بين أبراج بودونغ التي تبدو كأنها قادمة من المستقبل، وأزقة تحتفظ بملامح الصين القديمة، تقدم شنغهاي نفسها كمدينة يصعب اختصارها في صورة واحدة. هنا تتحرك الحياة بإيقاع سريع؛ قطارات فائقة السرعة، وسيارات كهربائية، وناطحات سحاب وأضواء نيون ومتاجر فاخرة، فيما لا تزال الحدائق التاريخية وبيوت الشاي والأسواق الشعبية تروي فصولاً من ماضٍ لم يختفِ تماماً.
رسّخت شنغهاي مكانتها بوصفها إحدى أبرز عواصم الحداثة والابتكار في الصين، واشتهرت بتقنياتها المستقبلية وعمارتها الجريئة ومشهدها الثقافي المتجدد. لكن سحر المدينة الحقيقي ربما يكمن في التناقض بين عالمين يعيشان جنباً إلى جنب: ناطحات سحاب تضيء سماء الليل، ومبانٍ تاريخية تتحول إلى معارض ومطاعم، وموسيقى الجاز تعيد أجواء القرن الماضي، وأسواق وعادات اجتماعية تكشف وجهاً مختلفاً تماماً للصين.
وبين السيارات الكهربائية التي جعلت الشوارع أكثر هدوءاً، والقطارات فائقة السرعة، والحياة التي أصبحت تعتمد تقريباً بالكامل على التطبيقات، تقدم شنغهاي اليوم مزيجاً لافتاً من المستقبل والتقاليد والطعام والفن والحياة الليلية.
وفي دليلها الشهير «36 ساعة»، تقترح صحيفة نيويورك تايمز رحلة مكثفة لاكتشاف المدينة خلال عطلة قصيرة، من واجهة البوند التاريخية إلى حدائق أسرة مينغ وأسواق الطعام ونوادي الجاز.

شنغهاي تتغير بسرعة
تصف الصحيفة شنغهاي، ثاني أكبر مدن الصين، بأنها مدينة لا تكف عن التحول. فإلى جانب المتاجر العملاقة وتجارب الواقع الافتراضي، بدأت مبانٍ تاريخية قديمة تتحول إلى معارض فنية ومطاعم ومراكز ثقافية.
كما أدى الانتقال الواسع إلى السيارات الكهربائية إلى جعل شوارع المدينة أكثر هدوءاً، فيما توسعت شبكات المترو والقطارات فائقة السرعة، ما جعل التنقل أسهل من السابق.
لكن الزائر سيكتشف سريعاً أن الحياة اليومية في شنغهاي أصبحت رقمية إلى حد كبير: الحجز، والدفع، وطلب الطعام، واستدعاء سيارات الأجرة وحتى شراء تذاكر القطارات تتم غالباً عبر الهاتف.
قبل السفر.. الهاتف أهم من المحفظة
تنصح الصحيفة الزائر بتحميل عدد من التطبيقات قبل الوصول، وفي مقدمتها وي شات وعلي بي WeChat وAlipay، إذ يستخدمان للدفع والحجوزات وطلب الطعام والتنقل.
أما خدمة ديدي Didi فهي البديل الصيني لخدمات سيارات الأجرة عبر التطبيقات، ويمكن استخدامها من داخل وي شات وعلي بي.
وللتنقل، يُنصح باستخدام تطبيق إيه ماب AMap لأن خرائط غوغل لا تعمل بصورة موثوقة في الصين.
أما مترو شنغهاي، فيضم 20 خطاً مع لافتات باللغة الإنجليزية، ويمكن دفع الأجرة بواسطة بطاقة المواصلات أو رمز QR عبر علي بي Alipay.
ومن مطار بودونغ، يوفر قطار ماغليف المغناطيسي تجربة لافتة، إذ يقطع نحو 30 كيلومتراً إلى محطة لونغيانغ في أقل من ثماني دقائق.

