بينما تتحدث باكستان عن اقتراب واشنطن وطهران من «ترتيب سلام أو اتفاق»، يرفع الطرفان في العلن سقف مواقفهما، ويعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده تسيطر على مضيق هرمز. وبين التفاؤل الدبلوماسي والتصعيد السياسي، تكشف حركة السفن وأسعار النفط أن أهم ممر للطاقة في العالم لا يزال بعيداً عن العودة إلى طبيعته.
تبدو الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أقرب إلى منعطف دبلوماسي جديد، مع ظهور مؤشرات على تقدم الاتصالات غير المباشرة بين الطرفين، لكن الأزمة التي فجرتها الحرب في مضيق هرمز لا تزال تشكل الاختبار الأصعب لأي اتفاق محتمل.

اتفاق وشيك
وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من «نوع من الترتيب»، مضيفاً أن الأمور بدأت تتحرك مجدداً في اتجاه «ترتيب سلام أو اتفاق».
وتحمل تصريحات آصف أهمية خاصة في ظل الدور الذي تلعبه باكستان، إلى جانب وسطاء آخرين، في الجهود الرامية إلى تقريب مواقف واشنطن وطهران وإنهاء الحرب.
لكن هذا التفاؤل لا ينعكس حتى الآن على الخطاب العلني للطرفين.
فبحسب بلومبرغ، صعّد ترامب لهجته بشأن مضيق هرمز، مؤكداً أن الولايات المتحدة «تسيطر» على الممر البحري، في وقت أشارت فيه الوكالة إلى أن واشنطن وطهران تشددان موقفيهما رغم التحركات الدبلوماسية.
وقال ترامب أيضاً إن الاقتصاد الإيراني يعاني نتيجة الحرب، وتطرق إلى قضية التعويضات عن الأضرار الناجمة عن الصراع، وهي من الملفات التي تطرحها طهران كذلك ضمن مطالبها.
وهكذا تظهر مفارقة واضحة: الوسطاء يتحدثون عن اقتراب اتفاق، بينما يرفع الطرفان في العلن سقف مطالبهما ومواقفهما التفاوضية.

