أتحدثُ مثل النهر
بقلم: جوردان سكوت | رسوم: سيدني سميث
أستيقظُ كلَّ صباحٍ
على وقعِ أصواتِ الكلماتِ تحيطُ بي من كلِّ جانب..
ولا أستطيعُ نطقَها جميعاً.
ماذا لو كانت الكلمات مكتملة في رأسك لكنها تتصلب على لسانك؟ وماذا لو أصبحت طريقة كلامك مصدراً للقلق والسخرية في المدرسة، قبل أن يمنحك شخص واحد رؤية جديدة كلياً لنفسك؟
هذه هي المساحة الإنسانية التي يدخلها الكاتب الكندي جوردان سكوت في كتابه المصور «أتحدث مثل النهر»، المستوحى من تجربته الشخصية مع التأتأة؛ ليحول معاناة طفل مع الكلام والتنمر إلى قصة عن التصالح والتعاطف وتقبل الذات.
ثقل الكلمات وصمت المدرسة
يبدأ الصبي يومه بكلمات تحيط به دون أن تنصاع له. ويخلق تنسيق الشعر الحر إحساساً بالتوقف والبدء المتكرر، شأنه شأن التلعثم تماماً:
حرفُ (P) في كلمة صنوبر (Pine) / تضربُ جذورُهُ / في عمقِ فمي / وتتكبلُ بهِ / أطرافُ لساني.
وحرفُ (C) غُرابٌ (Crow) / يعلقُ / في أسفلِ / حنجرتي.
وحرفُ (M) في القمر (Moon) / ينثرُ غبارَهُ على شفتَيّ / بسحرٍ / يجعلُني / أكتفي بالهمس.
أمام هذا العجز، يلوذ الصبي بالصمت: «ألتزمُ الصمتَ كالحجر.. وآكلُ حسائي دونَ أن ينبسَ فمي ببتِ شفة». لكن المحظور يقع داخل الفصل الدراسي عندما يطرح المعلم سؤالاً، فتلتفت الرؤوس ونظرات الزملاء نحوه، لتتحول اللحظة إلى عبء نفسي عارم.
وهنا يأتي تميز الرسام سيدني سميث؛ إذ يجسد المشهد من منظور الصبي الذاتي: وجوه ضبابية تتداخل في دوامة، ليعكس انهيار العالم من حوله وانكفاءه على ذاته. تصف الناقدة إليزابيث بيرد هذا الأسلوب بقولها: «هذا تحويلٌ للألم إلى فن ممتع وموجه للأطفال.. عملٌ لا مثيل له».

الملاذ عند ضفاف النهر
تتحول القصة حين يأتي الأب لاصطحاب ابنه من المدرسة قائلاً: «إنه مجرد يوم سيئ للحديث.. دعنا نذهب إلى مكان هادئ».
وسط الطبيعة، وبالقرب من المياه، يجد الأب المجاز الشافي. يشير إلى تدفق النهر المتلاطم والمندفع بالفقاعات ويقول: «أتلاحظ كيف تتحرك المياه؟ هكذا تتحدث أنت».
كانت هذه التفاتة واقعية من والد الكاتب، منحته—كما يذكر سكوت—«إذناً جميلاً باللوذ إلى الصمت»، وعلمته كيف يفكر في تلعثمه بنظرة كرم وألفة.
ومع خوض الصبي في مياه النهر المتلألئة، تفتح الصفحات على مشهد واسع مفعم بالضوء، يعكس تحرره النفسي واستيعابه للحقيقة الأهم: «حتى النهر يتلعثم».
هذا ما أحبُّ أن أتذكرَهُ،
كي أمنعَ نفسي من البكاء
أنا أتحدثُ مثل النهر
أو من الرغبةِ في الامتناعِ عن الكلامِ كلياً.
أنا أتحدثُ مثل النهر
طلاقة جديدة وقوة داخلية
يعود الصبي إلى مدرسته بهوية جديدة؛ يقف أمام الفصل بثقة ليحدثهم عن مكانه المفضل: «تحدثتُ عن النهر.. وأنا أتحدثُ مثل النهر».
لم تعد المشكلة في أنه لا يتحدث كباقي زملائه، بل في أنه كان يقيس نفسه بمعيار واحد للطلاقة. النهر لا يعتذر عن تعرجاته، ولا يتوقف لأنه اصطدم بصخرة، بل يواصل الجريان؛ وتلك هي الفكرة الأبسط والأجمل: ليس ضرورياً أن تتحدث مثل الآخرين كي يكون لصوتك مكان.
لا يقدم كتاب «أتحدث مثل النهر» عصا سحرية للتخلص من التأتأة، بل يقدم نموذجاً للشجاعة وتقبل الذات.
وكما يكتب سكوت في خاتمة الكتاب:
«التلعثم جميل بشكل مرعب.. أحياناً أرغب في التحدث دون قلق، وأود التحدث بلباقة ورقة وبكل تلك الكلمات التي تعبر عن السلاسة. لكن هذا ليس أنا.. أنا أتحدث مثل النهر.”









