أهميته السياسية تفوق حتى الآن وزنه النفطي. فرغم أن طاقته الاسمية تبلغ 1.2 مليون برميل يومياً، نقل في 2025 نحو 565 ألف برميل يومياً فقط.

والأمر مشابه بالنسبة إلى الغاز. فقد وصلت إمدادات أذربيجان إلى أوروبا عبر «ممر الغاز الجنوبي» إلى نحو 12.8 مليار متر مكعب في 2025، بينما يبلغ الطلب الأوروبي السنوي نحو 335 مليار متر مكعب. أي أن الممر مهم لتنويع المصادر، لكنه بعيد عن أن يكون بديلاً ضخماً.

طريق ترامب.. مشروع يتجاوز التجارة

ويولي التحليل أهمية خاصة لما يسمى «طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي»، وهو مشروع ممر عبر جنوب أرمينيا يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان ومنها بتركيا.

المشروع لا يزال في طور التخطيط والمسح الهندسي، والسلام النهائي بين أرمينيا وأذربيجان لم يُوقّع بعد. لكن دلالته الجيوسياسية كبيرة؛ إذ يُفترض أن تمتلك شركة ذات أغلبية أميركية حقوق تطويره لمدة أولية تبلغ 49 عاماً، بحصة أميركية قدرها 74% مقابل 26% لأرمينيا، مع احتفاظ يريفان بالسيادة والحدود والجمارك والأمن.

وبذلك لا يتعلق المشروع بنقل البضائع فقط، بل أيضاً بإعادة توزيع النفوذ في جنوب القوقاز وتقليص الدور الروسي التقليدي.

تركيا.. الرابح الجغرافي الأكبر

إذا كان هناك طرف يبدو مستفيداً بصورة واضحة من شبكة الممرات الجديدة، فهو تركيا.

فخط باكو–تبليسي–جيهان، وممر الغاز الجنوبي، و«الممر الأوسط»، والطريق المقترح عبر جنوب أرمينيا، تمر عبر الأراضي التركية أو تنتهي في موانئها.

وهذا يمنح أنقرة موقعاً متقدماً باعتبارها بوابة شبه إلزامية للطاقة والتجارة القادمة من بحر قزوين باتجاه أوروبا، ويعزز قدرتها على التفاوض مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا وإيران.

لكن تنويع الطرق لا يعني اختفاء المخاطر. فالأنابيب والسكك الحديدية تمتد آلاف الكيلومترات، وتعبر دولاً مختلفة ومناطق قريبة من نزاعات غير محسومة، ويمكن استهدافها بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ أو أعمال التخريب.

إيران.. من دولة عبور محتملة إلى دولة يجري الالتفاف حولها

أكثر استنتاجات المقالة لفتاً للانتباه يتعلق بإيران نفسها.

فموقعها الجغرافي يجعلها، نظرياً، مرشحاً طبيعياً للربط بين الخليج وبحر قزوين وآسيا الوسطى والقوقاز. لكن العقوبات والصراعات السياسية جعلتها خارج معظم شبكات النقل الغربية والخليجية الجديدة.

وفي المقابل، أصبحت مرتبطة أكثر بالممر الروسي–الإيراني–الهندي، المعروف بـ«ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب».

ويرى الكاتب أن المشكلة بالنسبة لطهران ليست أنها أصبحت بلا ممرات، وإنما أنها أصبحت أكثر اعتماداً على شبكة مرتبطة بروسيا وأقل اندماجاً في شبكات متعددة الأطراف وأكثر ربحية.

أما الشراكة الممتدة 25 عاماً مع الصين، فيقول التحليل إنها أدت إلى مبيعات نفط إيراني بأسعار مخفضة، لكنها لم تحقق حتى الآن الحجم الموعود من الاستثمارات.

ومن هنا يصل الكاتب إلى مفارقة مهمة: إيران ما زالت تمتلك القدرة على رفع تكلفة المرور عبر هرمز وإخافة شركات الشحن والتأمين، لكنها تفقد تدريجياً نوعاً آخر من النفوذ: الأموال والعلاقات والمصالح التي تحصل عليها الدولة عندما يريد الآخرون المرور عبر أراضيها بدلاً من الالتفاف حولها.

فاتورة خليجية ثقيلة

المقالة الثانية، للباحث كورت ديفيس جونيور في «المجلس الأطلسي»، تنظر إلى المشكلة من زاوية أخرى.

وهو يرفض المبالغة في تشبيه حرب إيران بحرب فيتنام؛ فالفارق هائل في عدد القتلى والمدة والتكلفة العسكرية والسياسية. لكنه يرى أن هناك تشابهاً محتملاً في شيء واحد: الحرب قد تنتهي عسكرياً قبل أن تنتهي آثارها الاقتصادية بوقت طويل.