اليوم الأول.. الفن والطعام وإطلالة ليلية
تبدأ الجولة في منطقة البوند، الواجهة التاريخية الشهيرة على نهر هوانغبو، حيث تقف مبانٍ ذات طرز قوطية وباروكية وعصر النهضة كانت في السابق مقرات لشركات ومؤسسات عالمية.
لكن المنطقة تحولت اليوم أيضاً إلى مركز للفن المعاصر.
من أبرز المحطات مركز هايف للفن المعاصر، الذي افتُتح داخل مبنى مصرف قديم ويعرض أعمالاً لفنانين صينيين، إضافة إلى متحف روكبوند للفنون وسبيس 185في مركز البوند للفنون.
بعد ذلك، تقترح الصحيفة التوجه إلى شارع نانجينغ، الذي تصفه بأنه أشبه بـ«تايمز سكوير» شنغهاي، بما يضمه من أضواء ومتاجر وحشود.
وفي مركز شنغهاي الأول للأطعمة، يمكن للزائر تذوق مجموعة من الحلويات والوجبات الخفيفة التي أصبح بعضها جزءاً من التراث الغذائي للمدينة.




نودلز سرطان البحر.. طبق شنغهاي الشهير
من أبرز تجارب الطعام التي يوصي بها الدليل طبق النودلز مع سرطان البحر الصيني المشعر.
ويعد هذا النوع من السرطان أحد أشهر مكونات مطبخ شنغهاي، خصوصاً في منطقة دلتا نهر اليانغتسي.
ويقترح الدليل مطعم سيجيرداري Cejerdary في البوند، حيث يقدم الطبق باستخدام سرطان البحر القادم من بحيرة يانغتشنغ، ويحتوي بعض الأطباق على لحم وبيض نحو 12 سرطاناً صغيراً، ويقدم مع الأرز أو النودلز والخل الأسود.
عودة إلى شنغهاي القديمة عبر موسيقى الجاز
ومن أبرز المحطات التي تستحق الزيارة «نادي الجاز» في فندق «فيرمونت بيس»، أحد أشهر الأماكن الموسيقية التاريخية في شنغهاي.
فالمدينة التي تتغير بسرعة لم تحتفظ بالكثير من الأماكن التي تعيد الزائر إلى ماضيها، لكن هذا البار ظل أحد أشهر أماكن موسيقى الجاز فيها منذ عقود.
ومنذ عام 1980، يقدم فريق موسيقي عروضاً مسائية يومية، في أجواء تستحضر شنغهاي القديمة.
السبت يبدأ بجولة في عالم الدمبلنغ
يبدأ اليوم الثاني في شارع «ويست جيانغوو» ، الذي تصفه الصحيفة بأنه جنة لعشاق الزلابية الصينية «الدمبلنغ».
وهناك يمكن تجربة «شياو لونغ باو»، وهي زلابية صينية رقيقة تُطهى على البخار وتُحشى باللحم والمرق، إلى جانب نوع آخر أكبر حجماً وأكثر سماكة يُطهى بالقلي في المقلاة.
كما توصي الصحيفة بشوربة الوانتون المحشوة بلحم الخنزير أو الجمبري.

