شرق أوسط جديد أم إعادة إنتاج للأزمات؟.. لماذا حرب إيران لم تغيّر قواعد اللعبة؟
الكاتب يرى أن المسرح بات مهيأً للحرب المقبلة" ما لم تُعالج الأسباب السياسية العميقة للصراعات
رغم ما شهدته المنطقة من حروب غير مسبوقة، وسقوط أنظمة، وامتداد المواجهة المباشرة بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، يرى الباحث الأميركي غريغوري غاوس في مجلة فورين أفيرز أن الشرق الأوسط لم يدخل حقبة جديدة كما يعتقد كثيرون.
فبرأيه، غيّرت الحرب موازين القوى تكتيكياً، لكنها لم تمسّ جذور الأزمات التي أبقت المنطقة رهينة الصراعات لعقود، ما يجعل احتمال اندلاع حرب جديدة مسألة وقت أكثر منه احتمالاً.
الشرق الأوسط تغيّر… لكنه بقي كما هو
يرى الكاتب أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات دراماتيكية، من الحرب الإسرائيلية على غزة، إلى المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، وسقوط نظام بشار الأسد، واتساع دائرة الصراع إلى لبنان والخليج وسوريا.
لكن رغم هذه التحولات، فإن البنية الأساسية للمنطقة لم تتغير، إذ ما تزال:
- الدول العربية الضعيفة ساحة للتنافس الإقليمي والدولي.
- الصراع الإيراني-الإسرائيلي مستمراً.
- القضية الفلسطينية بلا حل سياسي.
-
الولايات المتحدة عاجزة عن فرض نظام إقليمي جديد، لكنها غير قادرة أيضاً على الانسحاب من المنطقة.

الكاتب يرى أن الهدف المعلن للحرب الأميركية-الإسرائيلية كان إضعاف إيران، وربما إسقاط النظام، إلا أن النتيجة جاءت معاكسة (الصحافة الإيرانية)
الحرب لم تُسقط إيران بل أعادت إحياءها
يعتبر الكاتب أن الهدف المعلن للحرب الأميركية-الإسرائيلية كان إضعاف إيران، وربما إسقاط النظام، إلا أن النتيجة جاءت معاكسة.
فبعد الضربات التي تعرضت لها بين عامي 2023 و2025، استعادت طهران جزءاً كبيراً من نفوذها عبر:
- استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية.
- استهداف دول الخليج.
- احتفاظ الحرس الثوري بموقعه المهيمن داخل النظام.
- استمرار سياساتها التقليدية تجاه إسرائيل والولايات المتحدة والعالم العربي.
ويضيف أن الحرب منحت طهران “فرصة جديدة للحياة”، بل عززت دوافعها للاستمرار في تطوير برنامجها النووي باعتباره وسيلة الردع الأهم ضد أي هجوم مستقبلي.
القضية الفلسطينية بقيت دون حل
رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، يؤكد المقال أن إسرائيل لم تنجح في معالجة جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويشير إلى أن:
- غزة ما تزال تعيش حالة حرب غير محسومة.
- إسرائيل تواصل السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع.
- لا توجد تسوية سياسية أو خطة واقعية لإدارة ما بعد الحرب.
- الحكومة الإسرائيلية ترفض منح السلطة الفلسطينية دوراً في غزة، فيما تواصل توسيع الاستيطان في الضفة الغربية.
الدول الضعيفة هي أصل المشكلة
يرى الكاتب أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق عبر القصف العسكري، وإنما من خلال بناء دول عربية قوية في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
ويؤكد أن الدول الضعيفة:
- تعجز عن ضبط حدودها.
- تسمح بنمو الجماعات والفصائل المسلحة.
- تفتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
- لا تستطيع إرساء سلام دائم.
ويختصر فكرته بعبارة: “الدول الضعيفة لا تصنع سلاماً دائماً.”
إيران ما تزال تحتفظ بنفوذها الإقليمي
ورغم تراجع بعض حلفائها، يعتقد الكاتب أن شبكة النفوذ الإيرانية لم تتقهقر.
ويشير إلى أن:
- الأحزاب والقوى المقربة من إيران حققت نتائج جيدة في الانتخابات العراقية.
- الفصائل المدعومة من طهران واصلت استهداف قواعد أميركية.
- الحكومة العراقية الجديدة ضمت شخصيات مقربة من إيران في مواقع مؤثرة.
- حزب الله بقي لاعباً رئيسياً في لبنان رغم الخسائر.