والدول التي قد تدفع جزءاً كبيراً من هذه الفاتورة ليست إيران والولايات المتحدة وحدهما، بل دول الخليج أيضاً.

ويحدد الكاتب خمس كلف رئيسية مرشحة للاستمرار:-

أولاً: الطاقة. ارتفاع أسعار النفط ليس سوى الجزء الظاهر. المشكلة الأطول أجلاً هي الأموال التي يتعين على دول الخليج إنفاقها لإصلاح المنشآت المتضررة وبناء خطوط أنابيب ومستودعات وموانئ تصدير تقلل الاعتماد على هرمز. ومع تعرض باب المندب أيضاً للتهديد، تصبح القضية أخطر: الخليج يحتاج ليس فقط إلى إنتاج الطاقة، وإنما إلى ضمان قدرته على إيصالها إلى الأسواق.

ثانياً: إعادة الإعمار. الأضرار طالت منشآت للطاقة والمياه في المنطقة، ما يعني سنوات من الإنفاق الرأسمالي. ويشير الكاتب إلى أن صناديق الثروة السيادية الخليجية تمتلك أصولاً تقدر بنحو 6 تريليونات دولار، لكنها ليست أموالاً نقدية جاهزة بالكامل. ولذلك ستحتاج الحكومات أيضاً إلى القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين في وقت أصبح هؤلاء أكثر حذراً تجاه المخاطر الإقليمية.

ثالثاً: السياحة. الحرب أصابت أحد أهم رهانات التنويع الاقتصادي. ويورد الكاتب مثال دبي، حيث هبط إشغال الفنادق من 84.7% في فبراير إلى نحو 22.8% في منتصف آذار/ مارس، قبل أن يتعافى جزئياً. كما تراجع إشغال الفنادق في الرياض. وهذا يمس مباشرة استراتيجيات الإمارات والسعودية وقطر التي تعتمد بدرجات مختلفة على السياحة والأعمال واستقطاب الزوار والمقيمين.

رابعاً: رأس المال. الحكومات الخليجية لا تزال قادرة على الاقتراض، لكن الشركات تواجه بيئة أصعب. فقد تباطأت إصدارات الصكوك والطروحات العامة، وأصبح المستثمرون يطالبون بعوائد أعلى وشروط أكثر صرامة. أما التأمين، خصوصاً على السفن العابرة لهرمز، فبقي مرتفع التكلفة. وبهذا، كما يقول الكاتب، يدفع الخليج «ضريبة المخاطر» مرتين: على ما يصدره إلى الخارج وعلى ما يستورده.

خامساً: علاوة عدم اليقين. وهي ربما الأخطر، لأن الأسواق تستطيع تسعير «المخاطر» عندما تعرف احتمالاتها، لكنها تجد صعوبة أكبر في تسعير وضع لا تعرف متى ينتهي أو ما الشكل الذي سيستقر عليه. وهذا يدفع المستثمرين إما إلى المطالبة بعائد أكبر، أو ببساطة إلى تأجيل قراراتهم.

 الحرب تغيّر قيمة الجغرافيا

عند قراءة المقالتين معاً، تظهر صورة أوسع من مجرد إغلاق هرمز أو ارتفاع أسعار النفط.

العالم لا يستطيع الاستغناء عن مضيق هرمز، لكنه يحاول تقليل مقدار الضرر الذي يستطيع أي طرف إحداثه من خلال السيطرة على عقدة جغرافية واحدة. لذلك تتسارع الاستثمارات في خطوط الأنابيب والموانئ والممرات البرية والسكك الحديدية.

والنتيجة قد تكون تحولاً جيوسياسياً طويل المدى: تركيا والقوقاز يكتسبان أهمية أكبر، وإيران تحتفظ بقوة التعطيل لكنها تخسر جانباً من قوة الربط والعبور، بينما تضطر دول الخليج إلى إنفاق مليارات الدولارات لجعل اقتصاداتها وصادراتها أقل تعرضاً للصدمات.

وهنا تكمن المفارقة: قد تُفتح هرمز مجدداً وتعود الناقلات بأعداد أكبر، لكن أزمة الثقة في الاعتماد على المضيق لن تنتهي بالسرعة نفسها. وإذا استمرت الحرب أو التوترات، فقد يكون إرثها الأهم ليس ما دمرته الصواريخ، بل الطرق الجديدة التي سيقرر العالم بناءها كي لا تتكرر الأزمة.

المصادر/ «وور أون ذا روكس» و«المجلس الأطلسي»

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.