التسوق بعيداً عن الماركات العالمية
بدلاً من الاكتفاء بالمراكز التجارية الفاخرة، يقترح الدليل التجول في شوارع «جولو» و«وويوان» و«يونغكانغ»، حيث المتاجر المحلية والتصاميم الصينية والأجواء التي تكشف وجهاً مختلفاً لشنغهاي.
هناك متاجر لمصممين صينيين ناشئين، ومنتجات حرفية صغيرة، ومتاجر عائلية قديمة تبيع الصلصات واللحوم المحفوظة وفق وصفات يعود بعضها إلى عشرينيات القرن الماضي.
كما يمكن زيارة المنزل السابق لفنان الكاريكاتير الصيني تشانغ لي بينغ، مبتكر شخصية الأطفال الشهيرة «سانماو»، والذي تحول إلى متحف مجاني.
تجربة الطب الصيني التقليدي
وللباحثين عن تجربة مختلفة، تقترح الصحيفة زيارة مركز «كانغ يو سي جي» لتجربة تدليك «توينا»، أحد أساليب التدليك التقليدية الصينية التي تمتد جذورها إلى نحو ألفي عام.
ويبدأ المعالج عادة بالسؤال عن النوم والهضم ومستويات التوتر قبل فحص وضعية الجسم وتحديد مناطق التشنج العضلي.
ومن المهم الإشارة إلى أن تفسير هذه الممارسات يعتمد على مفاهيم الطب الصيني التقليدي مثل مسارات «تشي» أو الطاقة، وهي مفاهيم تختلف عن التفسير الطبي الحديث.
الدخول إلى عالم وونغ كار واي
واحدة من أكثر التجارب غرابة وجاذبية تنتظر الزائر في «مي شانغ برادا رونغ تشاي» (Mi Shang Prada Rong Zhai)، وهو فضاء يجمع بين الفن والطعام تابع لدار «برادا»، وصُمم بالتعاون مع المخرج الشهير وونغ كار واي.
ويقع المكان داخل قصر تاريخي يعود إلى نحو عام 1918، ويتميز بقاعات مستوحاة من طراز «آرت ديكو»، تتداخل فيها المرايا والمخمل والخشب المصقول لتخلق أجواءً فنية فاخرة.
ويمكن للزائر احتساء الشاي في حديقة القصر أو تجربة مجموعة من أنواع الشاي الصيني، بينها شاي «بو-إر» الشهير، قبل الصعود إلى الطوابق العليا لاستكشاف المعارض الفنية.
مطبخ شنغهاي كما كان في ثلاثينيات القرن الماضي
أما للعشاء، فتوصي الصحيفة بمطعم «رن خه غوان» (Ren He Guan)، الذي يعيد زواره إلى أجواء شنغهاي في ثلاثينيات القرن الماضي، بديكوراته القديمة وموسيقاه وأطباقه المحلية التقليدية.
الديكور القديم، والزجاج الملون، والموسيقى الصينية التقليدية تخلق أجواءً تاريخية، فيما تضم القائمة أطباقاً محلية تجمع في كثير من الأحيان بين المذاقين الحلو والمالح.
الأحد.. العودة إلى الصين القديمة
في صباح اليوم الثالث، تقترح الصحيفة زيارة «حديقة يو» (Yu Garden)، التي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، وتعد نموذجاً كلاسيكياً لحدائق منطقة «جيانغنان» الصينية، حيث تتناغم العمارة التقليدية مع الصخور والمياه والنباتات في مشهد هادئ بعيد عن صخب شنغهاي الحديثة.
وبالقرب منها يقع «بيت شاي هوشينتينغ» (Huxinting Teahouse)، الذي يعود إلى القرن الثامن عشر، وأعيد افتتاحه بعد عملية ترميم استمرت عامين.
ويصل الزائر إليه عبر جسر ذي تسع انعطافات، صُمم بحسب المعتقدات القديمة لإرباك الأرواح الشريرة.

سوق الزواج.. وجه آخر للحياة الاجتماعية
ومن أغرب المحطات سوق الزواج في حديقة الشعب.
كل عطلة أسبوعية، يجتمع آباء وأمهات للبحث عن شريك مناسب لأبنائهم وبناتهم.
وتنتشر مئات الأوراق التي تذكر العمر والطول والعمل والدخل وأحياناً الممتلكات، لكن من اللافت أن الصور الشخصية غالباً ما تكون غائبة.
وترى نيويورك تايمز أن السوق يقدم نافذة مثيرة للاهتمام على القيم الاجتماعية وتوقعات الزواج لدى شرائح من سكان شنغهاي.
الصورة التي يقدمها التقرير لشنغهاي مختلفة عن الصورة التقليدية لمدينة صينية ضخمة مليئة بناطحات السحاب.
فهي اليوم مدينة تستطيع فيها خلال ساعات قليلة الانتقال من حديقة عمرها قرون وبيت شاي من القرن الثامن عشر، إلى معرض فن معاصر وقطار مغناطيسي فائق السرعة وحي من ناطحات السحاب.
وربما هذا التناقض هو أكثر ما يمنح شنغهاي جاذبيتها: مدينة تتجه بسرعة نحو المستقبل، لكنها تحاول في الوقت نفسه ألا تفقد ما تبقى من ماضيها.