- الحوثيون عادوا تدريجياً إلى الانخراط في الصراع دعماً لإيران.
الخليج أعاد حساباته تجاه إسرائيل
يقول المقال إن دول الخليج كانت تنظر إلى إسرائيل خلال السنوات الماضية كشريك محتمل في مواجهة إيران، لكن حرب غزة والحرب مع إيران غيّرت هذه النظرة.
وبحسب الكاتب:
- تراجعت فرص توسيع “اتفاقات أبراهام”.
- أصبحت الحكومات الخليجية أكثر حذراً في إظهار أي تقارب مع إسرائيل.
- تصاعدت الشكوك الخليجية في أن إسرائيل تراعي مصالحها الأمنية.
- في المقابل، لا تزال دول الخليج تعتمد على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني الوحيد في المنطقة.

الكاتب يذهب إلى أن إسرائيل حققت تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكنها لم تستثمره في بناء ترتيبات سياسية جديدة (الصحافة الإسرائيلية)
إسرائيل تربح عسكرياً وتخسر سياسياً
يرى الكاتب أن إسرائيل حققت تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكنها لم تستثمره في بناء ترتيبات سياسية جديدة.
ويعتبر أن حكومة بنيامين نتنياهو فضّلت:
- توسيع السيطرة الميدانية.
- إضعاف السلطة الفلسطينية.
- عرقلة جهود بناء الدولة في لبنان وسوريا.
- الاعتماد على القوة العسكرية بدلاً من التسويات السياسية.
ويحذر من أن هذا النهج قد يحقق مكاسب قصيرة الأمد، لكنه لا يوفر استقراراً طويل الأمد لإسرائيل أو للمنطقة.
سوريا فرصة واختبار في آن واحد
يصف الكاتب سقوط نظام بشار الأسد بأنه أهم تحول جيوسياسي شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، لأنه قطع أحد أهم مسارات النفوذ الإيراني نحو لبنان.
لكن سوريا، بحسب المقال، لا تزال:
- دولة ضعيفة ومنقسمة.
- تواجه صراعات داخلية بين مكوناتها المختلفة.
- معرضة مجدداً لأن تصبح ساحة تنافس بين إيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج إذا فشلت الدولة الجديدة في بسط سلطتها.
ما الذي ينبغي على واشنطن فعله؟
يطرح الكاتب مجموعة من التوصيات، أبرزها:
- دعم بناء مؤسسات الدولة في لبنان وسوريا بدلاً من الاكتفاء بالحلول العسكرية.
- الحفاظ على الوجود العسكري الأميركي في الخليج لردع إيران وطمأنة الحلفاء.
- استئناف المفاوضات النووية مع طهران بدلاً من السعي إلى تغيير النظام بالقوة، معتبراً أن خيار إسقاط النظام عبر الحرب أثبت فشله.
- إطلاق إطار دولي لإدارة أمن الملاحة في مضيق هرمز بمشاركة القوى الكبرى والدول المعنية.
- إعادة إحياء مسار سياسي جاد لحل القضية الفلسطينية، لأن تجاهل حق الفلسطينيين في تقرير المصير سيبقي المنطقة عرضة لدورات جديدة من العنف.
العودة إلى أنماط الصراع القديمة
يخلص الكاتب إلى أن المنطقة لم تدخل “شرقاً أوسط جديداً”، بل عادت إلى أنماط الصراع القديمة بأدوات أكثر تدميراً. فإيران خرجت أكثر ثقة، وإسرائيل أصبحت أكثر اعتماداً على القوة العسكرية، والدول العربية الضعيفة ما زالت ساحة للتنافس الإقليمي، بينما بقيت القضية الفلسطينية بلا حل. لذلك، يحذر من أن أي هدنة مستقبلية لن تكون سوى استراحة مؤقتة، وأن “المسرح بات مهيأً للحرب المقبلة” ما لم تُعالج الأسباب السياسية العميقة للصراعات.
حول هذه القصة
ترامب ونتنياهو يعقدان اليوم الثلاثاء أول اجتماع مباشر بينهما منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ( هاآرتس)
فانس أبدى خلال اجتماع يوم الجمعة مخاوف واضحة من المضي في تصعيد الحرب ضد إيران (البيت الأبيض)
عدم وجود هجوم مباشر على الأراضي الأميركية، ما جعل حرب إيران تُصنف اختيارية وليست ردًا على اعتداء (البيت الأبيض)