هل عادت حركة النفط فعلاً؟
في قلب هذا التناقض يقع مضيق هرمز.
فإدارة ترامب تحاول إظهار أن أزمة تدفقات الطاقة باتت تحت السيطرة. وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن صادرات النفط من الشرق الأوسط تجاوزت مستويات ما قبل الحرب يوم الأحد، وإن التدفقات ظلت قريبة من المعدلات الطبيعية خلال نحو أسبوع.
وأوضح أن ذلك تحقق من خلال تنسيق الجيش الأميركي مع دول خليجية حليفة لتأمين مرور الخام عبر هرمز، بالتزامن مع زيادة استخدام خطوط الأنابيب ومنافذ التصدير البديلة لتجاوز المضيق.
لكن بيانات حركة السفن تقدم صورة مختلفة.
فوفقاً لشركة كبلر المتخصصة في بيانات أسواق الطاقة، عبرت مضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي 84 سفينة فقط، بينها تسع سفن يوم الأحد، مقارنة بأكثر من 100 سفينة يومياً قبل اندلاع الحرب.
وتشير هذه الأرقام إلى صعوبة التوفيق بين حركة السفن المرصودة وبين إعلان وزير الطاقة أن نحو 9 ملايين برميل من النفط يومياً تمر عبر المضيق.
أما تقديرات جي بي مورغان فتشير إلى أن التدفقات الفعلية عبر هرمز أقرب إلى 4 ملايين برميل يومياً.
وقال مات سميث، مدير أبحاث السلع في كبلر، إنه «من غير الممكن التوفيق» بين ما ترصده الشركة وبين الأرقام التي تعلنها الإدارة الأميركية.
وكان يوم الاثنين أكثر دلالة على استمرار الأزمة، إذ عبرت المضيق ست سفن فقط، أربع منها متجهة إلى الداخل واثنتان إلى الخارج، ولم تكن أي منها ناقلة للنفط الخام.
خطوط الأنابيب تخفف أزمة هرمز
لكن ذلك لا يعني أن صادرات المنطقة توقفت.
فجزء مهم من قدرة دول الخليج على المحافظة على تدفقات النفط يعود إلى تشغيل خطوط الأنابيب والمنافذ البديلة بأقصى طاقاتها تقريباً.
وتشير التقديرات إلى أن ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً يجري تصديرها حالياً عبر مسارات تتجاوز مضيق هرمز.
ويبرز بصورة خاصة خط الأنابيب السعودي شرق–غرب، الذي ينقل أكثر من 5 ملايين برميل يومياً باتجاه البحر الأحمر، ما أتاح للسعودية تحويل جزء كبير من صادراتها بعيداً عن الخليج.
وهذا يعني أن تحسن صادرات المنطقة لا يعكس بالضرورة عودة هرمز إلى وضعه السابق، بل يعكس أيضاً نجاح الدول المنتجة في إيجاد طرق بديلة لإخراج النفط.
هل تحاول واشنطن خفض أسعار النفط بالكلام؟
يرى بعض المحللين أن التصريحات الأميركية المتفائلة بشأن تدفقات النفط تحمل أيضاً رسالة مباشرة إلى الأسواق.
وقال دان بيكرينغ، مؤسس شركة «بيكرينغ إنرجي بارتنرز»، إن الحكومة الأميركية، بالنظر إلى إمكاناتها العسكرية والتكنولوجية في المنطقة، يفترض أن تمتلك معلومات دقيقة للغاية عن حركة النفط، إلا أن الأرقام التي تعلنها «يصعب التحقق منها».
ويرى أن الإدارة تحاول من خلال خطابها الضغط على أسعار النفط نحو الانخفاض وطمأنة الأسواق بأن الإمدادات أصبحت تحت السيطرة.
لكن الأسعار لا تزال تعكس قدراً كبيراً من القلق.
فقد ارتفع خام برنت صباح الأربعاء بنحو 0.9% إلى 89.67 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع الخام الأميركي بالنسبة نفسها تقريباً إلى 83.98 دولاراً.
وامتدت التداعيات إلى المستهلك الأميركي، إذ بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي نحو 4.01 دولارات، مقابل أقل من 3.14 دولارات قبل عام.
Maritime traffic rises despite risk
Vessel movements increased across Hormuz and Bab el-Mandeb on 11 August, but the underlying risk picture remains elevated. Hormuz recorded 14 crossings, up 16.7% day on day, including 12 vessels entering the Middle East Gulf. Eleven of the 14… pic.twitter.com/0nd2r2c2CY
— MarineTraffic (@MarineTraffic) August 12, 2026
بعيدون جداً عن الوضع الطبيعي
تقول إدارة ترامب إن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز، لكن الحاجة إلى مرافقة عسكرية للسفن التجارية تثير تساؤلات بشأن مدى إمكانية وصف الوضع بأنه عاد إلى طبيعته.
وبحسب بيانات أوردتها CNN، تعرضت 64 سفينة لهجمات إيرانية أثناء عبورها المضيق منذ اندلاع الحرب، ما أدى إلى مقتل 17 بحاراً وإصابة 35 آخرين.
وقالت هليما كروفت، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في آر بي سي كابيتال ماركتس، إن حركة الملاحة «بعيدة جداً عن الوضع الطبيعي».
كما تزيد أنشطة ما يعرف بـ**«أسطول الظل»** صعوبة تحديد الحجم الحقيقي للتدفقات، إذ تغلق بعض الناقلات أجهزة التتبع أو تستخدم أعلاماً مختلفة لإخفاء نقل شحنات النفط الإيراني الخاضعة للعقوبات.
ومن أصل 84 سفينة عبرت المضيق الأسبوع الماضي، كانت 17 مرتبطة بأسطول الظل، فيما كانت 10 سفن تحمل شحنات خاضعة للعقوبات.
البحر الأحمر يضيف خطراً آخر
ولا تقتصر المخاطر على هرمز.
فقد أعلنت باكستان، الأربعاء، مقتل ثلاثة من مواطنيها وإصابة رابع في هجوم للحوثيين على سفينة في البحر الأحمر، بينما قالت السلطات اليمنية إن الهجوم أدى إلى مقتل ستة أشخاص على الأقل.
ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية لأن البحر الأحمر وباب المندب أصبحا من أبرز الطرق البديلة المرتبطة بتصدير النفط الخليجي الذي يجري تحويله بعيداً عن هرمز.
ورغم أن حركة الملاحة في البحر الأحمر ظلت خلال الأسابيع الأخيرة قريبة من مستوياتها المعتادة، فإن استمرار هجمات الحوثيين يعني أن الطريق البديل نفسه ليس بمنأى عن تداعيات الحرب.

اتفاق يقترب.. لكن هرمز هو الاختبار
في المحصلة، تبدو الأزمة أمام مسارين يسيران في اتجاهين مختلفين.
دبلوماسياً، تتزايد المؤشرات إلى أن واشنطن وطهران تقتربان من تفاهم يمكن أن يمهد لخفض التصعيد وربما إنهاء الحرب. لكن سياسياً وميدانياً، لا يزال الطرفان يرفعان سقف مواقفهما، فيما يبقى مضيق هرمز بعيداً عن العودة الكاملة إلى طبيعته.
وتحاول إدارة ترامب إظهار أن أزمة الطاقة أصبحت تحت السيطرة وأن النفط عاد إلى التدفق، لكن بيانات الملاحة تشير إلى أن جزءاً كبيراً من التحسن تحقق بفضل خطوط الأنابيب والمسارات البديلة، وليس نتيجة استعادة الحركة الطبيعية في المضيق.
لذلك قد لا يكون السؤال الآن ما إذا كانت واشنطن وطهران تقتربان من اتفاق فحسب، بل ما إذا كان هذا الاتفاق قادراً على إعادة السفن إلى هرمز من دون مرافقة عسكرية، وخفض أسعار النفط، وتحويل الحديث عن السلام إلى واقع على المياه.







